تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
أخبار الجالية اللبنانية والعربية

فلاي دبي… حين يصبح الاعتراف بشجاعة الخصم مشكلة

جمال دملج *

لم يكن الكابتن الهندي سميت ماتشهار بحاجة إلى شهادةٍ من أحد كي يصبح بطلًا. كان ملقى على أرض قمرة القيادة، ينزف بعد تعرضه لهجوم من مساعده، عندما أدرك أنّ الطائرة بدأت تهوي، وأنّ أمامه ثواني قد تفصل 174 شخصًا عن كارثة. وفي تلك اللحظة، كما روى بنفسه لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في مكالمة فيديو، استجمع ما تبقى لديه من قوةٍ وفتح باب القمرة… وثم دخل الآخرون.

هذه الجملة الأخيرة، التي تبدو عابرة في الرواية، ربما تكون هي أكثر ما يستحق التوقف عنده. فالطيار الهندي فعل ما كان يستطيع فعله وهو مصاب: قاوم، وتمكن من فتح باب القمرة. لكن الركاب الذين اندفعوا إلى الداخل شاركوا في السيطرة على المهاجم، قبل أن يتولى طيارون آخرون كانوا على متن الرحلة السيطرة على الطائرة وتغيير مسارها إلى تبوك، حيث هبطت اضطراريًا بأمان.

لم تكن إذن بطولة رجل واحد. كانت سلسلة من الأفعال الشجاعة المتعاقبة. ومع ذلك، فإنّ السؤال الذي يستحق أن يُطرح في الإعلام العربي ليس لماذا نحتفي بالكابتن ماتشهار، وإنما: لماذا يكاد الاعتراف ببطولة بعض الركاب الإسرائيليين يختفي خلف صورة الطيار الهندي؟

الطيار الذي فتح الباب

من الإنصاف أن نبدأ من ماتشهار. فالرواية التي كشفها، يوم الجمعة، في حديثه مع مودي، تجعل من الصعب التقليل من شجاعته. قال إنه كان مصابًا بجروح كثيرة، وإنه سقط على أرضية القمرة، ثم شعر بأنّ الطائرة تهوي. وفي تلك اللحظة أدرك أنه إذا لم ينهض ويفتح الباب، فقد يفقد الركاب حياتهم.

تمكن من فتح الباب رغم استمرار مهاجمه في ضربه، وقال إنّ “الجميع” دخلوا بعد ذلك. وهذه بطولة تستحق التقدير، بصرف النظر عن جنسية صاحبها. بل إنّ الاعتراف بها لا يحتاج إلى كثير من الكلام.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه البطولة الجزئية إلى الرواية الكاملة. فماتشهار نفسه، في روايته، يشير إلى أنّ فتح الباب لم يكن نهاية عملية الإنقاذ، بل كان اللحظة التي أتاحت للآخرين الدخول إلى القمرة… ومن هم هؤلاء الآخرون؟ كان بينهم ركاب إسرائيليون.

ثم دخل الركاب

هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية. فالتقارير الإسرائيلية والدولية تحدثت عن ركاب تدخلوا داخل قمرة القيادة وساعدوا في السيطرة على المهاجم، وكان من أبرز الأسماء التي ظهرت في الرواية الإسرائيلية يانيف حيون، إضافة إلى آخرين.

وحتى بنيامين نتنياهو، عندما تحدث عن الحادث، أشار إلى حيون بوصفه أحد الركاب الذين دخلوا القمرة وساهموا في السيطرة على المهاجم.

وفي إسرائيل لم يُنظر إلى هؤلاء الركاب بوصفهم مجرد أشخاص وجدوا أنفسهم في المكان الخطأ واللحظة الخطأ، بل جرى تقديمهم باعتبارهم جزءًا من عملية إنقاذ جماعية.

وهنا تظهر المفارقة. فالإعلام العربي لم يجهل وجود الركاب، و”الجزيرة”، مثلًا، تناولت في تغطيتها الأولى الحادث، وأشارت إلى روايات عن مساعدة بعض الركاب الإسرائيليين في السيطرة على المهاجم، كما عرضت تفاصيل أخرى مرتبطة بالحادث والتحقيقات.

إذن ليست القضية أنّ الإعلام العربي “أخفى” الخبر. فالقضية أكثر دقة: لماذا لم يحتل هذا الجانب من القصة المساحة نفسها التي احتلتها بطولة الطيار الهندي؟

بطولة بلا جنسية

ربما تكون الإجابة في طبيعة العلاقة بين السياسة والإعلام. فحين يكون البطل هنديًا، يمكن للصحافة العربية أن ترى في شجاعته قيمة إنسانية خالصة: هندي أنقذ إسرائيليين وعربًا وغيرهم. لا مشكلة في ذلك.

أما عندما يكون أحد الذين تدخلوا لإنقاذ الطائرة إسرائيليًا، فإنّ الاعتراف بشجاعته يصبح أكثر تعقيدًا. ليس لأنّ الفعل نفسه تغيّر، بل لأنّ هوية صاحبه تدخل إلى المشهد قبل فعله.

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا، نحن العرب، سؤالًا قد لا يكون مريحًا: هل نستطيع أن نعترف بشجاعة شخص إسرائيلي من دون أن نشعر بأننا نقدم له، من حيث لا نريد، شهادة سياسية لإسرائيل؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فإنّ المشكلة لا تعود في الإسرائيلي الذي تصرف بشجاعة، وإنما في قدرتنا نحن على الفصل بين الإنسان والدولة، وبين الفعل الفردي والسياسة الرسمية.

المشكلة ليست في الشجاعة

ربما يكون السؤال الأعمق الذي تطرحه رحلة “فلاي دبي” أبعد من الطائرة نفسها. هل نحن، في منطقتنا، أسرى للخصومة إلى درجة تجعل الاعتراف بفضيلة لدى الخصم يبدو كأنه هزيمة لنا؟ وهل أصبح الاعتراف بالآخر نوعًا من التنازل؟ وهل يخشى بعض الإعلام العربي، أحيانًا، أن يؤدي وصف إسرائيلي بأنه “بطل” إلى إضعاف الرواية السياسية العربية؟

إذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام مشكلة لا علاقة لها بالطيار ولا بالراكب ولا بالطائرة. إنها مشكلة في قدرتنا على الفصل بين الحكم على الفعل والحكم على صاحبه، وبين السياسة والإنسان. فالشجاعة لا تصبح أقل قيمة لأنّ صاحبها إسرائيلي. كما أنّ الخطأ لا يصبح أقل خطأ لأنّ صاحبه عربي… وهذه قاعدة يفترض أن تكون من أبسط قواعد العمل الصحفي.

شجاعة الاعتراف

في إسرائيل، كان من الطبيعي أن تستقبل الدولة مواطنيها الذين شاركوا في إنقاذ الطائرة وأن تقدمهم إلى الرأي العام بوصفهم أبطالًا. وفي الهند، كان من الطبيعي أيضًا أن يتحدث رئيس الوزراء مع الطيار الهندي ويشيد بما فعله. فكل مجتمع يحتفي بأبطاله. لكن الصحافة لا ينبغي أن تكون مطالبة بأن تختار أبطالها وفق الجنسية.

وهنا ربما تكمن “القطبة” الحقيقية في هذه القصة. ليست في قمرة القيادة وحدها. وليست في الطيار العماني أو الهندي أو الشركة الإماراتية أو الركاب الإسرائيليين وحدهم.

إنها في المسافة بين ما حدث فعلًا، وما نختار نحن أن نراه من الحدث. وربما يحتاج العالم العربي اليوم إلى شيء من شجاعة الاعتراف لا تقل أهمية عن شجاعة المواجهة. فليس أصعب ما في الصحافة أن تقول إن خصمك أخطأ. الأصعب، أحيانًا، أن تقول: لقد كان على حق… وفي رحلة “فلاي دبي”، قد تكون المسألة أكثر بساطة: لقد كان شجاعًا… وهذا يكفي.

*إعلامي وكاتب لبناني

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock