العملُ السياسيّ في لبنانَ… بين التدخلات الخارجية واستعادة القرار الوطني
منذ 9 ساعات
2 دقائق
31,340 مشاهدة
د. مهى محمّد مراد
لا يمكن فهم الواقع السياسيّ في لبنان بمعزل عن التدخلات الخارجية التي تداخلت على مدى سنوات مع الحسابات الداخلية، وأثرت في مسار القرارات الوطنية، فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية والطائفية، يواجه تحديات تجعل إدارة شؤونه الداخلية مهمة معقدة، وتضع القوى السياسية أمام اختبار دائم يتمثل في قدرتها على حماية المصلحة الوطنية وسط تضارب المصالح الإقليمية والدولية.
لكنّ المشكلة لا تكمن في العلاقات مع الخارج بحدّ ذاتها، فهي جزء طبيعيّ من حياة الدول، بل في قدرة الدولة على حماية قرارها المستقل ومنع تحول مصالح الآخرين إلى عامل يتحكم في خياراتها، ومن هنا تبدأ المعالجة من الداخل، عبر مؤسسات فاعلة، وقيادات تدرك مسؤولياتها، ومجتمع يمتلك الوعي الكافي للتمييز بين المصلحة العامة والحسابات الفئوية.
وبالتالي، تؤدي المؤسسات السياسية والدستورية دورًا رئيسًا في تطويق الأزمات وإيجاد المخارج المناسبة لها، غير أنّ وجودها لا يكفي وحده لضمان الاستقرار، ما لم تمارس صلاحياتها وفقًا للدستور، وتتمكن من إدارة الخلافات ضمن الأطر القانونية… فعندما تتعطل المؤسسات تحت ضغط التجاذبات السياسية، تتراجع قدرة الدولة على اتخاذ القرارات، وتتراكم المشكلات، فيما يدفع المواطن ثمن هذا التعطيل من استقراره وحقوقه ومصالحه.
لذلك، يحتاج لبنان إلى الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، فالتفاهمات المؤقتة قد تخفف التوتر، لكنها لا تؤسس لاستقرار مستدام ما لم تقترن بإرادة سياسية جادة، ويبدأ المنهج الموضوعيّ بتشخيص المشكلة بعيدًا من المواقف المسبقة وتبادل الاتهامات، ثم تحديد المسؤوليات والبحث عن حلول قابلة للتنفيذ، تستند إلى الدستور والقانون وتراعي المصلحة العامة.
لا يمكن لهذا المنهج أن ينجح ما دام العمل السياسي محكومًا بردود الفعل والمصالح الضيقة، فالسياسة ليست مجرد صراع على السلطة أو تثبيت لمواقع النفوذ، بل مسؤولية في إدارة الشأن العام واتخاذ القرارات التي تؤثر في حياة الناس ومستقبلهم. والمسؤول الذي يدرك طبيعة موقعه يعرف أنّ السلطة تكليف وليست امتيازًا، وأنّ احترام المؤسسات وتحمّل المسؤولية والمحاسبة عناصر أساسية في ممارسة الحكم.
في المقابل، تتحمل القواعد الشعبية مسؤولية لا تقل أهمية، فالمواطن الواعي لا يكتفي بتأييد هذا الطرف أو معارضة ذاك، بل يقيّم المواقف والبرامج على أساس النتائج، ويقارن بين الوعود والأفعال، ويحاسب ممثليه على أدائهم. ولا يعني الوعي السياسي الاتفاق في الرأي، بل القدرة على الاختلاف من دون خصومة، والدفاع عن المواقف من دون إلغاء الآخر.
من هنا، تبرز أهمية توفير آليات منظمة للتحرك السياسي والشعبي، تقوم على الحوار والمشاركة والمساءلة واحترام القانون، فالمطالب تحتاج إلى وسائل تعبير مسؤولة، وإلى مبادرات عملية تستطيع تحويل الاعتراض إلى ضغط سلميّ من أجل الإصلاح، ولا ينبغي أن يبقى المواطن متلقيًا للقرارات، بل شريكًا في تحديد الأولويات ومراقبة أداء المسؤولين.
أما السلطة الوطنية، فلا تُقاس بالشعارات التي ترفعها، بل بمدى التزامها بالدستور واحترامها للقانون وممارستها لصلاحياتها ضمن المؤسسات، فالسيادة لا تكتمل بمجرد إعلان استقلال القرار، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تحميه، وقضاء مستقل، ومساءلة فعلية، ومساواة بين المواطنين. كما أنّ الانفتاح على الخارج لا يتعارض مع الاستقلال الوطني، شرط أن تنطلق العلاقات الخارجية من مصالح لبنان، وليس من حسابات تتجاوز إرادة الدولة.
ويبقى الرأي العام عاملًا مؤثرًا في توجيه الحركة السياسية، فعندما يستند إلى المعرفة والنقاش الحر وتعدد الآراء، يصبح قوة رقابية تدفع المسؤولين إلى مراجعة مواقفهم وتصحيح مسارهم، أما عندما يخضع للتضليل والخطاب المتشنج، فقد يتحول إلى عنصر إضافي في تعميق الانقسامات. وهنا تبرز مسؤولية الإعلام في نقل الوقائع بدقة، وإتاحة المجال للحوار، ومساعدة المواطنين على تكوين مواقف مستقلة.
لبنان يحتاج اليوم إلى ممارسة سياسية تعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وتضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، فالأزمات لا تُحل بتأجيلها أو بتسويات مؤقتة، بل بمواجهة أسبابها وإرساء قواعد واضحة للمسؤولية والمحاسبة، وعندما تتكامل المؤسسات الفاعلة مع الوعي السياسي والسلطة الملتزمة بالدستور والرأي العام المستقل، تصبح استعادة القرار الوطني أكثر واقعية، ويستعيد العمل السياسي دوره الحقيقي في خدمة المواطنين وصون السيادة وحماية مستقبل لبنان.