صراع الحوثيين والسعودية وتدخل مصر: من المنتصر ومن المتضرر
منذ 3 ساعات
7 دقائق
36,187 مشاهدة
بقلم – د. محمد نصار
لم يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة تتنازع فيها القوى الإقليمية على النفوذ والمصالح، بل أصبح ساحة مفتوحة لصراعات متشابكة تتجاوز حدود الدول، وتلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد والأمن والاستقرار ومستقبل الشعوب. وبين صراع جماعة الحوثيين والمملكة العربية السعودية، وتداعيات الحرب اليمنية، والدور المصري في حماية الأمن القومي العربي، تتجدد الأسئلة الصعبة: من المستفيد من استمرار الصراع؟ ومن يدفع الفاتورة الحقيقية؟ وهل تستطيع المنطقة تجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تدمر ما تبقى من مقومات استقرارها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن اختزالها في انتصار عسكري لطرف على آخر، أو في قدرة دولة على فرض شروطها السياسية، لأن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد المواقع التي يسيطر عليها المقاتلون، بل بقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وصيانة أمنها، والحفاظ على تماسك مجتمعاتها، ومنع خصومها من استنزاف مواردها لعقود طويلة.
اليمن.. مأساة شعب تحولت إلى صراع إقليمي
منذ اندلاع الحرب اليمنية واتساع نطاقها، تحولت البلاد إلى إحدى أكثر بؤر الصراع تعقيدًا في المنطقة. فقد تداخلت الأزمة الداخلية مع التنافس الإقليمي، وأصبحت جماعة الحوثيين طرفًا رئيسيًا في معادلة أمنية تتجاوز حدود اليمن، بينما وجدت السعودية نفسها أمام تحديات متواصلة تتعلق بأمن حدودها الجنوبية، وحماية منشآتها الحيوية، والتصدي للهجمات التي تستهدف أراضيها ومصالحها.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في المواجهة بين الحوثيين والسعودية، وإنما في تحول اليمن إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، لكل منها حساباتها الخاصة. فكلما طال أمد الصراع، تراجعت فرص التسوية الشاملة، واتسعت مساحة المعاناة الإنسانية، وتآكلت مؤسسات الدولة اليمنية، وأصبح المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر.
لقد أثبتت التجارب أن الحسم العسكري وحده لا يكفي لبناء دولة مستقرة، وأن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة المجتمع أو توفير الخدمات الأساسية أو تحقيق التنمية. كما أن استمرار الانقسام السياسي والعسكري يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية، ويجعل مستقبل اليمن رهينة لتوازنات تتغير باستمرار.
وفي المقابل، فإن استمرار التهديدات الأمنية للمملكة العربية السعودية لا يخدم استقرار المنطقة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره أزمة بعيدة عن بقية الدول العربية. فأمن السعودية جزء مهم من منظومة الأمن القومي العربي، وأي تصعيد واسع في محيطها الإقليمي ستكون له انعكاسات تتجاوز حدودها الجغرافية.
السعودية والحوثيون.. هل يوجد منتصر حقيقي؟
عند النظر إلى الصراع بين السعودية وجماعة الحوثيين، يبدو السؤال عن المنتصر أكثر تعقيدًا مما توحي به التصريحات السياسية أو الحسابات العسكرية.
فجماعة الحوثيين قد تحقق مكاسب ميدانية أو سياسية في بعض المراحل، وقدرتها على الاستمرار في المواجهة تمنحها أوراق ضغط في أي مفاوضات. لكن هذه المكاسب لا تعني بالضرورة تحقيق انتصار استراتيجي مستدام، خصوصًا إذا ظلت اليمن تعاني من الانهيار الاقتصادي وتفكك مؤسسات الدولة وتراجع فرص إعادة الإعمار.
أما السعودية، فإن حماية أمنها القومي وتقليل التهديدات على حدودها ومنشآتها الحيوية تمثل أهدافًا استراتيجية أساسية. غير أن استمرار التوتر يفرض تكاليف أمنية واقتصادية وسياسية، ويجعل الاستقرار الإقليمي شرطًا ضروريًا لتحقيق مستهدفات التنمية وتنويع الاقتصاد.
ومن هنا، فإن استمرار الصراع لا يمنح أي طرف ضمانة لتحقيق انتصار نهائي. فقد يتمكن طرف من تحسين موقعه التفاوضي، بينما يتحمل الطرف الآخر خسائر في بعض المجالات، لكن النتيجة النهائية قد تكون استنزافًا متبادلًا لا يحقق الأهداف الكبرى لأي منهما.
إن المنتصر الحقيقي ليس من يستطيع إطالة أمد الحرب، أو إلحاق أكبر قدر من الخسائر بخصمه، بل من يستطيع الوصول إلى تسوية تحمي أمنه وتمنع تجدد المواجهات، وتسمح للشعوب باستعادة حياتها الطبيعية.
البحر الأحمر.. عندما يتحول الصراع إلى تهديد للاقتصاد العالمي
لا تتوقف تداعيات الصراع اليمني عند حدود المواجهة المباشرة، بل تمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب، وهما من أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية.
وتكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة لمصر، التي يمثل البحر الأحمر وقناة السويس جزءًا محوريًا من موقعها الجغرافي والاستراتيجي، فضلًا عن ارتباط حركة الملاحة البحرية بإيرادات القناة والتجارة الخارجية وسلاسل الإمداد العالمية.
إن أي تصعيد عسكري أو تهديد للملاحة في البحر الأحمر يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، ويزيد تكاليف النقل والتأمين، ويرفع أسعار السلع، ويؤدي إلى اضطراب حركة التجارة الدولية. وقد تتحمل الاقتصادات النامية جانبًا كبيرًا من هذه الأعباء، نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة والمواد الخام.
وتتضاعف المخاطر عندما تتداخل التوترات في البحر الأحمر مع أزمات إقليمية أخرى، إذ يصبح الممر البحري ساحة لتبادل الرسائل العسكرية والسياسية، بدلًا من أن يظل شريانًا للتجارة والتعاون الاقتصادي.
وهنا تظهر خطورة تحويل الممرات البحرية إلى أوراق ضغط في الصراعات الإقليمية؛ فالمكاسب السياسية المؤقتة التي قد يحققها أي طرف لا تبرر الخسائر الاقتصادية التي قد تتحملها دول المنطقة وشعوبها.
مصر.. بين حماية الأمن القومي ومنع اتساع دائرة الحرب
تجد مصر نفسها أمام معادلة دقيقة تتطلب الحفاظ على أمنها القومي، وحماية الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، ودعم استقرار الدول العربية، مع تجنب الانجرار إلى مواجهات عسكرية واسعة لا تخدم مصالح شعوب المنطقة.
ولا يمكن النظر إلى الدور المصري باعتباره مجرد موقف سياسي من أزمة بعينها، فالموقع الجغرافي لمصر يجعلها معنية مباشرة بما يجري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كما أن استقرار اليمن والسعودية وبقية دول الخليج يرتبط بمصالح عربية واقتصادية وأمنية مشتركة.
وتستطيع مصر توظيف ثقلها الدبلوماسي وعلاقاتها الإقليمية في دعم التهدئة، وتشجيع الحوار، والعمل على منع تحول الخلافات إلى صراع إقليمي مفتوح. كما أن التنسيق العربي بشأن أمن الملاحة ومكافحة التهديدات التي تستهدف السفن التجارية يمكن أن يشكل أساسًا لتعاون عملي يحمي المصالح المشتركة.
لكن من الضروري التمييز بين الدور المصري في دعم الأمن والاستقرار، وبين افتراض وجود تدخل عسكري مباشر في أي مواجهة؛ فطبيعة الدور المصري تتحدد وفق القرارات الرسمية والتطورات الميدانية، ولا يصح بناء الأحكام على توقعات غير مؤكدة.
إن المصلحة المصرية تقتضي تجنب اتساع دائرة الحرب، لأن أي اضطراب طويل في البحر الأحمر قد ينعكس على حركة الملاحة بقناة السويس، ويزيد الضغوط على الاقتصاد المصري، الذي يتأثر بحركة التجارة الدولية وأسعار الطاقة وتكاليف النقل.
ومن ثم، فإن التحرك المصري الأكثر فاعلية هو الذي يجمع بين حماية المصالح الوطنية، وتعزيز التنسيق العربي، ودعم الحلول السياسية، والعمل على منع استخدام الممرات البحرية أداة لتصفية الحسابات الإقليمية.
من المستفيد من استمرار الصراع؟
في الحروب الممتدة، لا تتوزع المكاسب والخسائر بصورة متساوية. فبينما تتحمل الشعوب أعباء النزوح والفقر وتراجع الخدمات، قد تجد بعض القوى الإقليمية والدولية في استمرار التوتر فرصة لتعزيز نفوذها أو تحسين مواقعها التفاوضية أو توسيع حضورها العسكري والسياسي.
كما يمكن أن تستفيد بعض الأطراف المرتبطة باقتصادات الحروب من استمرار الطلب على السلاح والخدمات الأمنية والأنشطة غير المشروعة. غير أن ذلك لا يعني أن كل طرف خارجي يستفيد بالضرورة من الحرب، أو أن هناك جهة واحدة تتحكم في جميع مساراتها؛ فالمشهد أكثر تعقيدًا، وتختلف المصالح باختلاف الدول والظروف.
أما الخاسرون، فهم أكثر وضوحًا في كثير من الأحيان. ففي اليمن، يدفع المدنيون ثمن تراجع الاقتصاد وتدهور الخدمات وانقسام المؤسسات. وفي السعودية، يمثل استمرار التهديد الأمني عامل ضغط على الاستقرار الإقليمي. وفي مصر، يمكن أن تؤدي اضطرابات الملاحة إلى زيادة الأعباء الاقتصادية وتقليص بعض عوائد التجارة البحرية.
وتتضرر كذلك الدول العربية التي تعتمد على استيراد الغذاء والطاقة، أو ترتبط اقتصاداتها بالتجارة عبر البحر الأحمر، إذ يمكن أن تنتقل آثار الصراع إليها من خلال ارتفاع الأسعار وتكاليف الشحن وتراجع الثقة الاستثمارية.
إن استمرار الحرب قد يحقق مكاسب تكتيكية لبعض الأطراف، لكنه لا يضمن بناء نفوذ مستدام أو تحقيق تنمية حقيقية. فالقوة التي لا تتحول إلى استقرار سياسي واقتصادي تظل قوة معرضة للاستنزاف.
الاقتصاد العربي.. الضحية التي لا تظهر في البيانات العسكرية
عندما تتصدر أخبار الصواريخ والهجمات والتحركات العسكرية المشهد الإعلامي، غالبًا ما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالتنمية والبطالة والاستثمار والأمن الغذائي.
لكن الاقتصاد هو أحد أهم ميادين الخسارة في الصراعات الممتدة. فالحرب ترفع المخاطر أمام المستثمرين، وتزيد تكاليف التأمين والنقل، وتؤثر على حركة السياحة والتجارة، وتستنزف الموارد التي كان يمكن توجيهها إلى التعليم والصحة والبنية التحتية.
وبالنسبة إلى الدول العربية، فإن هذه الخسائر تكتسب أهمية مضاعفة بسبب الحاجة إلى تعزيز التكامل الاقتصادي، وتطوير الصناعات، وخلق فرص عمل للشباب، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية في القطاعات الاستراتيجية.
فبدلًا من توجيه الموارد إلى إعادة الإعمار وتحسين الخدمات وتطوير الموانئ وشبكات النقل، تجد الدول نفسها مضطرة إلى تخصيص مزيد من الإنفاق لمواجهة المخاطر الأمنية والاستعداد لاحتمالات التصعيد.
وتتأثر مصر على نحو خاص بأي اضطراب طويل في حركة الملاحة عبر قناة السويس والبحر الأحمر، في حين تتأثر السعودية وبقية دول الخليج بمستويات المخاطر المحيطة بمنشآت الطاقة والممرات البحرية والاستثمارات.
وهكذا، لا تبقى الحرب محصورة في حدودها الجغرافية، بل تتحول إلى عبء اقتصادي مشترك، تتوزع تكاليفه على المستهلكين والشركات والحكومات، حتى في الدول التي لا تشارك مباشرة في القتال.
هل يمكن إنقاذ الشرق الأوسط من حرب أوسع؟
إن منع اتساع دائرة الصراع يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها. فلا يمكن تحقيق استقرار مستدام في اليمن من دون مسار سياسي يضمن مشاركة الأطراف اليمنية، ويحافظ على مؤسسات الدولة، ويعالج القضايا الأمنية والاقتصادية والإنسانية.
كما أن خفض التوتر بين السعودية والحوثيين يحتاج إلى تفاهمات واضحة بشأن وقف الهجمات والتهديدات العابرة للحدود، واحترام أمن المدنيين والمنشآت الحيوية، وتهيئة الظروف أمام تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
وفي الوقت نفسه، يتطلب استقرار البحر الأحمر تعاونًا إقليميًا ودوليًا يحمي حرية الملاحة، ويمنع تحويل الممرات البحرية إلى ساحات للمواجهة. ولا ينبغي أن تقتصر هذه الجهود على المعالجات الأمنية، بل يجب أن تشمل دعم التنمية في الدول المطلة على البحر الأحمر، وتعزيز قدرتها على حماية مؤسساتها واقتصاداتها.
وتستطيع مصر، بالتعاون مع السعودية وبقية الدول العربية، أن تسهم في بناء مقاربة أكثر توازنًا تقوم على حماية الأمن القومي، وتغليب المصالح المشتركة، وتشجيع الحلول الدبلوماسية، وعدم السماح للخلافات الإقليمية بأن تتحول إلى حروب مفتوحة.
لكن نجاح أي تحرك عربي سيظل مرتبطًا بوجود إرادة سياسية حقيقية، وبالقدرة على تجاوز الحسابات الضيقة لصالح رؤية استراتيجية تعتبر استقرار المنطقة مصلحة مشتركة لا يمكن تحقيقها على حساب أمن الآخرين.
الخلاصة.. المنتصر الحقيقي هو من يمنع الحرب، والخاسر الأكبر هو الإنسان العربي
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة تضاف إلى سجل طويل من الأزمات، ولا إلى صراع يستنزف ما تبقى من موارده وقدراته التنموية، بل يحتاج إلى مراجعة جادة للأولويات، وإعادة الاعتبار للدولة الوطنية، وتغليب التنمية على المواجهة، والتعاون على التنافس المدمر.
وفي الصراع بين الحوثيين والسعودية، لا يمكن إعلان انتصار نهائي لطرف لمجرد استمراره في المواجهة أو تحقيقه مكاسب مرحلية. فالمعيار الحقيقي هو مدى قدرة أي تسوية على حماية أمن السعودية، واستعادة الدولة اليمنية لوظائفها، وإنهاء معاناة اليمنيين، وضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر.
أما مصر، فإن مصلحتها الاستراتيجية تكمن في حماية قناة السويس والممرات البحرية، والحفاظ على أمنها القومي، ودعم استقرار الدول العربية، وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية تستنزف الموارد وتضاعف الأعباء الاقتصادية.
إن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في احتمال انتصار طرف أو هزيمة آخر، بل في أن يستمر الجميع في دفع أثمان الصراع بينما تتراجع فرص التنمية وتضيع أجيال جديدة بين الفقر والنزوح وعدم الاستقرار.
فالشرق الأوسط لا يُدمَّر بالحروب وحدها، وإنما يُدمَّر أيضًا حين تصبح الحروب بديلًا عن السياسة، وحين تتحول القوة من وسيلة لحماية الشعوب إلى غاية تستنزف مقدراتها.
وفي النهاية، سيظل السؤال الأهم: من المنتصر إذا خسر اليمن استقراره، وظلت السعودية تواجه التهديدات، وتضررت مصر من اضطراب الملاحة، ودفع المواطن العربي ثمن ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل؟
الإجابة واضحة: قد يربح البعض جولة سياسية أو عسكرية، لكن المنطقة بأكملها ستخسر معركة المستقبل إذا لم تنتصر لغة العقل والدبلوماسية على منطق الصراع.