تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

منوعات

توقّف قلبُ أحد آبائنا الكبار… لكن هل سمعنا القلبَ الذي وهبه للغابون؟

تحيّة وفاء إلى البروفيسور بيار أندريه كومبيلا كومبا

بقلم: أكرم مندامي زين الدين *

أيها البروفيسور بيار أندريه كومبيلا كومبا، كنتَ شديد التعلّق بالقيم والتقاليد، وبأرض أجدادك. سلكتَ دروب المعرفة ولم تنسَ جذورك يومًا.

من الرجال من لا يُقاس رحيلهم بالفراغ الذي يخلّفونه فحسب، بل بما يمضي معهم من تاريخنا. في الخامس عشر من تشرين الأول 2026، فقد الغابون واحدًا من آبائه الكبار، البروفيسور بيار أندريه كومبيلا كومبا، رائد طبّ القلب في الغابون، رجلَ العلم والقناعات والوطنية العميقة. لقد هوت شجرة باوباب عظيمة، من تلك الأشجار التي تمتدّ جذورها في أرضها عميقًا، فلا السنون، ولا المحن، ولا أكثر الآفاق وعدًا، تقوى على اقتلاعها منها.

عرفتُ الرجل أبعد من ألقابه ومسؤولياته والتزاماته السياسية. عرفتُ تعلّقه ببلدنا، ووطنيته، وتلك الإرادة في خدمة غابونٍ ظلّ يحتلّ في قلبه مكانة خاصة. ومع العلم أنه كان يملك كلّ ما يؤهّله لمواصلة مسيرة لامعة في الخارج، فقد اختار، مع زوجته الراحلة البروفيسورة ماريفون كومبيلا، الطبيبة والأكاديمية الرفيعة بدورها، أن يعودا للعيش في الغابون، وأن يضعا كفاءاتهما في خدمة طبّنا الوطني.

كان بوسعهما أن يبنيا مستقبلهما في مكان آخر، لكنهما آثرا أن يسهما في بناء مستقبل بلدهما. وهذا الخيار وحده يروي فكرةً بعينها عن الواجب وعن حبّ الوطن. غادرتنا البروفيسورة ماريفون كومبيلا في أيار 2024، وبعد عامين ونيّف لحق بها زوجها، تاركَين وراءهما إرث حياتين نُذرتا للعلم، ولنقل المعرفة إلى الأجيال، ولخدمة وطنهما.

في عام 1978، أنشأ أول قسم لأمراض القلب في المستشفى العام في ليبرفيل. لم يكن ذلك مجرّد افتتاح قسم في مستشفى، بل محطة تأسيسية في بناء طبّنا الوطني. ومع ذلك، وبعد خمسة وأربعين عامًا، في عام 2023، كان البروفيسور نفسه لا يزال يعبّر علنًا عن قلقه من قصور التجهيزات الاستشفائية، ومن عمليات الإجلاء الطبي إلى الخارج لإجراء تدخّلات جراحية كان ينبغي أن تُجرى في الغابون. كانت لدينا الكفاءات، وكان لدينا الرجال، لكننا لم نعرف دائمًا كيف نضع بين أيديهم الوسائل اللازمة لأداء رسالتهم كاملة. ولعلّ هنا يكمن الجرح الأعمق في هذا الإرث: أن يكرّس المرء حياته لبناء طبّ وطني، من غير أن يملك دائمًا الوسائل التي تمنحه مداه الكامل.

سأنظر، ولا شكّ، بشيء من المرارة إلى مئات أكاليل الزهور الطبيعية التي ستحيط بجثمانه، وإلى آلاف الرجال والنساء الذين سيتوافدون ليؤدّوا له تحيةً هو أهلٌ لها وأكثر. أمّا أنا، فسأبقى على مسافة قليلة، أتأمّل، وأدع أفكاري تصعد مجرى حياته نحو منابعه. وإن قُلّد وسامًا بعد رحيله، وهو يستحق أعلى الأوسمة، فلن أملك إلا أن أتساءل: لماذا يتعيّن علينا أحيانًا أن ننتظر سقوط شجرة الباوباب العظيمة حتى ندرك امتداد ظلّها؟ لن أشكّك في صدق التحيات، ولا في قيمة التكريم الوطني. ولكن، أما كان الأعدل أن نكرّم عمله في حياته، بأن نمنحه الوسائل التي تتيح له إنجازه على أكمل وجه، بدل أن ننتظر رحلته الأخيرة لنضع عند قدميه زهور امتناننا؟

وفيما ترافق أفكاري هذا الأب الكبير، تعود إليّ ذكرى رجل كبير آخر، لا تخلو من مرارة، البروفيسور ألان أوندو. هو أيضًا جعل من علمه رسالة في خدمة الغابون. أذكر ذلك الرجل الذي كان يبذل من ذاته الكثير، ويسعى إلى أداء واجبه على الرغم من الصعاب، ويجد في الكتاب المقدّس، يوميًا في بعض الأحيان، السند والقوة اللذين لم تكن الظروف تمنحه إياهما دائمًا. كان يخفي خلف ابتسامته محنًا لم يكن يدرك ثقلها إلا القليلون. واليوم، وأنا أستعيد ذكرى هذين الرجلين الكبيرين، وآخرين، يلاحقني السؤال نفسه: كم من هؤلاء الرجال أُعجبنا بتفانيهم من غير أن نسعى يومًا إلى فهم ما كلّفهم ذلك؟ وكم من ابتسامة حسبناها علامة سكينة، وهي تخفي أحيانًا ثقل معركة يخوضها صاحبها وحيدًا؟

وإلى هذا الحزن الوطني يُضاف عندي شعور أشدّ خصوصية. فقد كان البروفيسور بيار أندريه كومبيلا كومبا أيضًا جدَّ ولكا، ابنة قلبي. ومن خلالها، يبلغ هذا الرحيل عائلتي، ويذكّرني كيف يمكن لدروب العمر أن تتقاطع، بين رجال تعلّمنا أن نحترمهم، ومن عهدت إلينا الحياة بأن نحبّهم. إليكِ، يا عزيزتي ولكا، أودّ أن أقول ببساطة إن بعض المواريث لا تُقاس بالأملاك ولا بالألقاب التي نتلقّاها، بل بذاكرة من ننحدر منهم، وبما نختار أن نصونه منها.

إلى عائلته وأحبّائه، وإلى مقاطعة نيانغا التي تفقد واحدًا من أبنائها اللامعين، وإلى الأسرة الطبية والشعب الغابوني، أتقدّم بأصدق التعازي. يفقد الغابون اليوم جزءًا من ذاكرته العلمية، ورجلَ واجب، وواحدًا من أولئك البناة الذين تستحق أعمالهم ما هو أكثر من الذكرى.

ارقد بسلام، أيها البروفيسور الجليل. لقد أدّيتَ نصيبك من تاريخنا. لكن اسمح لي، وأنت تمضي في رحلتك الأخيرة، أن أترك سؤالًا لمن سيواصلون كتابته: كم من شجرة باوباب عظيمة علينا أن نرى سقوطها بعد، قبل أن ندرك أن الأمة لا ينبغي أن تكتفي بتكريم من خدموها، بل عليها أيضًا أن تعرف كيف تسندهم ما داموا واقفين؟.

* مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock