تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

١٣ تشرين: حين هرب القائد… وبقيت الأسطورة

غسان صفير

في الثالث عشر من تشرين الأول عام ١٩٩٠، لم تسقط بعبدا وحدها؛ سقط معها إمتحان قاسٍ للقيادة، وبدأت حكاية لبنانية أكثر غرابة من الهزيمة نفسها: كيف يمكن لرجل أن يغادر موقعه، ثم يعود بعد سنوات إلى صدارة المشهد، فيما تتحوّل هزيمته إلى رأسمال سياسي، ويصبح السؤال عن مسؤوليته إعتداءً على كرامة جمهوره؟

غادر ميشال عون بعبدا إلى المنفى الفرنسي، وبقيت وراء الحرب جنود وضحايا وعائلات دفعت أثماناً باهظة. أمّا التاريخ، فلم يتوقف عند لحظة الإنسحاب؛ بل بدأت معركة أخرى على تفسيرها، وعلى إعادة صياغة الذاكرة بما يسمح للزعيم بأن يبقى بطلاً، حتى حين تستدعي الوقائع مراجعة تجربته ومساءلة خياراته.

لكن المفارقة اللبنانية لا تكمن في وقوع الهزيمة؛ فالهزائم جزء من تاريخ الأمم، والإنسحاب العسكري لا يُختزل تلقائياً في الجبن أو الخيانة. المفارقة تكمن في قدرتنا على تحويل الهزيمة من واقعة تستوجب الفهم والمحاسبة إلى أسطورة تستوجب الحماية، وكأنّ مرور الزمن قادر على إعفاء أصحاب القرار من الأسئلة التي يتركها التاريخ خلفه.

هنا تبدأ الصناعة السياسية الأكثر رواجاً في لبنان: تدوير الهزائم وتحويلها إلى أمجاد. تدخل الخسارة من باب الوقائع، وتخرج من باب الدعاية مرتديةً وسام البطولة؛ ويُعاد توزيع الأدوار بحيث يصبح صاحب القرار ضحيةً للمؤامرة، وتصبح مساءلته خيانة، فيما يُطلب من الذين دفعوا الثمن أن يكتفوا بشرف الإنتماء إلى الرواية.

في هذه المعادلة، لا يعود المطلوب أن نفهم ما حدث، بل أن نؤمن بتفسير محدّد له. لا يعود التاريخ مساحةً لإستخلاص العِبر، بل محكمةً مغلقة يُمنع فيها إستجواب البطل. وإذا تعذّر الدفاع عن النتائج، جرى الإحتماء بالنيات؛ وإذا عجزت الرواية عن الإجابة، إستُدعي التخوين لإسكات السؤال.

في لبنان، لا يحتاج الزعيم دائماً إلى الإنتصار كي يصبح بطلاً؛ يكفي أحياناً أن ينجح في إقناع جمهوره بأنّ هزيمته إنتصارٌ لم يفهمه التاريخ بعد.

لكنّ القضية أعمق من ميشال عون، وأخطر من ذكرى حزبية. إنّها تتصل بعلاقة المجتمع بالسلطة، وباللحظة التي يتحوّل فيها الزعيم من شخص قابل للخطأ إلى جزء من هوية أتباعه، بحيث يصبح نقد قراراته تهديداً لذواتهم، والإعتراف بإخفاقه إعترافاً بإخفاقهم هم.

عندها، لا يعود الولاء موقفاً سياسياً قابلاً للمراجعة، بل يتحوّل إلى عقيدة. ويصبح الجمهور مستعداً للدفاع عن صورة الزعيم حتى لو إضطر إلى التضحية بحقه في الحقيقة. فالإنسان لا يدافع دائماً عن قائده لأنه مقتنع بكل ما فعله؛ أحياناً يدافع عنه لأنّ الإعتراف بخطئه يفرض عليه مواجهة سنوات من التبرير، وأسئلة كان يفضّل ألّا يطرحها على نفسه.

وهكذا تتحوّل الهزيمة إلى ميراث، والميراث إلى هوية، والهوية إلى سجن. وبدل أن نورّث الأجيال ذاكرةً تساعدها على فهم الماضي وتجنّب أخطائه، نورّثها خصوماتنا ورواياتنا المتنازعة، ونطلب منها أن تحرس أساطير لم تصنعها، وكأنّ واجبها حماية صورة الزعيم لا بناء وطن يستطيع العيش خارج ظلال الزعماء.

ولعلّ المفارقة الأشدّ مرارة أنّ الرجل الذي غادر بعبدا عام ١٩٩٠ عاد بعد سنوات إلى لبنان، ثم وصل إلى رئاسة الجمهورية. لم يكن هذا التحوّل مجرّد عودة شخصية إلى السلطة؛ بل كان دليلاً على قدرة النظام السياسي اللبناني على إعادة تدوير زعاماته، من دون أن تتحوّل تجاربها بالضرورة إلى مراجعات عامة صارمة. كأنّ الزمن عندنا لا يُستخدم لفهم الأخطاء، بل لمحو المسافة بينها وبين الذاكرة؛ وكأنّ العودة إلى السلطة يمكن أن تحلّ مكان الإجابة عن أسئلة الماضي.

ومع ذلك، فإنّ النقد الجاد لا يحتاج إلى أحكام عسكرية متسرّعة، ولا إلى إختزال كل إنسحاب في الهروب. الحروب معقّدة، والقرارات تُتّخذ في ظروف إستثنائية، والحكم المنصف يحتاج إلى الوقائع. لكنّ تعقيد التاريخ لا يمنح أي قائد حصانة أبدية من المساءلة، كما أنّ إحترام التضحيات لا يفرض علينا تقديس القرارات التي أحاطت بها.

ما الخيارات التي كانت متاحة؟ من إتّخذ القرارات؟ ما النتائج التي ترتّبت عليها؟ ومن تحمّل كلفتها؟ هذه ليست أسئلة إنتقامية، ولا إنتقاصاً من شجاعة الجنود أو تضحياتهم؛ بل هي الحدّ الأدنى من إحترام عقول الناس وحقّهم في معرفة تاريخهم. فالضحايا لا يُنصفهم تحويل آلامهم إلى رأسمال سياسي، ولا يُكرَّم الشهداء بإعفاء الأحياء من المحاسبة.

إنّ أخطر ما تفعله الأسطورة ليس أنّها تعيد تفسير الماضي فحسب، بل أنّها تصادر المستقبل أيضاً. فالمجتمع الذي يرفض الإعتراف بأخطائه لا يتعلّم منها، والذي يمنح زعماءه حصانةً رمزية يظلّ مهيّأً لإعادة إنتاج التجربة نفسها، بأسماء وشعارات مختلفة. وقد تتغيّر الرايات، وتتبدّل التحالفات، وتتجدّد خطابات السيادة والكرامة والمقاومة، لكنّ البنية تبقى واحدة: زعيم فوق السؤال، وجمهور في موقع الدفاع، ومواطن يدفع ثمن قرارات لم يُمنح حقّ محاسبة أصحابها.

لهذا، فإنّ الثالث عشر من تشرين ليس مجرّد ذكرى عن سقوط بعبدا أو نفي قائد. إنّه إمتحان لقدرتنا على التمييز بين الوفاء والتبعية، وبين إحترام التضحيات وتقديس القرارات، وبين حفظ الذاكرة وتحويلها إلى أداة لإلغاء الحقيقة.

فالمجتمع الناضج ليس مجتمعاً بلا أبطال، بل مجتمع يرفض تحويل أبطاله إلى كائنات فوق النقد. وليس مجتمعاً ينسى هزائمه، بل مجتمع يمتلك الشجاعة لمواجهتها، لأنّه يدرك أنّ الإعتراف بالإخفاق ليس إهانةً للوطن، وأنّ المساءلة ليست خيانةً للقضية، وأنّ الحقيقة لا تصبح أقلّ قيمةً لمجرّد أنّها تُزعج جمهوراً أو تُسقط صورةً محبوبة.

فالزعيم الذي يحتاج إلى تعطيل الأسئلة كي يحافظ على بطولته، لا يحمي تاريخه؛ بل يحمي صورته من التاريخ.

وفي الثالث عشر من تشرين، لا تكمن المسألة في أن نكره ميشال عون أو نقدّسه، ولا في أن نستبدل روايةً حزبية بأخرى مضادّة. المسألة أن نرفض منح أي زعيم إمتيازاً لا يملكه أي إنسان: أن يتّخذ القرار، وأن يحتكر تفسيره، وأن يحدّد بنفسه إن كان يستحقّ المحاسبة.

قد يخسر القائد معركة، وقد يفرض الواقع عليه الإنسحاب، وقد يختلف المؤرخون في تفسير الوقائع. لكنّ الخطر يبدأ حين يخسر المجتمع حقّه في السؤال، وحين تصبح الذاكرة ملكاً للزعيم، والحقيقة رهينةً لجمهوره، والمحاسبة تهمةً لا يجرؤ أحد على تحمّلها.

عندها، لا تعود الهزيمة حدثاً من الماضي؛ تصبح نظاماً لإدارة الحاضر، وآليةً لإعادة إنتاج السلطة، ووسيلةً لإبقاء الوطن أسيراً لزعامات تتغيّر مواقعها فيما تبقى فوق المساءلة.

في الثالث عشر من تشرين، غادر القائد بعبدا، لكنّ الأسطورة بقيت. أمّا الهزيمة الأعمق، فهي أن يبقى شعبٌ بعد كل هذه السنوات عاجزاً عن تحرير الحقيقة من قبضتها.

فالبلاد لا تستعيد كرامتها بتلميع هزائمها، ولا تستعيد سيادتها بتقديس من حكموا بإسمها، ولا تبني مستقبلها حين تجعل من ماضيها منطقةً محرّمة على النقد.

وحين يُطالَب الشعب بأن ينسى كي يبقى الزعيم بطلاً، لا يكون التاريخ قد أنصف القائد؛ بل تكون السياسة قد نجحت في إقناع الضحية بأنّ حماية الأسطورة أهمّ من إستعادة الحقيقة.

وهذه، ربما، هي الهزيمة التي تستحقّ أن نتوقّف عندها طويلاً: ليس فقط أن يخسر قائدٌ معركة، بل أن يُقنع شعباً بأنّ حقّه في محاسبته هو الخيانة، وأنّ صمته هو الوفاء، وأنّ التصفيق فوق الأنقاض شكلٌ من أشكال الإنتصار.

فالأوطان لا تُهزم حين يسقط قادتها فحسب؛ تُهزم نهائياً حين يصبح القادة أكبر من الحقيقة، وتصبح الحقيقة أصغر من أن تُقال.

#ذاكرة_بلا_تقديس

#١٣_تشرين

#بس_هيك

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock