تخطي إلى المحتوى الرئيسي
31,754 مشاهدة
مقال صحفي تحليلي – ضياء الدين مرزقي
لم يعد وصف «السيارة الطائرة» مجرد عنوان من أفلام الخيال العلمي. ففي 15 أكتوبر الجاري، كشف إيلون ماسك خلال فعالية أقامتها تسلا في منشأة تابعة لشركة سبيس إكس بولاية تكساس عن الجيل الجديد من سيارة Roadster، مؤكدًا أن السيارة تستطيع الارتفاع في الهواء وتنفيذ حركات بهلوانية باستخدام دافعات تعمل بالغاز المضغوط. لكن الفارق بين عرض سيارة تقفز وتدور لثوانٍ وبين طرح مركبة تطير لمسافات طويلة في الحياة اليومية يظل كبيرًا. وهذه هي النقطة التي تجعل إنجاز تسلا مثيرًا للاهتمام، ومحلّ تحفظ في الوقت نفسه.
ماذا عرضت تسلا؟
أظهر العرض سيارة رودستر وهي تصعد منحدرًا مقوسًا، وتستخدم نظام شفط أسفل الهيكل ليساعدها على الالتصاق بالسطح حتى عندما تصبح مقلوبة. بعد ذلك غادرت المنحدر، ودارت في الهواء ثم هبطت على عجلاتها. وفي مشهد آخر قفزت فوق صف من سيارات تسلا. ولم يكن في السيارة سائق خلال العرض؛ إذ قال ماسك إن التحكم عن بُعد استُخدم «لضمان ألا نقتل أحدًا» بحسب تغطية شبكة CNN .
تقول تسلا إن السيارة تستفيد من خزانات هواء «فائقة الضغط» ومن عشر فوهات دفع، مع دافعات تعمل بالغاز البارد يمكنها توفير قوة دفع وتحقيق تعديلات سريعة على وضعية المركبة. أما نظام الشفط متعدد الأنماط فيسحب الهواء من أسفل السيارة ليولّد قوة ضغط إلى الأسفل، وهي وظيفة مفيدة للتماسك على الحلبة، وليست طيرانًا بحد ذاتها .
وتعرض الشركة السيارة في مستويات مختلفة. فهناك نسخة مخصصة للطرق، ونسخة «Thrust» ذات أداء أعلى، ثم نسخة «Rocket» بمقعد واحد ونظام الطيران الكامل. ووفق صفحة تسلا الرسمية، فإن نسخة Rocket متاحة بالدعوة فقط، وغير معتمدة للاستخدام على الطرق العامة .
هل طارت السيارة فعلًا؟
الإجابة المختصرة هي: نعم، ارتفعت عن الأرض ونفذت مناورة جوية في عرض مضبوط؛ لكن هذا لا يثبت أنها أصبحت سيارة طائرة بالمعنى الذي يتوقعه المستهلك العادي. فالعرض لم يبرهن على تحليق مستمر، أو انتقال آمن من الإقلاع العمودي إلى الحركة الأمامية، أو قدرة على قطع مسافة جوية مفيدة، أو تشغيل المركبة في ظروف جوية متغيرة.
لهذا وصف خبراء نقل جوي تحدثوا إلى CNN ما جرى بأنه أقرب إلى «القفز» منه إلى الطيران المستدام. فالمركبة الأرضية تحتاج إلى هيكل قوي، ومناطق امتصاص صدمات، وإطارات ومكونات تتحمل الطريق، بينما تحتاج الطائرة إلى خفة كبيرة وأنظمة رفع وتحكم فعالة. الجمع بين المتطلبات غالبًا ما ينتج مركبة ثقيلة على الطيران ومكلفة على القيادة .
هذه ليست ملاحظة شكلية. فإطلاق سيارة ثقيلة بواسطة دافعات صاروخية أو غازية يستهلك طاقة ووقودًا بسرعة، ويزيد مخاطر فقدان التوازن. كما أن الارتفاع لا يكفي وحده لإثبات صلاحية الطيران؛ إذ يتعين التحكم في الاتجاه والسرعة والهبوط، مع توفير هامش أمان في حال تعطل فوهة أو تسرب ضغط أو تغيرت الرياح.
التكنولوجيا: ابتكار حقيقي، لكن ليس ثورة مكتملة
تسلا لم تقدم مجرد مؤثر بصري. فدمج التحكم الكهربائي بالدافعات، ونظام الشفط، والديناميكا الهوائية النشطة، يمكن أن يمنح رودستر أداءً غير معتاد على الحلبات. وتوضح الشركة أن الدافعات ذات الغاز البارد مزودة بمشغلات كهربائية للمساعدة على تثبيت المركبة أثناء وجودها في الهواء . ومن هذه الزاوية، فإن السيارة تمثل تجربة هندسية تجمع بين خبرة تسلا في المركبات وخبرة سبيس إكس في أنظمة الدفع والتحكم.
لكن الاستفادة من تقنية فضائية لا تعني تلقائيًا أن المركبة أصبحت طائرة عملية. الصاروخ مصمم لإنتاج دفع هائل لفترة محدودة، بينما تحتاج مركبة جوية مأهولة إلى كفاءة واستقرار وسلامة وإجراءات تشغيل يمكن تكرارها آلاف المرات. وكل إضافة إلى السيارة، مثل خزانات الضغط والفوهات وأجهزة التحكم، تعني وزنًا وتعقيدًا وتكلفة وصيانة إضافية.
المقارنة مع شركة Alef الناشئة توضح صعوبة المسألة. فقد أشارت CNN إلى أن نموذج Alef يستخدم ثماني مراوح ويمكنه الارتفاع، لكنه يزن نحو 254 رطلًا فقط ويحمل شخصًا واحدًا بوزن محدود. أما تحويل سيارة رياضية ثقيلة ومجهزة للطرقات إلى مركبة قادرة على الطيران، فيضع تحديات أكبر بكثير .
العقدة التنظيمية: من يراقب سيارة تطير؟
تتجاوز رودستر حدود قطاع السيارات من الناحية القانونية. فالهيئة الوطنية الأميركية للسلامة المرورية على الطرق السريعة قالت إن على الشركة ضمان توافق المركبة مع معايير سلامة السيارات، بينما أفادت إدارة الطيران الفيدرالية بأن السيارة لا تنطبق عليها حاليًا صفة «طائرة» وفق تعريفها . وهكذا تظهر منطقة رمادية: إذا بقيت رودستر سيارة، فعليها احترام قوانين المركبات؛ وإذا مارست طيرانًا فعليًا، فقد تتطلب متطلبات مختلفة للتصميم والتشغيل والترخيص.
تسلا نفسها تقر بأن نسخة الطيران غير مسموح بها على الطرق العامة. وهذا يعني أن كلمة «سيارة» في عبارة «سيارة طائرة» تصف شكل المركبة وارتباطها بمنصة رودستر أكثر مما تصف حق مالكها في قيادتها ثم الإقلاع بها من الشارع. وقد يتحول استخدامها، إن دخلت الخدمة أصلًا، إلى نشاط محدود في مواقع مرخصة أو مناطق اختبار خاصة.
وعد 2028 واختبار مصداقية ماسك
قال ماسك إن إنتاج رودستر سيبدأ في عام 2028، بعد تأخيرات طويلة. وتذكّر هذه المواعيد السوق بتاريخ من الوعود المؤجلة في مشاريع تسلا، وهو ما يجعل الإعلان الحالي بحاجة إلى أكثر من عرض ناجح أمام الجمهور. المطلوب هو نموذج إنتاجي موثق، واختبارات سلامة مستقلة، ومعلومات دقيقة عن مدى التحليق، وزمن التشغيل، وتكلفة الصيانة، وشروط الحصول على الترخيص.
كما أن نموذج الحجز يكشف عن استراتيجية تسويقية لافتة. فالنسخة العادية موجهة لمن يريد سيارة رياضية، ونسخة Thrust لمن يريد أداءً استعراضيًا على الأرض، بينما نسخة Rocket مخصصة لعدد محدود وبالدعوة. بهذا المعنى، لا تبدو «السيارة الطائرة» منتجًا جماهيريًا قريبًا بقدر ما تبدو قمة تسويقية وتقنية داخل عائلة رودستر.
إنجاز تجريبي لا وسيلة نقل جديدة بعد
أهم ما كشفته تسلا ليس أن السيارات الطائرة أصبحت متاحة للجميع، بل أن مركبة تشبه السيارة يمكنها، في بيئة اختبار مضبوطة، استخدام الدفع الغازي وأنظمة الشفط لتنفيذ مناورات جوية قصيرة. هذا إنجاز تجريبي مهم، لكنه لا يساوي بعدُ طيرانًا يوميًا آمنًا أو قانونيًا أو اقتصاديًا.
لذلك فإن العنوان الأدق ليس «إيلون ماسك صنع سيارة تطير»، بل: تسلا كشفت عن رودستر تجريبية بنسخة صاروخية قادرة على الارتفاع والمناورة، فيما لا يزال تحويلها إلى سيارة طائرة عملية ومسموح بها تحديًا مفتوحًا. وبينما يمنح العرض الشركة حضورًا إعلاميًا قويًا ويعيد إشعال حلم النقل الجوي الشخصي، ستظل قيمة المشروع الحقيقية رهينة بما سيأتي بعد المنصة: اختبارات متكررة، شفافية تقنية، اعتماد تنظيمي، وسلامة يمكن إثباتها خارج المسرح.