تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

العد التنازلي لشبح الحرب الأهلية في العراق

بين شفرة التحذير البريطاني والضغط الأمريكي .. ما الذي تعرفه لندن في الغرف المغلقة؟

بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن

في فضاء السياسة الدولية هنالك تحذيرات لا تأتي لأن الخطر بات وشيكا بل لأن بعض العواصم تبدأ برؤية ما قد تفضي إليه القرارات قبل أن تظهر نتائجها على الأرض، وحين يخرج تحذير من مؤسسة بحثية بريطانية بحجم ” تشاتام هاوس ” يتحدث عن احتمال انزلاق ” العراق ” إلى صراع داخلي إذا تحولت الضغوط الأميركية لنزع سلاح الفصائل إلى مشروع إقصاء سياسي، فإن السؤال لا يعود متعلقا بمصير السلاح وحده بل بمصير الدولة التي وجدت نفسها منذ سقوط بغداد عام ” 2003 ” تعيد البحث عن صورتها بين إرادة الداخل وشروط الخارج

إنها لحظة تتقاطع فيها الذاكرة مع المصالح وتستيقظ فيها أخطاء الماضي داخل حسابات الحاضر، وكأن العراق لم يغادر بعد الغرفة التي رسمت فيها خرائط نظامه الجديد، وإنما انتقل من مرحلة إعادة تشكيل السلطة إلى مرحلة الصراع على من يمتلك مفاتيحها الحقيقية، فلم يكن عام ” 2003 ” مجرد تاريخ عسكري في سجل المنطقة بل كان بداية تحول عميق في بنية الدولة العراقية، فمع انهيار المؤسسات الأمنية والعسكرية وتصاعد العنف ثم ظهور تنظيم داعش عام ” 2014 “، تبدلت خريطة القوة وبرزت تشكيلات مسلحة أدت دورا أساسيا في مواجهة التنظيم قبل أن يتسع حضورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومن هنا نشأت معادلة شديدة التعقيد، وهي : قوى تمتلك السلاح بأعتراف الدولة لها، لكنها تثير في الوقت نفسه سؤالا جوهريا عن قدرة الدولة ذاتها على احتكار القوة وفرض قرارها على الجميع !

وهنا تبدأ المفارقة الأميركية التي يسلط عليها تحليل ” تشاتام هاوس ” البريطاني الضوء، فواشنطن التي ساهم تدخلها في إسقاط النظام السابق وإعادة تشكيل المؤسسات العراقية في نشوء بيئة سياسية وأمنية جديدة، تريد اليوم تقليص نفوذ بعض القوى التي تعاظم حضورها داخل تلك البيئة، الا أن التاريخ لا يسمح للقوة الدولية بأن تختار نتائج تدخلاتها كما يختار المرء قطعة من رقعة شطرنج.

فالأحداث التي تطلقها الجيوش لا تبقى دائما تحت سيطرة من أطلقها، والتحالفات التي تنشأ في لحظات الضرورة قد تتحول مع الزمن إلى مراكز نفوذ يصعب تفكيكها بالأوامر، فما يبدو في واشنطن بأنه معركة على السلاح قد يكون في بغداد معركة على البقاء السياسي، وما يقدم بوصفه استعادة لهيبة الدولة قد يقرأ لدى بعض الأطراف باعتباره محاولة لإعادة توزيع السلطة وإقصاء قوى من معادلة الحكم، وبين القراءتين تتسع المسافة التي يمكن أن يولد فيها سوء التقدير حين يظن طرف أن الضغط كاف لفرض التحول بينما يرى الطرف الآخر في التراجع تهديدا لوجوده ومصالحه، لكن هل تعني هذه المعادلة أن العراق محكوم عليه بالحرب الأهلية؟

 ليس بالضرورة، فالحرب لا تولد من وجود السلاح وحده وإنما من اجتماع السلاح مع انسداد السياسة وانهيار الثقة وتراجع قدرة المؤسسات على تسوية النزاعات، ولكن في الوقت ذاته قد يتحول الخلاف على مستقبل الفصائل إلى صدام واسع إذا اقترنت إجراءات نزع السلاح بالإذلال والإقصاء، أو إذا استخدمت المؤسسات الرسمية أدوات ” انتقام متبادل “، وفي المقابل يمكن لمسار تدريجي يقوم على ” سلطة قانونية موحدة، وتسوية سياسية واضحة، وضمانات مؤسسية ” أن يفتح بابا مختلفا لا يجعل الدولة به رهينة للقوة المسلحة ولا يجعل الانتقال إلى سيادتها ذريعة لانفجار داخلي، الا أن ذلك لا يوحي به التحذير البريطاني اليوم، بالمشهد أكثر تعقيدا، وعبارة ” الحرب الأهلية ” تكتسب من ذلك وزنها الحقيقي.

هي ليست بنبوءة مؤكدة ولا دليلا قاطعا على أن ” لندن ” تمتلك معلومات سرية عن موعد مواجهة قادمة بل تحذير من طبيعة الطريق الذي قد تسلكه الأزمة إذا عولجت نتائجها بمعزل عن جذورها، ولذلك فإن اختيار هذا التعبير يكشف خطورة الاحتمال الذي يريد التحليل وضعه أمام القارئ، وهو : أن تتحول عملية استعادة الدولة إلى صراع على الدولة نفسها

 

فقراءة التحذير البريطاني المشار به من زاوية المصالح الدولية يفتح بابا آخر للتأمل، فالمؤسسات البحثية في لندن تتابع العراق باعتباره عقدة تتقاطع عندها المصالح ” الأميركية والإيرانية والعربية ” وملف الطاقة، وأمن المنطقة، ومستقبل التوازنات الإقليمية، ومن الطبيعي أن يثير احتمال الانفجار الداخلي قلقا يتجاوز الحدود العراقية، والرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من تلك الأشارات البريطانية تتمثل في حدود ” القوة الخارجية “، فواشنطن تستطيع استخدام نفوذها المالي والدبلوماسي وتستطيع أيضا رفع كلفة بعض الخيارات على بغداد، لكنها في ذات الوقت لا تستطيع بقرار منفرد أن تمحو تاريخا من التحولات الاجتماعية والسياسية، أو أن تفكك شبكات المصالح التي نشأت خلال أكثر من عقدين، كما أن النفوذ الإيراني المتواجد على الأرض لا يفسر وحده سلوك جميع الفصائل، فلكل طرف حساباته المحلية ومصالحه وحدود استعداده للتنازل .

ولذلك من هنا تحديدا يصبح العراق أكثر من مجرد ساحة تنافس بين ” واشنطن وطهران “، إنه اختبار لقدرة القوى الدولية على الاعتراف بأن المجتمعات ليست خرائط صامتة، وأن الدولة لا تبنى بمجرد تغيير موازين القوة بل بإنشاء مؤسسات يستطيع المختلفون الاحتكام إليها من دون اللجوء إلى السلاح، فإذا كانت واشنطن تريد عراقا أقل خضوعا لنفوذ الفصائل فإن نجاح هذا الهدف لا يقاس بعدد التصريحات أو بحجم العقوبات، وإنما بقدرة المؤسسات العراقية على فرض القانون بصورة مستدامة وبمدى شعور المواطنين بأن الدولة تمثلهم وتحمي حقوقهم، فعلى المدى البعيد لا يتعلق السؤال بمن سينتصر في جولة الضغط الراهنة ؟ بل بالشكل الذي ستستقر عليه الدولة العراقية من حيث بقاء السلطة، أتبقى موزعة بين مؤسسات رسمية ومراكز قوة موازية ؟ أم تتجه البلاد إلى عقد سياسي يجعل السلاح خاضعا لقرار وطني واحد، والعلاقات الخارجية محكومة بالمصلحة العراقية لا بحسابات المحاور المتنافسة؟

إن أخطر ما قد يحدث للعراق من ذلك ليس أن تختلف القوى بشأن ” مستقبل السلاح ” بل أن تفقد السياسة قدرتها على إدارة هذا الاختلاف، فحين تصبح التسوية مرادفا للهزيمة، والتنازل دليلا على الضعف، وتتحول الدولة إلى غنيمة تتنازعها الأطراف، يصبح العنف لغة بديلة عن الحوار وتغدو ” السيادة ” كلمة تتردد في الخطب بينما يتوزع القرار بين عواصم ومراكز نفوذ متعددة، والمؤلم في كل ذلك هو أن العراق الذي دفع أثمانا باهظة في الحروب والانقسامات لا يزال مطالبا بإثبات حقه في امتلاك قراره داخل أرضه، فهل تنجح الضغوط الدولية في دفعه نحو دولة تحتكر السلاح وتحمي التعددية ؟ أم أن التسرع في إعادة تشكيل موازين السلطة سيعيد فتح أبواب الصراع الذي ظن الجميع أنهم أغلقوها؟

فالتحذير ” البريطاني ” في جوهره اليوم يضع واشنطن أمام سؤال لم تستطع القوة وحدها الإجابة عنه منذ عام 2003، وهو: كيف يمكن إصلاح نظام ساهمت التدخلات الخارجية في تشكيله من دون أن تتحول عملية الإصلاح إلى أزمة جديدة؟، فالعراق لا يحتاج إلى وصاية جديدة باسم إنقاذه ولا إلى بقاء السلاح خارج سلطة الدولة باسم حمايته، بل يحتاج إلى دولة تستطيع أن تقول كلمتها على أرضها وإلى تسوية لا تقصي المجتمع ولا تمنح السلاح حق النقض على مستقبل السياسة، ففي ” الشرق الأوسط ” قد تستطيع القوة أن تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الاستقرار خلفها، وحين يتأخر بناء الدولة عن صناعة موازين النفوذ يصبح الماضي شريكا في كل قرار، وتغدو السيادة مشروعا مؤجلا بين إرادة الداخل وحسابات الخارج .

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock