تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

المتن في دائرة الإنذار: هل تُشترى الأرض اليوم ليتغيّر وجه لبنان غدًا؟

تهجيرٌ على البارد؟ من يشتري الأراضي، ومن يموّل، ولماذا تلتزم القيادات المسيحية الصمت؟

بقلم الكاتب السياسي فرنسوا الجردي

ليست كلّ الحروب صواريخَ ومدافع، وليست كلّ عمليات التهجير قوافلَ من الناس تُجبر على مغادرة منازلها تحت النار. ثمة معارك أكثر هدوءًا، لا تُسمع فيها أصوات الرصاص، بل تُوقَّع فيها العقود وتُنقل الملكيات، فيما يتبدّل وجه الأرض قطعةً بعد قطعة، من دون أن يشعر أحد بحجم التحوّل إلا بعد فوات الأوان.

هذا هو جرس الإنذار الذي ينبغي أن يُقرَع اليوم في المتن، وتحديدًا في بعبدات والقعقور والمحيدثة، وغيرها من البلدات التي تشكّل جزءًا من النسيج التاريخي والاجتماعي للمناطق المسيحية في لبنان.

فقد عادت في الأيام الأخيرة إلى الواجهة تقارير وتحذيرات عن عمليات شراء عقارية واسعة في عدد من بلدات المتن، وسط تساؤلات حول حجم الصفقات، وطبيعة الأراضي المستهدفة، ومصادر الأموال والجهات المستفيدة. وقد نقلت وسائل إعلام عن «حركة الأرض اللبنانية» معطيات أولية تتحدث عن عشرات العقارات ومساحات واسعة، وهي معلومات تستوجب التحقّق الرسمي والتدقيق العقاري. لكنّ خطورة الملف تفرض ألّا يُترك للهمس والشائعات، وألّا يُدفن في أدراج الإهمال السياسي.

المشكلة ليست في بيع أرض، بل في احتمال تحوّل البيع المتفرّق إلى مسار يغيّر هوية منطقة بأكملها.

من أزمة اقتصادية إلى خسارة جغرافية؟

لا يمكن تجاهل الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها اللبنانيون. فالأزمات المالية، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الحياة، قد تدفع بعض العائلات إلى بيع أملاكها لتأمين حاجاتها أو تسديد التزاماتها. وهذا حقّ قانوني لا يجوز انتزاعه من أصحاب الملكيات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا لو استُغلّت هذه الظروف لتجميع مساحات متجاورة، وشراء عقارات متفرّقة ضمن نطاق جغرافي واحد، وبأسعار تتجاوز أحيانًا ما تبرّره الاعتبارات الاستثمارية المعتادة؟

هنا لا يعود الأمر مجرّد صفقة عقارية عادية، بل يصبح ملفًا يستحقّ التحقيق في نمط عمليات الشراء، وهوية المستفيدين الفعليين، ومصادر التمويل، ومدى وجود تنسيق بين المشترين والوسطاء.

إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يستفيق أبناء هذه البلدات بعد سنوات ليكتشفوا أنّ أراضيهم لم تعد بأيديهم، وأنّ الملكيات التي كانت متفرّقة أصبحت متجمّعة، وأنّ التحوّل الذي جرى بصمت بات واقعًا يصعب تغييره.

هذا هو التهجير على البارد الذي نحذّر من مخاطره: ليس تهجيرًا بالقوة المباشرة، بل احتمال دفع الناس، تحت ضغط الحاجة، إلى التخلّي عن الأرض التي تشكّل امتدادًا لتاريخهم وذاكرتهم ووجودهم.

أين ينتهي الاستثمار وأين تبدأ الشبهات السياسية؟

تُطرح في الأوساط السياسية والشعبية تساؤلات عن احتمال وجود ارتباط بين بعض عمليات الشراء ومصالح حزب الله أو جهات مرتبطة بإيران، في إطار مخاوف من تغيير التوازنات الديموغرافية في مناطق مسيحية.

هذه تساؤلات لا يجوز تجاهلها، لكنّها لا تصبح حقائق ثابتة بمجرد تداولها. فلا بدّ من أدلة موثّقة تكشف المستفيدين الفعليين من الصفقات، ومصادر الأموال، وأيّ روابط مالية أو تنظيمية محتملة.

ومع ذلك، فإنّ غياب الدليل المنشور على وجود مخطّط مركزي لا يبرّر تجاهل المؤشرات العقارية، كما أنّ عدم ثبوت مسؤولية جهة سياسية بعينها لا يعفي الدولة من واجب التحقيق والشفافية.

إذا كانت هذه العمليات مجرّد استثمارات خاصة، فلتُقدَّم الأرقام والوقائع التي تبدّد الشكوك. أمّا إذا كشفت التحقيقات عن تمويل منظّم أو تنسيق يهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية أو ديموغرافية، فعلى الدولة أن تتحرّك ضمن القانون، وأن تمنع أيّ استغلال غير مشروع للأزمات والملكيات.

لا اتهام بلا دليل، لكن لا صمت أمام مؤشرات تستوجب التحقيق.

أين الأحزاب المسيحية والبلديات؟

هنا تكمن المفارقة المؤلمة. فكيف يمكن لأحزاب ترفع شعار حماية الوجود المسيحي والدفاع عن الأرض أن تبقى خارج ملف بهذه الحساسية؟ وأين نواب المتن وبلدياته ومخاتيره وفعالياته، وأين المرجعيات المعنية بحماية الملكيات والهوية العمرانية والاجتماعية للبلدات؟

إنّ الدفاع عن الوجود المسيحي لا يكون بالخطب والمهرجانات والشعارات الانتخابية وحدها. ولا يكفي أن تتسابق القوى السياسية على إعلان تمسّكها بالأرض، فيما تُترك التحوّلات العقارية المحتملة من دون إحصاء أو متابعة أو مساءلة.

المطلوب من البلديات أن تتحرّك فورًا، كلّ ضمن صلاحياتها، لجمع المعطيات المتاحة عن حركة البيع والشراء، ورصد التغيّرات العمرانية، ورفع التقارير إلى الجهات الرسمية المختصة. والمطلوب من النواب والأحزاب المسيحية أن يتعاملوا مع القضية باعتبارها شأنًا وطنيًا واستراتيجيًا، لا مادةً موسمية للاستثمار السياسي.

كما ينبغي إطلاق مبادرة شفافة، بالتعاون مع نقابات المحامين والخبراء العقاريين والجهات الرقابية، لمراجعة الصفقات الكبيرة والمتكرّرة، والتحقّق من قانونيتها ومصادر تمويلها، مع احترام الخصوصية وحقوق الملكية وعدم تحويل الانتماء الطائفي لأيّ مشترٍ إلى دليل اتهام.

الأرض ليست سلعة عابرة، والدولة ليست متفرّجًا

إنّ حماية الأرض لا تعني منع اللبناني من بيع ملكه، ولا تعني وضع المواطنين في مواجهة بعضهم على أساس طائفي. بل تعني منع التزوير والاحتيال وغسل الأموال، والتحقّق من الصفقات التي تثير شبهات جدّية، وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء.

ومن هنا، فإنّ المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدولة اللبنانية، التي عليها أن تؤمّن الشفافية العقارية، وأن تتحقّق من المستفيدين الفعليين من الصفقات عند الاقتضاء القانوني، وأن تراقب مصادر التمويل المشبوهة، وأن تضع حدًّا لأيّ محاولة لاستغلال الفقر أو الحرب أو الأزمات الاقتصادية لتحقيق أهداف غير مشروعة.

أمّا أبناء البلدات، فعليهم ألّا يواجهوا هذا الملف بالخوف أو الشائعات، بل بالتنظيم والتوثيق والتعاون مع المؤسسات المختصة. فالمعرفة الدقيقة بما يُباع، ولمن يُباع، وبأيّ شروط، هي المدخل إلى حماية الحقوق وصون الأرض.

جرس الإنذار الأخير

يا أحزاب المتن المسيحية، ويا بلديات بعبدات والقعقور والمحيدثة وسائر البلدات المعنية: لا تنتظروا حتى تصبح الوقائع نهائية، ولا تسمحوا بأن تتحوّل القضية إلى صرخة متأخرة بعد انتقال الملكيات وتغيّر المشهد العمراني والاجتماعي.

تحرّكوا اليوم، اطلبوا البيانات، وثّقوا الصفقات، وافتحوا الملف أمام الدولة والرأي العام. وإذا كانت هناك شبهات عن تمويل منظّم أو أهداف سياسية، فلتُحسم بالتحقيق والأدلة، لا بالتخمين ولا بالتستّر.

إنّ الوجود المسيحي في لبنان ليس مجرّد أرقام انتخابية، ولا مجموعة شعارات تُرفع عند الحاجة. إنّه حضور تاريخي وثقافي واجتماعي، والأرض أحد أعمدته الأساسية. لكنّ هذا الحضور لا يُحمى بإقصاء الآخرين أو التشكيك بالجماعات، بل بدولة قوية عادلة، ومواطنين متساوين، وملكية مصونة، وقانون لا يخضع لنفوذ السلاح أو المال.

إذا كان هناك تهجير مقنّع يجري على البارد، فإنّ أخطر ما يمكن أن يواجهه هو الصمت. وإذا كانت المخاوف مبالغًا فيها، فإنّ التحقيق الشفاف وحده كفيل بتبديدها.

الأرض لا تصرخ عندما تُباع، لكنها قد تترك لأصحابها صرخةً موجعة عندما يكتشفون أنّ ما خسروه لم يكن مجرّد عقار، بل جزءًا من تاريخهم ومستقبل أبنائهم.

لقد دقّت ساعة الإنذار. فهل تتحرّك الدولة، أم تبقى الأحزاب والبلديات في موقع المتفرّج حتى يصبح السؤال متأخرًا: من باع الأرض، ومن اشتراها، ولماذا لم يتحرّك أحد في الوقت المناسب؟

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock