لم يعد جبران باسيل في الموقع السياسي الذي كان يحتله قبل سنوات. تبدّلت التحالفات، تغيّرت موازين القوى، وتراكمت على تجربته السياسية خيارات ومواقف تحتاج إلى مراجعة لا إلى مكابرة.
من حق باسيل أن يعارض الرئيس جوزاف عون وحكومة نواف سلام، لكن من حق اللبنانيين أيضاً أن يسألوه عن تجربته في السلطة. فالتيار الوطني الحر كان شريكاً أساسياً في الحكم، وتولى ملفات ووزارات أساسية، وفي مقدمها الطاقة. لذلك لا يمكن محاسبة الآخرين من دون تقديم كشف حساب عن المرحلة السابقة.
والمسؤولية هنا لا تقع على باسيل وحده، بل على التيار أيضاً. فالتيار كان شريكاً في القرار والحكومات والتسويات، وعليه أن يراجع أداءه كتنظيم سياسي، وأن يسأل بصدق أين أصاب وأين أخفق، بدل أن يتحول كل نقد إلى معركة دفاع عن الماضي. فالاعتراف بالخطأ لا ينتقص من التيار، بل يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة بناء صورته وثقة جمهوره به.
وفي علاقته بحزب الله، انتقل باسيل من التحالف والتفاهم إلى انتقادات أكثر وضوحاً، خصوصاً في ملف السلاح وقرار الحرب والسلم. المراجعة السياسية حق، لكن قيمتها تكون أكبر عندما تكون ثابتة ومبدئية، لا مرتبطة بتبدل الظروف.
أما المواجهة مع سمير جعجع والقوات اللبنانية، فقد استنزفت طويلاً الساحة المسيحية. والخلاف السياسي مشروع، لكن اللبنانيين ينتظرون من القوى المسيحية تنافساً على مشروع الدولة لا استمراراً في معارك الماضي.
وتبقى العقوبات الأميركية المفروضة على باسيل منذ عام 2020 عبئاً على صورته الخارجية، فيما يحتاج أي دور سياسي مستقبلي إلى إعادة بناء الثقة داخلياً وخارجياً.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن باسيل انتهى سياسياً. فهو لا يزال رئيساً للتيار ونائباً وفاعلاً في الحياة السياسية. لكن البقاء في الموقع لا يعني الحفاظ على التأثير نفسه.
وهنا يقع العتب الحقيقي: كان يمكن لباسيل أن يكون أكثر ثباتاً في خياراته، أقل اندفاعاً في خصوماته، وأكثر شجاعة في الاعتراف بأخطاء المرحلة السابقة.
المطلوب اليوم ليس معركة جديدة ولا تبريراً للماضي، بل مراجعة حقيقية تعيد للتيار حيويته، وتفتح الباب أمام وجوه جديدة، وتضع مشروع الدولة فوق الحسابات الحزبية.
فالسياسة لا تُقاس بمن يبقى في موقعه، بل بمن يستطيع أن يجدد ثقة الناس به. وهذه الثقة لا تُستعاد بالمكابرة، بل بالمراجعة والثبات والإنجاز.