ماذا لو كانت “شاحنة متفجرات ضهر البيدر”، “مرصودة إسرائيليا” من مصدرها إلى هدفها، كما تراقب قادة الحزب ومسؤوليه “على النفس”. لتستنسخ بذلك نكبة “تفجير مرفأ بيروت”. وعليه، ماذا لو تجددت التجربة التي جمعت “المعتدي عمدا” مع من وفر “الهدف الثمين”؟
الجمهورية – جورج شاهين الم يكن طبيعياً أن يمرّ الكشف عن شاحنة “متفجّرات ضهر البيدر”، كحدث عابر وعادي. ولم تحل عطلة نهاية الأسبوع، التي تلت الإعلان – الحدث، عمّا وفّرته التحقيقات الأولية التي أُجريت مع الموقوفين، من دون نوع من الاستنفار على مختلف المستويات. وقد شكّلت بعض المناسبات الاجتماعية مجالاً للتوسع في ما أحيته من مخاوف، زرعت القلق في كثير من الأوساط الديبلوماسية بعد العسكرية والحكومية، وخصوصاً لجهة تردّداتها المحتملة في توقيتها بعد شكلها ومضمونها. وهذا بعض ما تردّد على هامشها.
أياً كانت النتائج التي يمكن أن تفضي إليها التحقيقات الجارية مع موقوفين، كانا يتوليان نقل محتويات السيارة – الشاحنة من المتفجّرات ومتمِّماتها، للقيام بأي عملية تفجير محتملة في أي مكان، فإنّ ما توافر من معلومات عن توقيفها قبل 8 أيام، وتحديداً الاثنين المصادف 5 تشرين الأول الجاري على حاجز لقوى الأمن الداخلي في ضهر البيدر، أثار كثيراً من الجدل على أكثر من مستوى. ولما عبّرت أكثرية التصريحات الرسمية، ولا سيما منها الحكومية، التي تقدّمها كل من رئيس الحكومة نواف سلام ووزير العدل عادل نصار، اللذين عبّرا عن القلق ممّا تحمله هذه العملية من متفجّرات استُخدِمت في اغتيالات سابقة، مشدّدَين على استكمال التحقيقات، توصُّلاً إلى الحقيقة وتحديد هوية المخططين ومحاكمتهم. ومعهما المواقف والمدوّنات على وسائل التواصل الاجتماعي التي سجّلها سياسيّون وحزبيّون، عبّروا عن مخاوفهم وقلقهم من العملية، وما يمكن أن تقود إليه في مثل الظروف التي تمرّ فيها البلاد.
وإلى ما أجمعت عليه هذه المواقف، لفتت مراجع سياسية وديبلوماسية وعسكرية، على اعتبار أنّ ما حصل، جاء في أسوأ توقيت بالنسبة إلى لبنان واللبنانيّين. فهو تزامن مع الجهود المبذولة لتنفيذ قرارات مجلس الوزراء التي صدرت تباعاً منذ الخامس والسابع من آب 2025 وصولاً إلى قرارَي 2 آذار و8 نيسان 2026، الخاصة بحظر السلاح غير الشرعي جنوب الليطاني وحصره في كل لبنان، واعتبار الجناح العسكري لـ”حزب الله” خارجاً على كل القوانين المرعية الإجراء. وما يُضاف إلى هذه الملاحظة، أنّ الحادث وقع على عتبة المساعي المبذولة لاستئناف المفاوضات على “مسار واشنطن – روما”، سواء جاءت الجولة الثالثة منها في روما، والثامنة منذ انطلاقها في واشنطن، عسكرية أم سياسية وديبلوماسية. وفي وقت يستعد الفريق العسكري اللبناني المفاوض للمشاركة في “جولة عسكرية” يتوقع أن تستضيفها قيادة المنطقة الوسطى الأميركية “سنتكوم” في مدينة تامبا في فلوريدا في توقيت لم يُحدَّد بعد.
وإلى هذه المعطيات، لم يُسجَّل حتى اللحظة أي موقف من قيادة “حزب الله” يمكن أن يحمل نفياً أو تأكيداً لاعتراف الموقوفَين أنّهما من أعضاء الحزب، ولا توصيفاً لما حصل ومصير هذه المتفجّرات والغاية من نقلها والهدف منها. لكنّ ذلك ترافق مع حملة إعلامية وسياسية تدافع عن العملية وتعتبرها طبيعية للغاية، ولا حاجة لتضخيمها أو تحميلها ما لا تحتمله بالنسبة إلى حزب لم يعترف بعد بما قالت به القرارات الحكومية، على رغم من وجود وزيرَين له ما زالا في الحكومة، وتصويت زملائهم الثلاثة الآخرين من الوزراء الشيعة إلى جانب هذه القرارات.
وعلى هامش هذه الملاحظات، وما يمكن أن تقود إليه، فقد رفضت مراجع عسكرية وسياسية تشبيه الحادث بما حصل سابقاً، وأنّ ما هو مطروح اليوم لا سابقة له بهذا الشكل وحجم المواد المتفجّرة المنقولة، ما عدا عمليات توقيف بعض عناصر الحزب الذين كانوا ينقلون صواريخ وأسلحة محرَّمة. ولذلك، إنّ ما حصل لا يشبه حادثة “شاحنة الكحالة” التي وقعت في 9 آب 2023، وفي توقيت سبق صدور قرارات الحكومة التي حظرت نقل الأسلحة وألغت “بطاقات تسهيل المرور” التي كان يحظى بها آلاف من أعضاء الحزب ومسؤوليه للتنقل بأسلحتهم الفردية ونقل كل أنواع الأسلحة من مكان إلى آخر، وعليه، فإنّ أي طلب لاستردادها مرفوض سلفاً ولا نقاش في شأنه كما حصل من قبل. وإن تجاوز النقاش بعضاً من الملاحظات الشكلية التي يمكن تبريرها، فإنّ نقل هذه الكمية من المتفجّرات إلى الضاحية الجنوبية أو إلى أي مكان آخر من العاصمة، فإنّها وإلى جانب تجاوزها التعهّدات بجعل بيروت الكبرى مدينة خالية من السلاح، تشكّل خروجاً على ما قال به تفاهم 27 تشرين الثاني 2024، وصولاً إلى أنّ التفسير المعطى لنوع المتفجّرات المنقولة، يعطيها أبعاداً أخرى تتصل بإمكان استخدامها الفوري في عمليات لا قدرة للوصول إلى المناطق المحتلة لتستهدف القوات الإسرائيلية المنتشرة جنوب الليطاني، ذلك أنّ أي التحام مباشر لم يعُد موجوداً بين مسلّحي الحزب والقوات المحتلة، بعد أن تعهّد الحزب أكثر من مرّة بتعليق عملياته العسكرية جنوب الليطاني. وهو ما أبعد المواجهة المحتملة وأي صدام مباشر مع الجيش الإسرائيلي. خصوصاً أنّ الفاصل بين انتشارهما تلال وجرود بعيدة ومدن وقرى ينتشر فيها الجيش اللبناني، وفق خطة تمّ التنسيق لها مع الجانب الأميركي لمنع توسع الاحتلال في اتجاهها، وهو عمل ترجمته “المنطقة النموذجية الأولى” والانتشار المكثف في النبطية، في إشارة يعتقد المسؤولون أنّها باتت محمية من أي هجوم إسرائيلي جديد، ما لم يُستدرج إلى أي عملية يبرّرها صاروخ أو طائرة مسيّرة يمكن أن تستهدفه.
وتلتقي المراجع المعنية، على أنّ ما حصل سابقة خطيرة جداً، ولن يقود أي تفسير يخفِّف من وطأة ما حصل سوى إلى مزيد من تشويه الصورة. عدا عمّا نُقِل عن مسؤول عسكري غير لبناني، ردّ على سؤال عن احتمال “توريط الحزب في العملية” بسؤال مماثل، عمّا كان يمكن توقّعه لو كانت الشاحنة “مرصودة إسرائيلياً” كما ترصد مسؤوليه وتحرُّكاتهم “على النفس”. مضيفاً: “ألا تحيي المخاوف من إمكانية استنساخ تجربة عملية “تفجير مرفأ بيروت” في 4 آب 2020 وما أدّت إليه من ربط منطقي – يتجاهله البعض عمداً – بين “منفّذ الاعتداء” ومَن وفَّر له “الهدف الثمين”، ليكون سبباً مبرّراً دولياً وإقليمياً ومحلياً لتفجير محتواها بمئات الكيلوغرامات من الـ “البنتريت” ومادة “C4″، ومتمِّماتها من “الحشوات الموجّهة”؟.