تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

شحنات المتفجرات ومسارات التهريب… لبنان على حافة أسئلة كبرى

تحقيق اخباري من اعداد جورج ديب

لم تكن الشحنات المتفجرة التي ضُبطت في مناطق لبنانية خلال الأسابيع الماضية مجرد مواد معدّة للاستخدام في عمليات محدودة أو فردية. خلف هذه الشحنات، كما تكشف مصادر أمنية ودبلوماسية لـ”بيروت تايمز”، تتشابك مسارات معقدة تمتد من الحدود الشرقية والشمالية، إلى بلدات بقاعية نائية، وصولًا إلى غرف تحقيق في بيروت ودمشق، حيث تُفتح ملفات قديمة وتُطرح أسئلة جديدة حول طبيعة ما يجري في الظلّ بين لبنان وسوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد.

التحقيقات التي تتوزع على أكثر من مسار لا تزال في بدايتها، لكنها تكشف عن شبكة من التحركات الميدانية والاتصالات العابرة للحدود، وعن أشخاص كانوا يتحركون بثقة لافتة، وكأنهم يعملون ضمن منظومة أكبر من مجرد تهريب تقليدي. ومع العثور على مسيّرة صغيرة في بلدة شليفا في البقاع، يُرجّح أنها كانت مخصّصة للتدريب، بدا أن الصورة تتجاوز مجرد شحنات متفجرات، لتلامس احتمالات تتعلق بتطوير قدرات عسكرية أو تدريب مجموعات على استخدام تقنيات جديدة.

مسارات التحقيق: من الأشخاص إلى الخرائط

تقول مصادر أمنية لبنانية إن التحقيقات بدأت من توقيف أفراد كانوا يتحركون بين مناطق بقاعية وحدودية، قبل أن تتوسع لتشمل اتصالاتهم، لقاءاتهم، والأماكن التي زاروها خلال الأشهر الماضية. بعض هؤلاء، وفق المصادر، كانوا على تواصل مع جهات داخل سوريا، بينما كان آخرون يترددون إلى مناطق لبنانية حساسة، ما دفع الأجهزة إلى التعامل مع الملف بجدية استثنائية.

وتشير المعلومات إلى أن التحقيقات لا تقتصر على تحديد مصدر المتفجرات، بل تشمل أيضًا التدقيق في احتمال انتقال مخزونات عسكرية من الأراضي السورية إلى لبنان، خصوصًا في ظل الفوضى التي أعقبت سقوط النظام السوري، وتفكك وحدات عسكرية كانت تمتلك مخازن ضخمة من الأسلحة والذخائر.

مصادر دبلوماسية مطلعة على جانب من التحقيقات السورية تؤكد أن دمشق تتابع الملف بدقة، وأنها سلّمت بيروت معلومات أولية حول شبكات يُشتبه بأنها تعمل على نقل مواد عسكرية عبر الحدود، بعضها مرتبط بضباط سابقين في أجهزة النظام، وبعضها الآخر مرتبط بجهات محلية داخل لبنان.

المسيّرة في شليفا… صدفة أم جزء من الصورة؟

العثور على مسيّرة صغيرة في بلدة شليفا أثار أسئلة إضافية. فالمسيّرة، بحسب خبراء عسكريين، ليست من النوع المستخدم في عمليات استطلاع أو هجوم، بل تبدو أقرب إلى نموذج تدريبي يُستخدم لتعليم مجموعات صغيرة كيفية التحكم بالمسيّرات، أو لتجربة تقنيات بسيطة قبل الانتقال إلى نماذج أكثر تطورًا.

مصادر أمنية لا تجزم بوجود علاقة مباشرة بين المسيّرة وشحنات المتفجرات، لكنها لا تستبعد أن تكون جزءًا من مسار تدريبي مرتبط بجهات تعمل على تطوير قدراتها التقنية. وتضيف أن “التحقيقات تتعامل مع كل عنصر جديد كقطعة محتملة من صورة أكبر، لا كحادثة منفصلة”.

هل الملفات مترابطة؟

السؤال الأكثر حساسية الذي يدور في أروقة الأجهزة الأمنية والدبلوماسية هو ما إذا كانت هذه الوقائع مترابطة، أم أنها ملفات منفصلة تتقاطع في التوقيت والجغرافيا. بعض المصادر يميل إلى فرضية الترابط، خصوصًا أن توقيفات الأشخاص، وضبط المتفجرات، والعثور على المسيّرة، كلها وقعت ضمن فترة زمنية قصيرة وفي مناطق متقاربة.

لكن مصادر أخرى تحذر من التسرّع، مشيرة إلى أن “الحدود اللبنانية – السورية لطالما كانت مسرحًا لعمليات تهريب متنوعة، من المخدرات إلى السلاح، مرورًا بمواد تستخدم في تصنيع المتفجرات”. وتضيف أن “الفوضى السورية بعد سقوط النظام فتحت الباب أمام انتقال مواد عسكرية من دون رقابة، ما يجعل احتمال وجود مخزونات متنقلة أمرًا واقعيًا”.

الانعكاسات على حزب الله: بين الأمن والسياسة

في خلفية المشهد، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل لهذه التطورات انعكاسات على القدرات العسكرية لحزب الله؟

مصادر دبلوماسية تقول إن بعض الجهات الدولية تراقب الملف من زاوية تأثيره المحتمل على الحزب، خصوصًا أن أي انتقال لمواد عسكرية من سوريا إلى لبنان قد يُفسّر ضمن سياق تعزيز قدراته أو تعديلها. لكن المصادر نفسها تشدد على أن “لا أدلة حتى الآن تربط الحزب مباشرة بهذه الشحنات”، وأن “التحقيقات تتعامل مع الملف من منظور أمني بحت، لا سياسي”.

في المقابل، تشير مصادر سياسية إلى أن الحزب يتعامل بحذر شديد مع الاستحقاقات الداخلية، ويتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة اللبنانية، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها البلد. وتضيف أن “الحزب يدرك أن أي تصعيد داخلي قد ينعكس عليه سلبًا، لذلك يفضّل البقاء في موقع مراقب، مع الحفاظ على خطوط تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف”.

أما في الجنوب، فتبقى احتمالات التصعيد مرتبطة بتطورات الميدان والضغوط الإقليمية. فالحزب، وفق المصادر، “لا يريد حربًا، لكنه مستعد لها إذا فُرضت عليه”، بينما تبقى إسرائيل في حالة ترقّب لأي تغيير في المعادلات اللبنانية – السورية.

البعد الإنساني: بلد يعيش على حافة الخوف

بعيدًا عن التحليلات الأمنية والسياسية، يبقى البعد الإنساني حاضرًا بقوة. فلبنان، البلد المنهك اقتصاديًا واجتماعيًا، يعيش منذ سنوات على حافة الخوف. كل خبر عن متفجرات، كل مسيّرة تُعثر عليها، كل توقيف لشبكة تهريب، يعيد إلى ذاكرة اللبنانيين صورًا من الحرب، ويوقظ قلقًا دفينًا من عودة الفوضى الأمنية.

في القرى الحدودية، يعيش الناس بين احتمالين: أن تكون هذه الأحداث مجرد ملفات أمنية تُعالج وتُغلق، أو أن تكون إشارات إلى مرحلة جديدة من التوتر. وفي المدن، يتابع اللبنانيون الأخبار بقلق، يدركون أن بلدهم هشّ، وأن أي شرارة قد تتحول إلى حريق.

خلاصة: أسئلة مفتوحة على مستقبل غامض

التحقيقات مستمرة، والملفات مفتوحة، والجهات المعنية تتعامل مع كل معلومة بحذر شديد. لكن ما هو واضح حتى الآن أن لبنان يقف أمام مرحلة حساسة، حيث تتقاطع المسارات الأمنية والسياسية والإنسانية في لحظة إقليمية مضطربة.

هل نحن أمام شبكة تهريب عسكرية منظمة؟
هل نحن أمام مخزونات متنقلة عبر الحدود؟
هل نحن أمام محاولات تدريب مجموعات على تقنيات جديدة؟
أم أننا أمام ملفات منفصلة تتقاطع بالصدفة؟

الأسئلة كثيرة، والإجابات قليلة. لكن ما هو مؤكد أن لبنان، بكل هشاشته، لا يحتمل مغامرات جديدة، وأن أي مسار غير مضبوط قد يفتح الباب أمام مرحلة لا يريدها أحد.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock