مخطوطة فوينيتش: الكتاب الذي هزم كل الشيفرات لستة قرون
منذ ساعة واحدة
2 دقائق
33,486 مشاهدة
محمد ناصر *
عام 1912، كان تاجر الكتب البولندي الأمريكي ويلفريد فوينيتش يتفحص مكتبة قديمة في فيلا موندراغوني، إحدى كليات اليسوعيين قرب روما، حين عثر على مخطوطة غريبة لم ير مثلها من قبل: كتاب مزخرف بالكامل برسوم نباتية وفلكية وبيولوجية غامضة، مكتوب بخط أنيق متصل… بلغة لم يتعرف عليها أحد.
تأريخ علمي دقيق، وأصل لا يزال غامضًا
في عام 2009، أخضع فريق علمي بقيادة الباحث غريغ هودجينز من جامعة أريزونا رقائق من جلد المخطوطة (الرَق) لفحص الكربون المشع، فحدد عمرها بدقة إحصائية تصل إلى 95%: بين عامي 1404 و1438، أي أوائل عصر النهضة الإيطالي. هذا التأريخ العلمي الدقيق نسف نظريات سابقة كانت تربط المخطوطة بالراهب الإنجليزي روجر بيكون من القرن الثالث عشر، إذ يسبق تاريخ وفاته تاريخ صنع المخطوطة بأكثر من قرن كامل.
تتكون المخطوطة من نحو 240 صفحة (مع أدلة على فقدان صفحات أخرى)، مقسّمة إلى أقسام موضوعية واضحة رغم غموض نصوصها: قسم نباتي يضم رسومًا لنباتات غريبة لا نظير حقيقيًا لمعظمها في الطبيعة، قسم فلكي بمخططات دائرية ونجوم، قسم بيولوجي غريب يصوّر نساءً عاريات داخل برك وأنابيب متصلة فيما يبدو أنه نظام سباكة أو حيوي معقد، وقسم صيدلاني يحتوي رسومًا لأوعية وجرار، وأخيرًا قسم نصي خالص دون رسوم يُعتقد أنه يحتوي على وصفات أو تعليمات.
لغة لا وجود لها في أي مكان آخر
يُقدَّر عدد الرموز المستخدمة في المخطوطة بنحو 170 ألف حرف، مكتوبة بأبجدية فريدة لا تطابق أي لغة أو نظام كتابة معروف، أُطلق عليها الباحثون اسم “الفوينيتشية” تجاوزًا.
المثير أن التحليل الإحصائي لهذه الرموز يُظهر أنماطًا تتوافق مع خصائص اللغات الطبيعية الحقيقية (مثل توزيع أطوال الكلمات وتكرار الحروف)، وهو ما يرجّح لدى معظم الباحثين أن النص ليس مجرد خربشات عشوائية لا معنى لها، بل يحمل رسالة فعلية مشفّرة أو مكتوبة بنظام غير مألوف تمامًا.
من براغ إلى روما: رحلة المخطوطة عبر القرون
تشير رسالة وُجدت مرفقة بالمخطوطة إلى أنها كانت في حوزة الكيميائي البراغي جورج باريش في القرن السابع عشر، الذي حاول فك رموزها دون جدوى، قبل أن يرسلها لاحقًا العالم اليسوعي الموسوعي أثناسيوس كيرشر في روما عام 1666، أملاً في أن يفلح في حل لغزها. ظلت المخطوطة في حوزة الكلية اليسوعية الرومانية لقرون، حتى انتقلت إلى فيلا موندراغوني حيث عثر عليها فوينيتش عام 1912.
بعد وفاة أرملته عام 1960، اشتراها تاجر الكتب هانز كراوس، وحين فشل في إيجاد مشترٍ لها، تبرّع بها لجامعة ييل عام 1969، حيث لا تزال محفوظة حتى اليوم في مكتبة باينيكي النادرة، ونشرتها الجامعة رقميًا بالكامل عام 2020 لإتاحتها لأي باحث حول العالم.
جيش من فكّاكي الشيفرات… وفشل جماعي مستمر
حاول فك رموز المخطوطة أبرع عقول التشفير في التاريخ الحديث، بينهم محترفون شاركوا في فك شيفرات الحربين العالميتين الأولى والثانية. ومع ذلك، وبعد أكثر من 380 عامًا منذ أول محاولة موثقة لفك رموزها (محاولة باريش في براغ)، لا يزال النص صامدًا تمامًا أمام كل محاولات التفسير.
تحذير من الادعاءات الحديثة غير الموثقة
من المهم الإشارة إلى أن بعض الادعاءات المتداولة حول “حل اللغز” غير موثقة علميًا؛ فمثلاً، ادعاء فريق بحثي كندي عام 2018 أن المخطوطة مكتوبة بالعبرية المشفّرة باستخدام الذكاء الاصطناعي، قوبل برفض واسع من المتخصصين في اللغويات والتشفير التاريخي، الذين اعتبروه تفسيرًا غير مدعوم بأدلة كافية. حتى اليوم، لا توجد أي نظرية فك رموز حظيت باعتراف أكاديمي مستقل وموثّق.
خلاصة
تبقى مخطوطة فوينيتش شاهدًا نادرًا على حدود المعرفة الإنسانية: كتاب كامل، واضح الهيكل والتنظيم، استُثمر فيه جهد وتكلفة واضحان، لكنه يرفض الإفصاح عن سره منذ أكثر من ستة قرون. وسواء كانت رسالة علمية مشفّرة، أو طقسًا سريًا، أو ببساطة أعظم خدعة أدبية في التاريخ، فإنها تذكّرنا بأن بعض الألغاز قد تتجاوز قدرة حتى أذكى العقول البشرية على حلها.