تخطي إلى المحتوى الرئيسي
43,170 مشاهدة
هشام أحمد حيدر حلبي
سألني أحد أصدقائي الأنقياء، وهو صديقي العزيز السيد عاشور ، مستفسراً عن الإدراك وما يجلبه من سكينة وراحة للوعي، فقلت له: “إن كان الإدراك مريحاً، فما بالك بما لا تدركه الأبصار وترعاه العناية الإلهية دون تدخل منك؟!”
استوقفته العبارة ملياً، ورغب في الاستزادة طالباً أن أشرح له المعنى أكثر وأبسط له الأمر، فقلت له محاولاً تقريب الصورة:
تخيل معي أن شخصاً مستغرقاً في نوم عميق، وفي خفاء عنه حطّت على ذراعه اليسرى بعوضة. هذه البعوضة -بما سخره الله لها من رؤية حرارية وليلية، وأدوات دقيقة تضم عينين مركبتين وإبرٍ مجهريةٍ داخل خرطوم دقيق- تباشر مهمتها بهدوء محترف؛ فتبدأ أولاً برش مخدر موضعي لتثبيت الأنبوب دقيق المسار، ثم تضخ مادة تمنع تجلط الدم حتى لا يتيبس أثناء السحب، بل وتجري تحليلاً سريعاً للدم لتعرف النسبة التي تحتاجها لتأمين قوتها اليومي، ممتلكةً كل السبل لإتمام مهمتها على أكمل وجه.
وفي المقابل، وبينما هذا الشخص غارق في نومه، تنطلق إشارة عصبية سريعة من ذراعه اليسرى إلى المخ تفيد بأن هناك أمراً يُدار في تلك المنطقة. يرسل المخ فوراً رسالة إلى العين لترصد الموقف وتستكشفه، فتصل الرسالة لتجد العين غير متاحة لكونها مستغرقة في النوم.
هنا لا يتوقف نظام الدفاع؛ بل يرسل المخ إشارة بديلة إلى الذراع اليمنى للذهاب والتحقق من المنطقة التي صدرت منها الإشارة، فتتحرك الذراع اليمنى وتحتك بالذراع اليسرى لإبعاد الطارئ، وكل هذا يتم والشخص النائم ما زال مستغرقاً في نومه العميق!
تُدار هذه الملحمة الكبرى بين كائن مجهري، وبين أدوات دفاع معقدة وضعها الله سبحانه وتعالى في الإنسان لا نستطيع إدراكها.
أمام هذا الإتقان والتدبير الخفي، لا يسعنا إلا أن نقول:
{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ}..