تخطي إلى المحتوى الرئيسي
17,139 مشاهدة

محمد ناصر *
في ليلة عشية عيد الشكر، 24 نوفمبر 1971، اشترى رجل هادئ المظهر، يرتدي بدلة رسمية وربطة عنق سوداء، تذكرة طيران باتجاه واحد من بورتلاند إلى سياتل على متن طائرة بوينغ 727 تابعة لشركة “نورثويست أورينت إيرلاينز”. قدّم نفسه باسم “دان كوبر”، وبعد الإقلاع بدقائق، طلب كأسًا من البوربون مع الصودا… ثم غيّر مجرى تاريخ الطيران التجاري الأمريكي إلى الأبد.
مطلب غريب وبراعة في التنفيذ
سلّم كوبر مضيفة الطائرة رسالة مكتوبة بخط اليد، تفيد بأن حقيبته تحتوي على قنبلة، وفتحها أمامها ليُظهر أسلاكًا وعصيًا تشبه المتفجرات الحقيقية. طلب 200 ألف دولار نقدًا من فئة العشرين دولارًا، بالإضافة إلى أربع مظلات هبوط (اثنتين رئيسيتين واثنتين احتياطيتين)، مقابل إطلاق سراح الركاب البالغ عددهم 36 راكبًا.
هبطت الطائرة في سياتل، حيث سلّمته السلطات مطالبه كاملة مقابل إطلاق سراح جميع الركاب، لكنه أبقى على بعض أفراد الطاقم، وأمر بإقلاع الطائرة مجددًا باتجاه مدينة مكسيكو سيتي، بشروط تقنية دقيقة تكشف عن خبرة واضحة بالطيران: ارتفاع منخفض لا يتجاوز 10 آلاف قدم، وسرعة بطيئة، وإنزال عجلات الهبوط وأجنحة الطائرة، وعدم تهيئة ضغط المقصورة.
القفزة التي أصبحت أسطورة
في مكان ما فوق غابات ولاية واشنطن الكثيفة، وسط عاصفة ليلية قوية، فتح كوبر سلّم الطائرة الخلفي أثناء الطيران، وقفز بمظلته وحقيبة المال… ولم يُرَ مجددًا قط. لم يُعثر على أي أثر لجثته، ولا لمعظم الأموال، ولا للحقيبة التي حملها.
واللافت أن اسمه الحقيقي المتداول إعلاميًا، “دي بي كوبر”، لم يكن الاسم الذي استخدمه في الحجز أصلاً (إذ كان “دان كوبر”)، بل نتج عن خطأ صحفي وقع أثناء نقل الخبر الأولي للصحافة، لكنه بات الاسم الذي عرفه به العالم منذ ذلك الحين.
عملية “نورجاك”: أضخم تحقيق في تاريخ القرصنة الجوية الأمريكية
أطلق مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) تحقيقًا موسّعًا أُطلق عليه اسم “نورجاك” (Norjak)، استمر رسميًا 45 عامًا متواصلة، وفحص خلاله أكثر من 800 مشتبه به محتمل دون التوصل إلى هوية قاطعة لكوبر.
وكان من أبرز المشتبه بهم على مر السنوات: ريتشارد فلويد ماكوي، الذي نفّذ عملية قرصنة جوية مشابهة بالقفز بالمظلة بعد أقل من خمسة أشهر من حادثة كوبر، لكن التحقيقات لم تؤكد الصلة بينهما بشكل قاطع.
خيط الأمل الوحيد: أموال في نهر كولومبيا
في عام 1980، وأثناء نزهة عائلية على ضفاف نهر كولومبيا قرب مدينة فانكوفر بولاية واشنطن، عثر صبي يُدعى برايان إنغرام على حزم نقدية متحللة جزئيًا بقيمة 5800 دولار، وتبيّن أن أرقامها التسلسلية تطابق تمامًا الأموال التي تسلّمها كوبر. كان هذا أول وآخر دليل مادي ملموس يرتبط بالحادثة بشكل مؤكد، ولم يُعثر على أي أثر آخر موثّق منذ ذلك الحين رغم عمليات البحث المكثفة.
هل نجا من القفزة أصلاً؟
يرجّح مكتب التحقيقات الفيدرالي نفسه أن كوبر لم ينجُ على الأرجح من القفزة، استنادًا إلى عدة عوامل: سوء الأحوال الجوية الشديد في تلك الليلة، وملابسه غير المناسبة إطلاقًا للقفز المظلي الاحترافي، وطبيعة المنطقة الجبلية الكثيفة بالغابات التي قفز فوقها، فضلاً عن عدم ظهور أي من الأموال المتبقية متداولةً في أي مكان منذ عام 1980؛ وهو ما يوحي بأنها ظلت مدفونة أو ضائعة في مكان ما، لا مُستخدمة من قبل شخص حي.
نهاية رسمية، لكن اللغز لا يزال مفتوحًا
في يوليو 2016، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي رسميًا تعليق التحقيق النشط في القضية بعد 44 عامًا وسبعة أشهر من المطاردة دون نتيجة، لتبقى حادثة كوبر حتى اليوم الحادثة الوحيدة غير المحلولة في تاريخ القرصنة الجوية بالولايات المتحدة الأمريكية. ورغم إغلاق الملف رسميًا، يواصل محققون هواة وصحفيون متخصصون البحث عن إجابة حتى يومنا هذا، مقتنعين بأن رجلاً واحدًا نجح، ولو لمرة واحدة في التاريخ، في التلاشي تمامًا من قبضة العدالة الأمريكية.
* كاتب محتوى ثنائي اللغة (عربي – إنجليزي)
linkedin.com/in/mohammed-naseer-1bb596412