نولد في وطن، فنظنّ أن الوطن هو المكان الذي وُلدنا فيه.
نكبر، فنكتشف أن الوطن ليس أرضًا فقط، ولا حدودًا مرسومة على خريطة، ولا بيتًا نحتمي بجدرانه. الوطن شيء آخر… شيء يسكن فينا قبل أن نسكن فيه.
قد يبتعد الإنسان عن وطنه آلاف الكيلومترات، ويبقى الوطن قريبًا منه. وقد يعيش في وطنه، لكنه يشعر بالغربة عنه. فأين يكون الوطن؟ في الأرض، أم في الإنسان؟
ربما يكون الوطن حين تتحوّل الأرض إلى علاقة، والذاكرة إلى انتماء، والانتماء إلى مسؤولية.
لبنان ليس مجرّد مساحة جغرافية تبلغ 10452 كلم². تصبح هذه المساحة وطنًا عندما يشعر كل لبناني أن له فيها مكانًا، وصوتًا، وكرامة، ومستقبلًا.
لكن ماذا يحدث عندما يتقدّم الانتماء إلى الطائفة أو الحزب أو السلاح على الانتماء إلى الوطن؟
يبدأ الوطن بالانقسام داخل الإنسان نفسه. يصبح له وطن يقوله، ووطن آخر يعيشه، ووطن ثالث يحلم به.
وعندها لا يعود السؤال: لمن الأرض؟ بل: لمن الوطن؟
الوطن ليس ملكًا لحزب، ولا لطائفة، ولا لزعيم، ولا لسلاح. إنه المكان الذي ينبغي أن يتّسع للجميع، فلا يختصره أحد بنفسه، ولا يتحدّث باسمه وحده، ولا يقرّر مستقبله نيابة عن أبنائه. فالذي يحبّ وطنه لا يمتلكه… بل يخدمه.
والذي يحمل السلاح باسم الوطن، يبقى مطالبًا بأن يسأل نفسه: هل السلاح يحمي الوطن، أم أن الوطن صار يحتاج إلى الحماية من السلاح؟
ربما آن الأوان لأن نعيد اكتشاف حقيقة بسيطة نسيناها طويلًا: لا يبني الوطن إلا مواطن.
لا تبنيه القوة وحدها، ولا الشعارات والخطب، بل يبنيه الإنسان حين تكون كرامته مصانة، وحقوقه محفوظة، والقانون حاميًا له، والدولة بيته الكبير، لا خصمًا له.
يبنيه حين يصبح الاختلاف سببًا للحوار، لا للعداء، وحين نكتشف أن الوطن لا يحتاج إلى مواطن يشبهنا، بل إلى مواطن يختلف عنا ويبقى أخًا لنا.
لقد تعب لبنان من الذين أرادوا أن يجعلوا منه صورةً لأفكارهم. لكن لبنان أكبر من أن يكون صورةً لأحد. هو وطن يتّسع للجميع، أو لا يكون وطنًا كاملًا لأحد.
ولعلّ مشكلتنا الكبرى ليست أننا فقدنا الوطن، بل أننا فقدنا صورته في داخلنا. حمل كلّ واحد منا لبنان الذي يريده، ونسي أن هناك لبنان آخر يسكن في قلب الآخر.
من هنا تبدأ المصالحة الحقيقية: لا بمصالحة السياسيين وحدهم، ولا بتسويات بين الطوائف، بل بمصالحة الإنسان مع الإنسان.
حين أرى في الآخر لبنانيًا قبل أن أراه خصمًا، يعود الوطن إلى مكانه الطبيعي. وحين يصبح القانون أقوى من الخوف، وتكون الدولة المرجع للجميع، والمواطنة أقوى من العصبية، يبدأ لبنان باستعادة نفسه.
قد نختلف في كل شيء تقريبًا، لكن ينبغي ألّا نختلف على أن يبقى لبنان وطنًا.
لا ساحةً للصراعات، ولا مشروعًا عابرًا، ولا غنيمةً، ولا رسالةً يحملها فريق ضد فريق، بل وطنًا يسكن أبناءه ويسكنونه.
ربما يكون هذا هو لبنان الذي نبحث عنه منذ زمن: لبنان الذي لا يطلب منا أن نكون متشابهين، بل أن نكون مواطنين؛ لبنان الذي لا يخاف من تعدّده، ولا يحتاج إلى إلغاء أحد كي يثبت وجوده؛ لبنان الذي يستعيد الإنسان فيه مكانه قبل أن يستعيد الحجر مكانه.
فالوطن قد يُهدم حجرًا حجرًا، لكنه لا يموت ما دام في الإنسان رجاءٌ بأن يبنيه من جديد.