تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

من تكونين أنتِ؟

رشيد ج. مينا

أأنتِ الواقع أم الخيال؟ الحياة أم الموت؟ الأرض أم السماء؟ أأنتِ البحر بأمواجه وأعماقه، أم الجبال بشموخها وامتدادها؟ أم أنكِ شيء من هذا كله، لا يشبه شيئًا منه، ولا تختصره الكلمات؟

حاولتُ طويلًا أن أعرفكِ، وأن أفسّر ذلك الحضور الذي يلازمني حتى في غيابكِ. ثم بدأت أتعرف إليكِ عبر إحساس خفيّ لامس عقلي قبل قلبي، وطيف مرّ أمامي، فتنشّقتُ شذى عطره، ورأيت في عينيكِ وهجًا يشبه نور الفجر. وكلما اقتربتُ منكِ، توالدت في داخلي أسئلة جديدة، كأن معرفتكِ ليست نهاية الرحلة، بل بدايتها.

أنتِ المرأة؛ شريكة الرجل في الحياة، والأم التي تحتضن بدايات الوجود، وتسهم في بناء الإنسان والمجتمع والحضارة. ويعود بي الفكر إلى قصة الخلق، إلى آدم وزوجه، حين بدأت رحلة الإنسان على الأرض، بما تنطوي عليه من مسؤولية واختيار وابتلاء وأمل. وكم يدهشني ما أودعه الخالق في هذا الوجود من حكمة وأسرار، وما أعظمه من تكريم للمرأة حين جعلها شريكة في الحياة، لا تستقيم مسيرتها إلا بالمودة والرحمة، وبالتكامل في المسؤولية والعطاء.

ومع كل ما عرفته عن المرأة، أعود إليكِ أنتِ، فأجد أنني ما زلت في أول الطريق. أتعرف إليكِ كل يوم، كأنكِ عالم لا تنقضي أسراره.

ماذا فعلتِ بي؟

لم يعد قلبي وحده ينبض بحبكِ، بل غدت حواسي كلها تشاركه هذا النبض. أراكِ في الأرض والسماء، وفي البحر والجبال، وفي عبق الزهور وأول خيط من نور الصباح. أبحث عنكِ في الأشياء، فأجد أن الأشياء نفسها تحمل شيئًا منكِ.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد يسيرًا أن أفصل بين حبكِ وحبي للحياة؛ فقد تلاشت الحدود بينهما، حتى خُيّل إليّ أن كل ما أحببته في وطني قد اجتمع فيكِ: جمال الأرض، وحنين الغربة، وعبق التاريخ، ووجع الحاضر، وأحلام المستقبل. فهل أحببتكِ لأنكِ تشبهين وطني، أم أحببت وطني أكثر لأنني رأيت فيه شيئًا منكِ؟

لقد بدأت أدرك أن الحب ليس مشاعر وكلمات فحسب، بل انتماء وفعل ومسؤولية؛ حرص على كرامة من نحب، وحريته، وسعادته. إنه عطاء ووفاء ورحمة واحترام، ومعنى إنساني يسمو بنا فوق الأنانية والتملّك. لذلك لم تعودي في وجداني مجرد امرأة أحببتها، بل أصبحتِ نافذة أطلّ منها على أسئلة الوجود، وعلى الصلة العميقة بين الحب والحياة والإيمان والوطن.

ومع ذلك كله، لا أزال أراكِ كل يوم في صورة جديدة، وأشعر أن أمامي عمرًا آخر لأتعرف إليكِ. ولعل أجمل ما في الحب أنه لا يمنحنا الإجابات كلها، بل يُبقي في أرواحنا دهشة الاكتشاف وشغف الاقتراب. وسأبقى، ما دام في القلب نبض وفي الروح حياة، أبحث عنكِ في كل ما أحب، وأكتشف فيكِ ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. وعندها يعود السؤال الذي بدأت به رحلتي، لا بوصفه سؤالًا ينتظر جوابًا نهائيًا، بل بوصفه سرًا يفتح أمامي أبوابًا جديدة من الحب والمعرفة:

من تكونين أنتِ؟.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock