تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

أطفال غزة .. جيل معلق بين الحصار، الصدمة، وغياب الأفق المستقبلي

بقلم: الكاتبة نسمة مختار

تشكل فئة الأطفال أكثر من 47% من إجمالي سكان قطاع غزة، مما يجعله واحدًا من أكثر المجتمعات فتاءً في العالم. ومع ذلك، يعيش هؤلاء الأطفال في بيئة تصنفها المنظمات الأممية بأنها “المكان الأخطر على حياة الأطفال”. إن قراءة واقع الطفولة في القطاع تتطلب تجاوز لغة الأرقام الصامتة، وتفكيك الأزمات البنيوية المتداخلة التي تعيد صياغة حاضر هذا الجيل ومستقبله.

1. الواقع الصحي والغذائي: سوء التغذية والأمراض السارية

يواجه الأطفال في غزة أزمة صحية مركبة تتجاوز حدود الإصابات الجسدية المباشرة الناتجة عن العمليات العسكرية المستمرة:

• سوء التغذية الحاد: يسجل القطاع معدلات قياسية في الهزال وفقر الدم بين الرضع والأطفال دون سن الخامسة، نتيجة للشح الشديد في تدفق المساعدات الإنسانية والاحتياجات الغذائية الأساسية كالبروتين والحليب المدعم.

• انهيار المنظومة الطبية: أدى خروج غالبية المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية عن الخدمة إلى حرمان آلاف الأطفال المصابين بأمراض مزمنة (مثل السكري، الفشل الكلوي، والسرطان) من بروتوكول العلاج الدوري.

• الأوبئة البيئية: تدمير شبكات الصرف الصحي وتلوث المياه الجوفية أديا إلى تفشي الأمراض الجلدية، النزلات المعوية الحادة، ومخاوف مستمرة من عودة شلل الأطفال والأمراض السارية.

2. قطاع التعليم: منظومة معطلة وجيل مهدد بالأمية

يمثل التعليم الضحية الصامتة والأكثر خطورة في القطاع، حيث تحولت المدارس إما إلى ركام أو إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين:

• الحرمان من المقاعد الدراسية: فقد مئات الآلاف من الأطفال حقهم في التعليم المدرسي المنتظم لعدة أعوام متتالية، مما يهدد بنشوء جيل يعاني من فجوات تعليمية معرفية هائلة وأمية وظيفية.

• تدمير البنية التحتية: طال الدمار الكلي والجزئي الجامعات والمدارس الحكومية وتلك التابعة لوكالة “الأونروا”، مما يجعل استئناف العملية التعليمية مستقبلاً يتطلب خطة إعمار وتأهيل دولية ضخمة تستغرق سنوات.

3. الأزمة النفسية والاجتماعية: الصدمات المركبة والاضطرابات الممتدة

خلف المظاهر الجسدية، يعاني أطفال غزة من ندوب نفسية عميقة يعرّفها الخبراء بـ “الصدمة المستمرة وعابرة للأجيال”:

• غياب المساحات الآمنة: يفتقر الطفل في غزة إلى مفهوم “الملاذ الآمن”؛ فالمنزل، والمدرسة، والمستشفى باتت كلها ضمن دائرة الاستهداف، مما يرفع هرمونات التوتر (الكورتيزول) إلى مستويات تؤثر على النمو العقلي والإدراكي.

• أعراض الصدمة: تنتشر بين الأطفال مظاهر القلق الحاد، التبول اللاإرادي، الرعب من الأصوات المرتفعة، والإنكار أو الانعزال التام.

• فقدان الرعاية الأسرية: تشير التقديرات الدولية إلى وجود آلاف الأطفال اليتامى أو الذين انفصلوا عن ذويهم، مما يضاعف العبء الاجتماعي على مجتمع منهك اقتصاديًا بالأساس.

إن واقع الطفولة في قطاع غزة يتجاوز التوصيف الإنساني التقليدي ليدخل في إطار تهديد وجودي للمكون البشري في المنطقة. إن التدخلات الجزئية القائمة على تقديم الطرود الغذائية المؤقتة لم تعد كافية؛ بل يتطلب الأمر إلزاماً دولياً بوقف العمليات العسكرية، وفتح المعابر لتدفق طبي مستدام، وتدشين خطة إنقاذ تعليمية ونفسية عاجلة. وبدون حلول جذرية تضمن حقوقهم الأساسية، فإن العالم يواجه مستقبلاً جيلاً كاملاً حُرِم من طفولته ومقومات نموه السوي.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock