تخطي إلى المحتوى الرئيسي
42,445 مشاهدة
محمد ناصر *
في شهر فبراير 1959، انطلق تسعة طلاب وخريجون من معهد الأورال للفنون التطبيقية، بقيادة المهندس الشاب إيغور دياتلوف، 23 عامًا، في رحلة تزلج جبلية نحو قمة أوتورتن في جبال الأورال الشمالية السوفيتية. كانوا جميعًا متسلقين محترفين وأصحاب خبرة واسعة بظروف الشتاء القاسية. لم يعد أي منهم حيًا.
مخيم على “جبل الموتى”
انطلقت المجموعة الأصلية مكوّنة من عشرة أشخاص، لكن أحدهم، يوري يودين، اضطر للانسحاب مبكرًا بسبب وعكة صحية، لينجو بذلك من المصير الذي ينتظر رفاقه التسعة. ليلة الأول من فبراير، نصب الفريق خيمته على سفح جبل يحمل اسمًا محليًا مقلقًا بالصدفة: “خولات سيّاخل”، والذي يعني في لغة شعب المانسي الأصلي “جبل الموتى”.
هروب حافي القدمين في عاصفة قارسة
حين وصل فريق الإنقاذ إلى الموقع بعد أسابيع من انقطاع الاتصال، وجدوا الخيمة ممزّقة من الداخل بسكين، وآثار أقدام حافية أو بجوارب فقط تنطلق منها باتجاه غابة قريبة، في درجة حرارة تقارب 20 تحت الصفر. لم يكن هناك أي منطق ظاهري يفسّر لماذا قرر متسلقون محترفون، يعرفون تمامًا خطورة البرد القارس، الفرار من مأواهم الوحيد في منتصف الليل دون ملابس أو أحذية مناسبة.
إصابات لا يفسرها الطقس وحده
عُثر على أول خمس جثث قرب خط الأشجار، بالقرب من بقايا نار صغيرة أشعلوها يائسين، وكانت أسباب وفاتهم جميعًا انخفاض حرارة الجسم. لكن الصدمة الحقيقية جاءت لاحقًا، حين عُثر على الجثث الأربع المتبقية مدفونة تحت الثلج في واد قريب، بإصابات أشد فظاعة: كسور في الجمجمة والصدر تشبه في شدتها إصابات حوادث سيارات، دون أي جروح خارجية تدل على ضربة بأداة حادة أو اعتداء بشري مباشر. إحدى الضحايا فُقدت عيناها ولسانها، في تفصيل أضاف طبقة إضافية من الغموض والترويع للحادثة.
كما أظهرت فحوصات لاحقة لملابس بعض الضحايا مستويات إشعاع أعلى من الطبيعي، وهو ما غذّى لعقود نظريات حول تورط عسكري أو تجارب سرية في المنطقة.
تحقيق مغلق، وملف مصنّف لعقود
أغلق التحقيق السوفيتي الرسمي الملف خلال شهر واحد فقط، بخلاصة غامضة تُحمّل المسؤولية لـ”قوة طبيعية قاهرة مجهولة”، دون أي تفسير محدد. ظل الملف مصنّفًا سريًا حتى سبعينيات القرن الماضي، ما غذّى عقودًا من نظريات المؤامرة: من هجوم حيوانات مفترسة، إلى صراع داخلي بين أفراد المجموعة، إلى تدخل عسكري سوفيتي سري، وصولًا لنظريات أكثر تطرفًا تتحدث عن مخلوق “المينك” (نسخة روسية من يتي) أو أجسام طائرة غامضة أبلغ عنها متسلقون آخرون في المنطقة تلك الليلة بالذات.
التفسير العلمي الحديث: انهيار ثلجي بطيء ومؤجل
في عام 2019، أعادت النيابة العامة الروسية فتح التحقيق رسميًا، لتخلص عام 2020 إلى أن انهيارًا جليديًا هو السبب الأرجح.
لكن التفسير الأكثر إقناعًا علميًا جاء عام 2021، حين نشر الباحثان يوهان غوم (من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان) وألكسندر بوزرين (جامعة زيورخ التقنية) دراسة في مجلة Communications Earth & Environment التابعة لـNature، استخدما فيها نماذج فيزيائية متقدمة (مستوحاة جزئيًا من تقنيات محاكاة الثلج المستخدمة في صناعة الرسوم المتحركة) لإثبات أن انهيارًا جليديًا صغيرًا ومتأخرًا كان ممكنًا فيزيائيًا، نتيجة الشق الذي أحدثه المتسلقون أنفسهم في المنحدر لتثبيت خيمتهم، مجتمعًا مع ظروف ثلجية ورياح محددة تسببت في انزلاق كتلة ثلجية متأخرة عدة ساعات عن وقت نصب الخيمة.
هذا النموذج يفسّر، للمرة الأولى بدقة فيزيائية مقنعة، كيف يمكن لإصابات شديدة كهذه أن تحدث دون دفن كامل تقليدي تحت الثلج كما يحدث عادة في الانهيارات الكبرى.
هل انتهى اللغز فعلاً؟
رغم القوة العلمية لهذا التفسير، لا يزال كثير من الباحثين المستقلين والمهتمين بالقضية يرون أنه لا يُجيب بشكل كامل عن تفاصيل بعينها، كمستويات الإشعاع غير المعتادة، أو غياب أي علامات واضحة على انهيار ثلجي فعلي عثر عليها فريق الإنقاذ الأول في حينه. يبقى ممر دياتلوف اليوم، الذي سُمي تخليدًا لذكرى قائد الرحلة، واحدًا من أكثر الألغاز صمودًا أمام محاولات الحسم العلمي والتاريخي معًا.
* كاتب محتوى ثنائي اللغة (عربي – إنجليزي)
linkedin.com/in/mohammed-naseer-1bb596412