تخطي إلى المحتوى الرئيسي
16,288 مشاهدة
بقلم: إدمون الشدياق
السراب
تُعيدنا صفحات التاريخ إلى الدرس نفسه مرارًا وتكرارًا: لبنان يبدو دائمًا كغنيمة سهلة، لكنه لم يكن يومًا كذلك. الإمبراطوريات التي سبقت الاحتلال العربي اختبرت هذه الحقيقة، وكذلك كل قوة نشأت من ذلك الاحتلال أو حكمت باسمه، وصولًا إلى ولادة الجمهورية. استطاعت تلك القوى أن تحتل أرضًا، لكنها لم تستطع أن تحتل البلد. لبنان، في جوهره، ليس مساحة تُنتزع بالقوة، بل هو هوية عصيّة على الإلغاء.
الحرب التي نعيشها
لكل مرحلة من تاريخ لبنان معركتها الكبرى. ومعركتنا بدأت مع صعود الأمير فخر الدين الثاني، ويمكن تلخيصها ببساطة: هناك من يدافع عن الاستقلال والتعددية والهوية اللبنانية، في مواجهة من يسعى إلى محوها وإذابتها.
هذه الحرب لم تكن يومًا حرب حدود أو مكاسب جغرافية أو صراعًا على أرض تُربح أو تُخسر. إنها حرب على وجود لبنان نفسه: على سيادته، على وعيه الوطني، على وجهه المميّز بين الأمم. وقد دفعت هذه الحرب أثمانًا باهظة: فخر الدين، يوسف بك كرم، وبشير الجميّل… وكل جيل يدفع ثمنًا أكبر من الذي سبقه.
الجبهة الأخطر
الجبهة الأخطر ليست عسكرية ولا جغرافية. إنها الذاكرة.
بالأمس جاء الهجوم تحت شعار “التعريب”. اليوم يأتي عبر “التفريس” وآلة ولاية الفقيه. تتبدّل الرايات، لكن الهدف واحد: اقتلاع لبنان من تاريخه ليُعاد زرعه في تاريخٍ ليس له.
كلا المشروعين يسعيان إلى غسل أدمغة الأجيال الجديدة عبر تزوير التاريخ اللبناني وتشويهه، ومحاولة القضاء على الجذور الحضارية للمجتمع اللبناني واستبدالها بجذور دخيلة. ولأجل ذلك تُستخدم القوة والسلاح، وتُستغل كل منصة إعلامية رسمية أو خاصة، من التلفزيون إلى الإذاعة مرورًا بوسائل التواصل الاجتماعي، لما لها من تأثير بالغ على الشباب.
هذه الجبهة هي الأخطر لأن الأرض إذا ضاعت يمكن استعادتها، أما العقل إذا ضاع فلا يُستعاد. شعب ينسى تاريخه لم يعد بحاجة إلى من يحتله… فقد أصبح محتلاً بالفعل. وقد عبّر الشيخ بشير الجميّل عن هذه الحقيقة حين قال:
“التاريخ مليء بدول احتلت غيرها وحاولت إذلال شعوبها، لكنه مليء أيضًا بشعوب رفضت الاحتلال وقاومته، فبقي الاحتلال محصورًا بالأرض ولم يصل يومًا إلى العقل والقلب والروح”.
الأرض التي لا يعبرها جيش
من مساحة لبنان البالغة 10,452 كيلومترًا مربعًا، هناك مساحة واحدة لا يستطيع أي جيش أن يعبرها إلا إذا فتحنا له الباب بأنفسنا: عقلنا، قلبنا، وروحنا.
إذا حافظنا على هذه الأرض، عاد الاستقلال، وتحققت رسالة الشهداء، وسقطت كل المؤامرات مهما بدت قوية اليوم.
ما الذي يتطلّبه الصمود؟
لبنان قادر على النهوض مجددًا، كما نهض المسيح في اليوم الثالث، لكن ذلك مشروط بأن نقوم نحن بدورنا.
وهذا الدور يقوم على أربعة عناصر أساسية:
الإيمان. فهو الأساس الذي لا يقوم شيء بدونه.
الالتزام. فالإيمان الذي لا يتحوّل إلى فعل يبقى مجرد إحساس.
العمل الدؤوب والشجاع. فالمقاومة ممارسة يومية وليست شعارًا.
معرفة تاريخنا وحفظه عن ظهر قلب. يجب أن نعرفه كما نعرف الصلاة، كي لا نقع في تجربة نسيان من نحن.
الوعد
نحن ورثة شعب قدّم للعالم الأبجدية وحملها عبر البحار.
نحن أبناء الذين احتموا بوادي قاديشا وبين أرز الرب، وحافظوا هناك على إيمانهم وحريتهم في وجه كل إمبراطورية مرّت. لم يسلّموا لبنان، وورّثونا إياه.
واليوم، بات الواجب علينا نحن. إذا حافظنا على ذاكرتنا وإيماننا وتاريخنا، أنقذنا حاضرنا، واكتسبنا حق الوقوف أمام المستقبل مرفوعي الرأس.
سنورّث أبناءنا ما ورثناه: لبنانًا حرًا، متجذّرًا في أرضه كأرزه، شامخًا كقممه، وله مكانه المحترم في السردية الطويلة للإبداع والحرية والمقاومة في المنطقة والعالم.