تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

بين ملاحقة السفيرة وصوت البيئة الشيعية… هل تعكّر المياه ما تكشفه الأرقام؟

سيرينا جمال دملج *

في السياسة اللبنانية، قد تكشف واقعة قضائية أكثر مما تقوله عناوينها، وقد يفتح استطلاع للرأي نافذةً على تحولات لا يسهل قياسها في الخطاب السياسي اليومي. وبين الشكوى المقدّمة ضد سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، والأرقام التي أظهرت تأييد غالبية المشاركين الشيعة لتسليم سلاح حزب الله إلى الدولة، يبرز سؤال يتجاوز الحدثين: هل تتسع الفجوة بين حسابات القوى السياسية وما يعبّر عنه بعض أبناء البيئة التي تستند إليها؟

ليس ثمة ما يثبت أن الشكوى قُدّمت للتغطية على نتائج الاستطلاع، ولا يجوز التعامل مع التزامن بينهما بوصفه دليلًا على وجود خطة مشتركة. لكن وضع الحدثين في سياق واحد يسمح بطرح سؤال سياسي مشروع: هل تنشغل الحياة العامة بمعارك جانبية في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى نقاش صريح حول سلطة الدولة، وقرار الحرب والسلم، ومستقبل السلاح خارج المؤسسات الشرعية؟

سفيرة تنفّذ سياسة الدولة

تتعلق الشكوى المقدّمة ضد السفيرة ندى حمادة معوض بمعلومات متداولة عن اتصالها بالسفير الإسرائيلي في واشنطن، للاطمئنان إلى صحة ابنه الذي أُصيب في حادث دهس بالضفة الغربية. وقد انتقدت وزارة الخارجية الأميركية المسار المتخذ بشأن الشكوى، معتبرةً أن استهداف دبلوماسية بسبب تنفيذ سياسة حكومتها والمشاركة في مفاوضات تقودها واشنطن أمر مستهجن.

لكن من المهم التمييز بين تقديم شكوى وبين توجيه اتهام قضائي مثبت. فالمعلومات المنشورة أفادت بأن الإخبار أُحيل إلى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية للاطلاع واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، فيما نقلت مصادر قضائية أن هذه الإحالة لا تعني، في حد ذاتها، الادعاء على السفيرة أو إحالتها إلى التحقيق.

ومهما يكن المسار القانوني الذي ستنتهي إليه القضية، فإن السؤال السياسي يبقى قائمًا: هل يُراد من الشكوى مساءلة تصرّف محدد وفق القانون، أم أن مجرد إثارة القضية في هذا التوقيت قد يتحول إلى وسيلة للضغط على دبلوماسية تؤدي مهمة رسمية؟

السفيرة اللبنانية ليست صاحبة سياسة مستقلة عن دولتها؛ فهي تمثل الجمهورية اللبنانية وتعمل في إطار التوجيهات الصادرة عن سلطاتها الدستورية. وإذا كانت رئاسة الجمهورية والحكومة قد اختارتا الانخراط في مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل، فإن المشاركة فيه لا تصبح مخالفة لمجرد أن طرفًا سياسيًا يعارض هذا الخيار. أما أي ادعاء قانوني محدد، فينبغي أن يُفحص وفق الأدلة والأصول، لا وفق الانتماءات أو المواقف السياسية.

وهنا يمكن القول قطعًا إن تحويل الخلاف على التفاوض إلى معركة مع ممثلة الدولة في الخارج قد يخلط بين الاعتراض السياسي المشروع وبين التشكيك في حق المؤسسات الشرعية في تنفيذ قراراتها. فالمعيار ليس مدى شعبية المفاوضات لدى هذا الحزب أو ذاك، بل ما إذا كانت القرارات صادرة عن المؤسسات المختصة وتُمارَس ضمن الأطر الدستورية والقانونية.

الأرقام التي تستحق الإصغاء

في المقابل، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “ستاتيستكس ليبانون” خلال سبتمبر/أيلول، وشمل 800 مواطن شيعي بالغ في مناطق مختلفة من لبنان، أن 66.4% من المشاركين يؤيدون تسليم سلاح حزب الله إلى الدولة، مقابل 29.6% يفضلون احتفاظ الحزب بسلاحه وفق الوضع القائم.

ولم تتوقف المؤشرات عند هذه النسبة. فقد رأى 71.1% من المشاركين أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون من الصلاحيات الحصرية للدولة، فيما قال 78.5% إنهم يثقون بالجيش اللبناني. كذلك، اعتبر 67.4% أن حزب الله لم يحقق أهدافه في الحرب مع إسرائيل، أو أنه حقق جزءًا منها فقط.

هذه الأرقام لافتة لأنها صادرة عن استطلاع يقتصر على مشاركين من الطائفة الشيعية، التي تشكل القاعدة الاجتماعية الأساسية للحزب. لكنها لا تعني أن جميع أبناء الطائفة يتبنون موقفًا واحدًا، ولا تكفي وحدها لإثبات تحول شامل أو دائم في اتجاهات الرأي العام. فتقييم دلالاتها يتطلب الاطلاع على تفاصيل المنهجية، وطريقة اختيار العينة وصياغة الأسئلة وهامش الخطأ، ومقارنتها باستطلاعات أخرى قابلة للمقارنة.

ومع ذلك، فإن تجاهل هذه النتائج لا يقل خطأً عن المبالغة في تفسيرها. فهي تشير، في الحد الأدنى، إلى أن مسألة السلاح وقرار الحرب والسلم ليستا بالضرورة محسومتين داخل البيئة الشيعية لمصلحة استمرار الوضع القائم، وأن أصواتًا داخلها ترى في الدولة والجيش مرجعيةً أمنية تستحق الثقة.

تعكير المياه أم مواجهة الأسئلة؟

هنا تلتقي القضيتان، لا من خلال علاقة سببية مثبتة بينهما، بل من خلال السؤال الذي تثيرانه معًا. فإذا كان استطلاع الرأي يعكس رغبة لدى شريحة واسعة من المشاركين الشيعة في نقل السلاح إلى الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها، فإن النقاش العام يحتاج إلى الإصغاء لهذه المواقف بدل اختزال البيئة الشيعية في خطاب سياسي واحد.

ومن هنا تبرز استعارة “تعكير المياه” بوصفها سؤالًا لا حكمًا نهائيًا: هل يمكن أن تؤدي المعارك القضائية والإعلامية إلى إبعاد النقاش عن التحولات التي تكشفها الأرقام؟ لا نملك دليلًا يثبت أن هذا هو هدف مقدّم الشكوى، لكن من حق اللبنانيين أن يسألوا ما إذا كانت القضايا المثارة تخدم نقاشًا قانونيًا واضحًا، أم تتحول إلى سجال يطغى على الأسئلة الأهم.

فحزب الله، بما له من حضور سياسي واجتماعي، ليس الدولة اللبنانية ولا يملك وحده تحديد خياراتها الاستراتيجية. كما أن وجوده في الحياة السياسية لا يمنحه حقًا مستقلًا في تقرير الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية. والاختلاف معه لا يقتضي إنكار وجود بيئة اجتماعية متنوعة، تضم مواقف ومخاوف وتطلعات لا يمكن اختزالها في قرار قيادة حزبية واحدة.

الدولة فوق السجالات

لا تحتاج السيادة اللبنانية إلى أن تنتصر في سجال إعلامي، بل إلى أن تصبح ممارسة يومية. فالتفاوض الذي تقرره الدولة يجب أن يخضع للمساءلة الدستورية، والقضاء يجب أن يعمل وفق القانون والأدلة، واستطلاعات الرأي ينبغي أن تُقرأ بجدية من دون تحويلها إلى أحكام نهائية على مجتمع كامل.

أما السؤال الذي يبقى مفتوحًا، فهو ما إذا كانت القوى السياسية مستعدة للإصغاء إلى ما يقوله المواطنون، حتى عندما لا تتطابق آراؤهم مع حسابات القيادات. فإذا كانت الأرقام تعكس بالفعل رغبة متنامية في حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، فإن مواجهتها لا تكون بتعكير المياه، بل بتقديم إجابات سياسية واضحة.

فهل يُترك للبنانيين أن يناقشوا مستقبل الدولة وسلاحها بصراحة، أم تطغى السجالات على السؤال الذي لا يمكن تأجيله: من يملك القرار النهائي في الحرب والسلم، الدولة أم أي قوة خارج مؤسساتها؟

* إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock