الدكتور وسام معلوف لـ «بيروت تايمز»: الحياد الإيجابي اللبناني يشكّل إطاراً استراتيجياً لبناء الدولة واستعادة الثقة بالمستقبل.
وسام معلوف: نريد دولة تحمي مواطنيها وتمنح الشباب الأمل بعيداً عن الزواريب الطائفية
منذ 7 ساعات
10 دقائق
32,050 مشاهدة
رئيس المركز اللبناني للتخطيط الاستراتيجي يؤكد أن تطبيق الحياد يحتاج إلى إرادة سياسية وخارطة طريق من ثلاث مراحل، ويكشف عن تحضير وثيقة لعرضها على الرئيس جوزاف عون تمهيداً لإطلاق حوار وطني رسمي حول المشروع.
بيروت – بيروت تايمز – حوار: منى حسن
في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتشابكة التي يواجهها لبنان، تتزايد الحاجة إلى مقاربات وطنية تتجاوز الحلول الآنية، وتضع أسساً واضحة لبناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين بمؤسساتها ومستقبلها. وفي هذا السياق، يبرز التخطيط الاستراتيجي بوصفه أداة لربط الأفكار بالدراسات العملية، وتحويل الرؤى إلى برامج قابلة للتنفيذ، فيما يطرح مفهوم الحياد الإيجابي اللبناني أحد الخيارات التي يعمل المركز اللبناني للتخطيط الاستراتيجي على دراستها وتطوير آليات تطبيقها.
ويستعد المركز لعقد مؤتمره الدولي في 24 تشرين الأول الجاري في جامعة القديس يوسف، بمشاركة أكاديميين وخبراء من لبنان والولايات المتحدة الأميركية وكندا وفرنسا، لمناقشة تحديات الحياد الإيجابي اللبناني، والانتقال من البحث النظري إلى وضع خارطة طريق عملية تأخذ في الاعتبار الأبعاد الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والجيوسياسية.
وفي حديث إلى «بيروت تايمز»، يشرح رئيس المركز اللبناني للتخطيط الاستراتيجي، الدكتور وسام معلوف، خلفيات تأسيس المركز وأهداف المؤتمر، ويعرض رؤيته لمستقبل الحياد الإيجابي وآليات الانتقال به إلى مسار وطني مؤسساتي، مؤكداً أهمية توافر الإرادة السياسية والاستناد إلى الدراسات العلمية والخبرات المتخصصة، بعيداً عن تحويل المشروع إلى مجرد شعار سياسي.
كما يتناول دور الشباب في صياغة مشروع وطني جديد، وسبل الحد من هجرة الكفاءات، وأهمية الحوار بين الأديان والثقافات، وصولاً إلى الأولويات التي يرى ضرورة إدراجها في أي خطة استراتيجية طويلة الأمد للنهوض بلبنان.
وإلى تفاصيل الحوار:
بيروت تايمز: بدايةً، دكتور وسام معلوف، كيف تعرّفون القارئ إلى مسيرتكم العلمية والفكرية، وما الذي دفعكم إلى تأسيس المركز اللبناني للتخطيط الاستراتيجي في ظل الأزمات المتراكمة التي يواجهها لبنان؟
الدكتور وسام معلوف: بدايةً، أود أن أشكركِ، كما أشكر «بيروت تايمز» على هذه التغطية التي نقدّرها كثيراً.
اختصاصي الأساسي هو الفلسفة السياسية والتخطيط الاستراتيجي. وقد انطلقت من قناعة مفادها أن الأفكار السياسية لا ينبغي أن تبقى محصورة في الإطار النظري، بل يجب أن ترتبط بالقيم وأن تتحول إلى سياسات وخطط قابلة للتنفيذ. ومن هنا، سعيت إلى الجمع بين العمق الفلسفي والمقاربة السياسية، بحيث لا ينفصل العمل السياسي عن منظومة القيم التي ينبغي أن تحكمه.
كذلك، عملت على دراسة الواقع اللبناني وهشاشته، وأعمل منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة على موضوع الحياد الإيجابي اللبناني، الأمر الذي أتاح لنا تكوين خبرة واسعة في هذا المجال، نظراً إلى أهميته في ظل الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان.
أما المركز اللبناني للتخطيط الاستراتيجي، فقد أسسناه عام 2020 بمشاركة مجموعة من الأكاديميين والزملاء والخبراء، بهدف إطلاق مركز أبحاث غير تقليدي، تكون مهمته الأساسية ربط الأفكار بالواقع وتحويل الدراسات إلى مبادرات عملية.
فنحن نؤمن بأن الدراسات مهمة جداً، لكن أهميتها تكتمل عندما ننتقل إلى مرحلة التطبيق. وقد عملنا على بلورة رؤيتنا واستراتيجيتنا، وقدمنا هذا التوجه في إطار عملنا مع الإسكوا عام 2022. واليوم، نركز بصورة خاصة على البعد الوطني، وتحديداً على مشروع الحياد الإيجابي اللبناني.
بيروت تايمز: تستعدون لعقد المؤتمر الدولي في 24 تشرين الأول الجاري في جامعة القديس يوسف. ما الأهداف الرئيسية التي تسعون إلى تحقيقها من خلال هذا المؤتمر، وما الرسالة التي تريدون إيصالها إلى اللبنانيين؟
الدكتور وسام معلوف: حدد المركز ثلاثة محاور أساسية لعمله: المحور الوطني، والمحور الاجتماعي، ومحور الشباب.
في المحور الوطني، عملنا على دراسة مفهوم الحياد الإيجابي اللبناني بصورة معمقة، وأجرينا مقارنات مع دول اعتمدت هذا المفهوم أو اختارت الحياد نهجاً في سياستها الوطنية والخارجية، بهدف بلورة تصور يتلاءم مع خصوصية لبنان وتركيبته السياسية والاجتماعية.
وفي العام الماضي، نظمنا مؤتمراً بمشاركة خمس دول تتبنى الحياد، إلى جانب أحزاب وشخصيات لبنانية من داخل البلاد وخارجها. وخرجنا بخلاصات مهمة، أبرزها ضرورة عدم الاكتفاء بالنقاش النظري، بل الانتقال إلى البحث في كيفية تطبيق الحياد الإيجابي في لبنان.
وانطلاقاً من ذلك، أنشأنا لجنة أطلقنا عليها اسم «لجنة خبراء الحياد اللبناني»، وعملنا على إعداد النصوص المرتبطة بمفاهيم الحياد، إلى جانب وضع تصور لخارطة طريق لتطبيقه.
أما مؤتمر هذا العام، فسيكون التركيز فيه على الجانب التطبيقي، بمشاركة واسعة من الأكاديميين والخبراء والمتخصصين. نريد أن نناقش التحديات بصورة علمية، وأن نحدد المسارات التي يمكن أن تقود من الفكرة إلى التنفيذ.
بيروت تايمز: من أي دول سيأتي الخبراء والأكاديميون المشاركون في المؤتمر؟
الدكتور وسام معلوف: ستكون هناك مشاركة من الولايات المتحدة الأميركية وكندا وفرنسا ولبنان، إلى جانب مجموعة من الأكاديميين والخبراء الذين يمتلكون تجارب ومعارف يمكن الاستفادة منها في مقاربة هذا الموضوع.
بيروت تايمز: ما أبرز المحاور التي ستناقشونها خلال المؤتمر، وكيف يمكن الانتقال من طرح الحياد الإيجابي إلى تطبيقه فعلياً؟
الدكتور وسام معلوف: سنناقش في المحور الأول التحديات التي تواجه الحياد الإيجابي اللبناني، ولا سيما في هذه المرحلة الصعبة، وسنتناول الموضوع من جوانب متعددة، تشمل البعد الدستوري والتربوي والاقتصادي والسياسي والجيوسياسي، على أن يتولى متخصصون مقاربة كل جانب وفق اختصاصه.
أما المحور الثاني، فيتصل بالإرادة والقرار السياسيين، أي بكيفية تجاوز هذه التحديات والانتقال إلى تطبيقات فعلية.
نحن نعتقد أن ذلك ممكن، شرط توافر إرادة سياسية واضحة والاستعانة بالخبراء والمتخصصين. ومن هنا، نعمل على تقديم مقاربة علمية وموضوعية، بعيداً عن الزواريب السياسية الضيقة، بما يسمح بتحديد خارطة طريق من ثلاث مراحل للوصول إلى التطبيق.
لا نريد طرح الحياد كشعار سياسي، بل كخطة منهجية واضحة، تستند إلى الدراسات وتحدد الخطوات المطلوبة والآليات اللازمة لتنفيذها.
بيروت تايمز: هل لديكم علاقات مع القوى السياسية اللبنانية؟ ومن المتوقع أن يشارك من السياسيين في المؤتمر المقبل؟
الدكتور وسام معلوف: بالتأكيد، فطبيعة عمل المركز، الذي يركز على الحياد الإيجابي، تتيح لنا التواصل مع مختلف القوى السياسية والاستماع إلى وجهات نظرها.
في مؤتمر العام الماضي، بلغت مشاركة الأحزاب أكثر من 90 في المئة، وفقاً لما سجلناه في ذلك المؤتمر. أما مؤتمر هذا العام، فيحمل طابعاً مختلفاً، إذ نركز بصورة أكبر على الخبراء والأكاديميين، وعلى المقارنة التطبيقية والتخصصية.
صحيح أن هدفنا وطني وسيادي، لكننا نريد هذا العام تعميق الجانب العلمي، والاستفادة من خبرات المتخصصين في دراسة إمكانات التطبيق والتحديات التي يمكن أن تعترضه.
بيروت تايمز: ما أبرز التوصيات التي تتوقعون الخروج بها من المؤتمر، وكيف ستتحول إلى خطوات عملية؟
الدكتور وسام معلوف: نتوقع أن تتناول التوصيات جوانب نظرية وتطبيقية متعددة، لكن الأهم بالنسبة إلينا هو ربط هذه التوصيات بخارطة طريق واضحة.
نعمل على إعداد خارطة طريق تتكون من ثلاث مراحل، ونعتزم عرضها بعد المؤتمر، على أن يمتد المسار المقترح للتنفيذ على نحو 33 شهراً.
بالطبع، لا نستطيع التحكم بالظروف السياسية أو بالواقع الميداني، لكن يمكننا إعداد خطة علمية تحدد الأولويات والخطوات المطلوبة، وتتيح متابعة التقدم في كل مرحلة وفق الإمكانات والظروف المتاحة.
بيروت تايمز: يعيش لبنان أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة. من وجهة نظركم، ما الخطوة الأولى التي ينبغي البدء بها لوضع خطة وطنية شاملة للنهوض بالدولة؟
الدكتور وسام معلوف: أرى أن الحياد الإيجابي يشكل الإطار الاستراتيجي الذي يمكن أن تنطلق منه معالجة عدد كبير من التحديات اللبنانية.
إذا لم نبدأ اليوم بمناقشة هذا الخيار والعمل على بلورة آليات تطبيقه، فقد يأتي جيل بعد خمسين عاماً ليعيد طرح السؤال نفسه حول أهمية الحياد بالنسبة إلى لبنان.
منذ عام 1975، يدور لبنان، في تقديرنا، في حلقة مفرغة من الأزمات والحروب، ولذلك نحتاج إلى مقاربة مختلفة تساعد على حماية الدولة والمجتمع من الانعكاسات المتكررة للصراعات الإقليمية والدولية.
ونعتقد أن إطلاق هذا المسار يجب أن يبدأ من رئاسة الجمهورية، من خلال الدعوة إلى حوار وطني رسمي يناقش مفهوم الحياد الإيجابي وأبعاده وإمكانات اعتماده، وصولاً إلى بلورة تصور وطني واضح بشأنه.
بيروت تايمز: هل زرتم فخامة رئيس الجمهورية جوزاف عون لعرض رؤيتكم بشأن الحياد الإيجابي اللبناني؟
الدكتور وسام معلوف: نعم، زرنا الرئيس جوزاف عون وأطلعناه على ما توصلنا إليه في المؤتمر.
وقد أوضحت لفخامته أننا نعتبر أن المرحلة الأساسية من عملنا تبدأ الآن، أي مرحلة الانتقال من البحث والنقاش إلى التطبيق. وعندما سألنا عن تصورنا العملي، شرحنا أننا نعمل على إعداد وثيقة وخارطة طريق من خلال لجنة متخصصة، ونأمل أن نتمكن من تقديمها إلى فخامة الرئيس.
ونطمح إلى أن تسلك هذه الوثيقة مسارها المؤسساتي، بدءاً من رئاسة الجمهورية، وصولاً إلى مجلس الوزراء، في إطار إطلاق حوار وطني رسمي حول الحياد الإيجابي، ثم مناقشة الخطوات الدستورية والتشريعية اللازمة، بما فيها إمكان طرح الموضوع على مجلس النواب والتوجه نحو تعديل دستوري إذا اقتضى المسار ذلك.
هذه الخطوات مترابطة، ولكل منها شروطها وتوقيتها، ولذلك نتعامل مع المشروع باعتباره عملاً تراكمياً يحتاج إلى التحضير والحوار والتوافق.
بيروت تايمز: هل تعتقدون أن الوصول إلى تعديل دستوري يكرّس الحياد الإيجابي أمر ممكن، في ظل الانقسامات السياسية القائمة؟
الدكتور وسام معلوف: هذا هو التحدي الذي نعمل على مواجهته من خلال مقاربة تدريجية. نحن نؤمن بأن المشاريع الوطنية الكبرى لا تتحقق دفعة واحدة، بل تحتاج إلى خطوات مدروسة وإلى بناء تفاهمات حولها.
نطرح الحياد الإيجابي بوصفه خياراً ثالثاً يمكن أن يفتح أمام اللبنانيين مجالاً للنقاش حول كيفية حماية بلدهم والحفاظ على سيادته واستقراره، وصون وحدته وتنوعه.
لبنان بلد صغير بمساحته، لكنه غني بتنوعه وتاريخه وإمكاناته، ونريد أن نبحث عن صيغة تساعده على حماية هذا التنوع وصون استقلال قراره الوطني.
لقد بدأنا التحضير للمراحل المطلوبة، بما في ذلك العمل على الصيغ القانونية التي يمكن أن تكون موضع نقاش أمام المؤسسات الدستورية، مع الأخذ في الاعتبار أن لكل خطوة ارتباطها بالخطوات الأخرى، وأن توقيت الانتقال من مرحلة إلى أخرى يتوقف على الظروف السياسية والمؤسساتية.
بيروت تايمز: هل بحثتم مشروع الحياد الإيجابي مع رئيس مجلس النواب نبيه بري؟
الدكتور وسام معلوف: لم نتمكن حتى الآن من الوصول إلى الرئيس نبيه بري لعرض المشروع عليه، لكننا نأمل أن تتاح لنا الفرصة لذلك في المرحلة المقبلة، لأن أي نقاش وطني جدي يحتاج إلى التواصل مع مختلف المؤسسات والقوى السياسية المعنية.
بيروت تايمز: ما الدور الذي يمكن أن يؤديه الشباب اللبناني في صياغة مشروع وطني جديد؟ وكيف يمكن إشراكهم في عملية صنع القرار، بعيداً عن المشاركة الرمزية؟
الدكتور وسام معلوف: الشباب يشكلون محوراً أساسياً في رؤيتنا، ولا نريد أن تكون مشاركتهم شكلية أو محصورة في الاستماع إلى النقاشات.
في المؤتمر الدولي المقبل، ستكون هناك مساحة لحضور صوت الشباب ضمن الجلسات الحوارية، إلى جانب مشاركة الخبراء والأكاديميين. ونعمل أيضاً على اعتماد التصويت الإلكتروني بما يتيح إشراك المشاركين في التعبير عن آرائهم والتفاعل مع القضايا المطروحة.
إضافة إلى ذلك، نحن بصدد التحضير لمؤتمر الوطني حول الحياد الإيجابي اللبناني، بهدف توسيع دائرة النقاش وتعزيز مشاركة الشباب في صياغة التصورات الوطنية.
نريد أن نساهم في ترسيخ ثقافة المواطنة لدى الشباب، وأن نساعدهم على النظر إلى الدولة بوصفها إطاراً جامعاً لجميع اللبنانيين، بعيداً عن الانقسامات الضيقة.
بيروت تايمز: كيف تنظرون إلى هجرة الكفاءات اللبنانية؟ وهل يمكن للتخطيط الاستراتيجي أن يساهم في استعادة الثقة بمستقبل لبنان وتشجيع المغتربين على الاستثمار في نهضته؟
الدكتور وسام معلوف: إن المبادرات التي نعمل عليها تهدف، في جانب أساسي منها، إلى توفير أسباب البقاء للشباب في لبنان، والحد من الهجرة التي تستنزف طاقات البلاد وكفاءاتها.
نحن بحاجة إلى مشروع وطني لا يكتفي بتشخيص الأزمات، بل يساهم في إيجاد بيئة تتيح للشباب العمل والإنتاج والمشاركة في بناء مستقبلهم داخل وطنهم.
بيروت تايمز: هل يمكن للمبادرات التي تعملون عليها أن تساهم في إعادة الثقة بلبنان وتشجيع الاستثمار فيه؟
الدكتور وسام معلوف: هذا أحد الأهداف التي نسعى إليها. نعمل على مبادرات تساعد في توفير مساحة أوسع للشباب، من خلال تأمين فرص العمل وإيجاد أماكن لتبادل الخبرات والتعاون بين أصحاب الاختصاص.
نريد أن نفتح المجال أمام الشباب للعمل بطريقة مختلفة، وأن نساهم في بناء دولة حقيقية تستطيع تلبية حاجات المواطنين، وتوفر لهم مقومات العيش الكريم والاستقرار.
إن استعادة الثقة لا تتحقق بالكلام وحده، بل تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، وإصلاحات واضحة، وسياسات تستجيب لحاجات الناس وتمنحهم أملاً فعلياً بمستقبل أفضل.
بيروت تايمز: ما أهمية الحوار بين الأديان والثقافات في رؤيتكم لمستقبل لبنان؟
الدكتور وسام معلوف: الحوار بين الأديان والثقافات مهم جداً، لأنه يقوم على قبول الآخر والاعتراف بالتنوع، ويتيح بناء مساحات مشتركة بين مختلف الجماعات اللبنانية.
ومن هذا المنطلق، نرى أن الحياد الإيجابي يمكن أن يساهم في معالجة جانب من المخاوف المتبادلة بين الجماعات، من خلال التأكيد أن حماية أي مكوّن لبناني لا ينبغي أن تقوم على الاستقواء بالخارج على حساب مكوّن آخر في الداخل.
عندما يشعر اللبنانيون بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الدولة هي الضامن لجميع أبنائها، يمكن أن يتحول الحوار من مجرد لقاءات شكلية إلى حوار فعلي ينتج تفاهمات ويساعد على معالجة الخلافات.
بيروت تايمز: ما الآليات التي ستعتمدونها لمتابعة تنفيذ توصيات المؤتمر وقياس تأثيرها في السياسات العامة والمبادرات الوطنية؟
الدكتور وسام معلوف: سنعمل على عرض خارطة الطريق التي يجري إعدادها بعد المؤتمر، وهي تقوم على ثلاث مراحل مترابطة، لكل منها أهداف وخطوات محددة.
بعد ذلك، سيكون أمامنا عمل كبير لمتابعة هذه المراحل والسعي إلى تطبيقها، بالتعاون مع الخبراء والجهات المعنية.
نحن ندرك أن تنفيذ التوصيات يرتبط بعوامل سياسية ومؤسساتية وميدانية لا نستطيع التحكم بها جميعاً، لكن وجود خطة واضحة يسمح بتحديد المسؤوليات والأولويات، ومراجعة التقدم المحقق، وتطوير المقاربة وفقاً للنتائج والظروف المستجدة.
بيروت تايمز: هل يعمل المركز على بناء شبكة تعاون مع مؤسسات أو خبراء دوليين للاستفادة من التجارب المقارنة في الإصلاح والإدارة وبناء الدولة؟
الدكتور وسام معلوف: نعم، نحن نولي أهمية كبيرة للتعاون والشراكات. ومن أبرز الشراكات المرتبطة بالمؤتمر المقبل تعاوننا مع جامعة القديس يوسف، كما لدينا تعاون مع التحالف الوطني اللبناني ومؤسسة جذور.
ونعمل كذلك على توسيع شبكة علاقاتنا، من خلال التوجه نحو توقيع اتفاقيات تعاون مع جامعات ومؤسسات وجمعيات أخرى، بما يتيح تبادل الخبرات وتوسيع دائرة العمل المشترك.
نحن نؤمن بأن بناء الجسور بين المؤسسات والأفراد، وتعزيز المساحات المشتركة بينهم، يساعدان على تحقيق الأهداف الوطنية. فكلما تعاونت الجهات المختلفة، ازدادت فرص الاستفادة من الخبرات المتنوعة وتحويل الأفكار إلى مبادرات عملية.
بيروت تايمز: أخيراً، ما الرسالة التي توجهونها إلى المسؤولين اللبنانيين وإلى اللبنانيين عموماً في هذه المرحلة الدقيقة؟
الدكتور وسام معلوف: رسالتنا هي أن ينفتح اللبنانيون على نقاش جدي حول الحياد الإيجابي وأن يدعموا البحث في إمكاناته وآليات تطبيقه، لأننا نراه إطاراً استراتيجياً يمكن أن يساعد لبنان على الخروج من دوامة الأزمات.
نحن نفعل ذلك رحمةً بشبابنا، وحرصاً على أن يعيش الإنسان في لبنان بكرامته، وأن تكون المواطنة الحقيقية هي الأساس، بعيداً عن الزواريب الطائفية الضيقة.
نريد دولة قادرة على حماية مواطنيها، وتأمين حقوقهم، وإطلاق الإصلاحات المطلوبة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ونرى أن الحياد الإيجابي، وفق التصور الذي نعمل على تطويره، يمكن أن يشكل مدخلاً إلى نقاش وطني أوسع حول كيفية بناء هذه الدولة.
بيروت تايمز: هل لا يزال في الإمكان بلورة مشروع وطني يعيد الثقة بالدولة وبالمستقبل؟
الدكتور وسام معلوف: نعم، لا يزال ذلك ممكناً، شرط توافر الحد الأدنى من الإرادة السياسية.
بعد أن ننتهي من إعداد الخطة، نأمل أن نعرضها على فخامة الرئيس جوزاف عون، وأن تشكل مدخلاً لإطلاق حوار وطني رسمي حول الحياد الإيجابي اللبناني.
بيروت تايمز: كيف كان موقف الرئيس جوزاف عون من طرحكم؟ وهل لمسْتم لديه تشجيعاً لهذا التوجه؟
الدكتور وسام معلوف: لمسنا تشجيعاً من الرئيس عون. ونحن انطلقنا في مقاربتنا من خطاب القسم، الذي نرى فيه مساحة للنقاش حول هذا التوجه.
الرئيس عون من الداعمين لهذا المسار، وفق ما لمسناه خلال اللقاء، لكننا نعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من التأييد العام للفكرة إلى إطلاق نقاش وطني رسمي حولها، بما يسمح ببحث آليات التطبيق على المستوى الوطني والمؤسساتي.
ونأمل أن تتوافر الظروف المناسبة لبدء هذه المرحلة، وأن يكون هناك مسار واضح يتيح مناقشة المشروع بين مختلف القوى والجهات المعنية.
بيروت تايمز: لو أتيحت لكم فرصة وضع خطة استراتيجية للبنان تمتد لعشر سنوات، فما الأولويات الثلاث التي ستضعونها في مقدمة هذه الخطة؟
الدكتور وسام معلوف: الأولوية الأولى هي الحياد الإيجابي اللبناني، باعتباره إطاراً استراتيجياً نرى أنه يستحق نقاشاً وطنياً معمقاً حول دوره في حماية لبنان وتعزيز استقراره.
أما الأولوية الثانية، فهي اللامركزية الموسعة، بما يتيح تطوير الإدارة المحلية وتعزيز قدرة المناطق على الاستجابة لحاجات المواطنين، ضمن إطار الدولة ووحدتها.
والأولوية الثالثة تتمثل في إطلاق ورشة إصلاحات حقيقية على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لأن بناء الدولة لا يمكن أن يتحقق من دون مؤسسات فاعلة وإدارة سليمة وسياسات عامة تستجيب لمتطلبات اللبنانيين.
بيروت تايمز: ما كلمتكم الأخيرة إلى فخامة الرئيس جوزاف عون؟
الدكتور وسام معلوف: نقول لفخامة الرئيس إننا نثق بقدرته على فتح المجال أمام هذا النقاش الوطني، وإن خطاب القسم أعطانا أملاً في إمكان الانتقال إلى مرحلة جديدة.
ونأمل أن يشهد عهده إطلاق حوار وطني رسمي حول الحياد الإيجابي اللبناني، وأن يسهم هذا المسار في نقل لبنان إلى واقع مختلف عن الواقع الذي نعيشه اليوم، بما يعزز استقراره ويحفظ كرامة أبنائه ويمنح الأجيال المقبلة فرصة لبناء مستقبل أفضل.