تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
منوعات

الكاتب والمحلل  السياسي غسان ريفي لـ«بيروت تايمز»: لبنان أمام طريق مسدود بانتظار التسوية الأميركية – الإيرانية… والتصعيد الإسرائيلي مرشّح للاستمرار

اتفاق الإطار وُلد ميتاً، وعودة نجيب ميقاتي إلى رئاسة الحكومة مطروحة… والجوع قد يفجّر الشارع اللبناني

بيروت – بيروت تايمز – حوار  منى حسن

في ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، والغموض الذي يحيط بمسار المفاوضات واحتمالات التوصل إلى تسوية، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات الإسرائيلية والأميركية والإيرانية، فيما تتزايد المخاوف من انعكاساتها على الوضعين الأمني والسياسي الداخليين، في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية والاقتصادية التي تثقل كاهل اللبنانيين.

وفي قراءة للمشهد اللبناني والإقليمي، يرى الكاتب والمحلل السياسي غسان ريفي أن لبنان يقف أمام مرحلة من الانتظار والترقب، في ظل ارتباط مصيره بالتطورات الإقليمية ونتائج الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية، معتبراً أن أي انفراج حقيقي يبقى مرتبطاً بإمكان التوصل إلى تسوية أميركية – إيرانية جدية، من شأنها أن تنعكس على لبنان وتفتح الباب أمام معالجة الملفات العالقة.

ويحذّر ريفي، في حديث إلى «بيروت تايمز»، من أن غياب التسوية قد يقود إلى مزيد من التصعيد الإسرائيلي، معتبراً أن احتمالات توسيع المواجهة أو اللجوء إلى الاغتيالات تبقى قائمة في ضوء الحسابات الانتخابية الإسرائيلية. كما ينتقد أداء الحكومة اللبنانية، ويرى أنها غائبة عن معالجة الأزمات المعيشية، محذراً من أن تفاقم الجوع والضغوط الاجتماعية قد يؤدي إلى تحركات شعبية يصعب احتواؤها.

 

وفي المقابل، يتوقف ريفي عند الدور القطري المرتقب في لبنان، معوّلاً على قدرة الدوحة على المساهمة في تقريب وجهات النظر ودعم مسارات التسوية، كما يتحدث عن الدور الذي يؤديه الرئيس نجيب ميقاتي، واحتمالات عودته إلى رئاسة الحكومة، وصولاً إلى رؤيته لمستقبل لبنان وإمكان استعادة الاستقرار والتحرر من الاحتلال الإسرائيلي.

وفي ما يأتي نص المقابلة:

لبنان بين الانتظار والتصعيد

س: كيف تقيّمون المرحلة المقبلة في لبنان، في ظل التطورات الأمنية والسياسية المتسارعة؟

ج: يبدو أن لبنان دخل مرحلة انتظار لما ستؤول إليه الانتخابات الإسرائيلية، وكذلك الانتخابات النصفية الأميركية، لأن نتائج هذه الاستحقاقات ستؤثر في طبيعة المرحلة المقبلة وفي القرارات التي ستُتخذ على المستوى الإقليمي.

حتى الآن، لا أرى بصيص أمل واضحاً لانسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان. فنحن، وفق قراءتي، لسنا أمام احتلال ظرفي ناتج فقط عن تداعيات تدخل المقاومة في غزة، بل أمام مشروع إسرائيلي يتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، ويهدف إلى فرض واقع جغرافي وأمني جديد في المنطقة.

لقد تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تصورات وخريطة تربط جنوب لبنان بجنوب سوريا، وعن منطقة عازلة تهدف، وفق الطرح الإسرائيلي، إلى حماية المستوطنات. كما أن الخطاب المتعلق بإسرائيل الكبرى، وما رافقه من مواقف إسرائيلية وأميركية، يعززان المخاوف من أن تكون الأهداف الإسرائيلية أبعد من مجرد إجراءات أمنية مؤقتة.

لذلك، فإن الحديث عن أن اتفاق الإطار سيؤدي حكماً إلى الانسحاب الإسرائيلي، أو أن إنشاء مناطق تجريبية قد يشكّل حلاً، يبقى، في تقديري، أقرب إلى إضاعة الوقت ما لم تتوافر ضمانات فعلية وآلية واضحة للتنفيذ.

نحن أمام طريق مسدود، ولا أرى أن الخروج منه ممكن من دون تسوية إقليمية كبرى تنعكس على لبنان. فإذا جرى التوصل إلى تسوية أميركية – إيرانية جدية، فقد نشهد تحريكاً للملفات اللبنانية وبدء معالجة العقد القائمة. أما إذا تعذرت هذه التسوية، فإن احتمالات استمرار التصعيد تبقى مرتفعة.

س: الرئيس الأميركي دونالد ترامب يكرر أن المعركة مع إيران ستنتهي. كيف تقرأون هذه المواقف؟

ج: أعتقد أن ترامب يستخدم هذا الخطاب أيضاً في إطار حساباته الانتخابية، في وقت تبدو فيه المواجهة مع إيران أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.

فقد واجهت الإدارة الأميركية، وفق تقديري، صعوبات في تحقيق أهدافها من الضغط العسكري والاقتصادي على طهران، ولم تتمكن من الوصول إلى النتائج التي كانت تسعى إليها. وأصبحت هناك قناعة متزايدة بأن إيران لا يمكن إسقاط نظامها بالقوة العسكرية وحدها، ولا من خلال الحصار والضغوط الاقتصادية فقط.

من هنا، قد تعود مذكرة إسلام آباد إلى الواجهة، مع إدخال تعديلات تتيح التوصل إلى صيغة مقبولة بالنسبة إلى الإيرانيين، ولا تثير اعتراضات جوهرية لدى الأميركيين.

نحن أمام احتمالين: إما أن نصل إلى تسوية إقليمية كبرى تكون إيران جزءاً أساسياً منها، وإما أن ندخل مرحلة طويلة من المواجهة، تشبه إلى حد ما مرحلة التسعينيات، حين استمر الاحتلال الإسرائيلي وواجهته مقاومة محلية.

وفي حال تعذرت التسوية، قد نشهد أنماطاً مختلفة من المقاومة والعمليات العسكرية التي تنفذها مجموعات من أبناء الجنوب ضد الاحتلال الإسرائيلي، بدلاً من اقتصار المواجهة على الشكل التقليدي الذي عرفناه في مراحل سابقة.

س: هل تتوقعون أن تنضج التسوية خلال عام 2027، أم أن المنطقة ستبقى في دائرة الانتظار؟

ج: من الصعب تحديد موعد دقيق، لأن المسألة ترتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وموقف نتنياهو من التسوية التي يريدها ترامب، ومدى استعداد الإدارة الأميركية لممارسة ضغوط فعلية لإنهاء الحرب والعودة إلى المسار التفاوضي.

كما أن مستقبل مذكرة إسلام آباد وما يمكن أن تتضمنه من تفاهمات سيؤثران في طبيعة المرحلة المقبلة.

لا تزال الصورة غامضة، وأعتقد أن الأسابيع المقبلة ستساعد في توضيح بعض الاتجاهات، من خلال مراقبة تداعيات الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية، ومدى انعكاسها على القرارات الإقليمية.

وعلى أساس هذه التطورات يمكن البناء على ما سيحدث لاحقاً. أما في الوقت الراهن، فنحن أمام مرحلة من المراوحة والانتظار، ولا يمكن الجزم بأن التسوية ستتحقق في موعد محدد.

هل يذهب نتنياهو نحو تصعيد كبير؟

س: هل تتوقعون ضربة إسرائيلية كبرى قبل الانتخابات الإسرائيلية؟

ج: التصعيد قد يخدم الحسابات السياسية لنتنياهو في بعض الظروف، خصوصاً في ظل التحديات التي يواجهها على المستوى الداخلي وتراجع موقعه في استطلاعات الرأي، بحسب ما تعكسه بعض التقديرات المتداولة.

إذا شعر نتنياهو بأن فرصه الانتخابية تتراجع وأنه مهدد بالخسارة، فقد يلجأ إلى تصعيد عسكري جديد، محاولاً تحقيق إنجازات ميدانية يستطيع توظيفها في تحسين موقعه السياسي.

وقد يسعى أيضاً إلى الاستفادة من الظروف الأمنية لتبرير تأجيل الانتخابات، إذا توافرت الشروط القانونية والسياسية لذلك.

لكن المسألة لا تتعلق بالحسابات الانتخابية وحدها، بل أيضاً بمستقبل نتنياهو السياسي والقضائي، وبالمسؤوليات التي تواجهه على خلفية الإخفاقات الأمنية والعسكرية المرتبطة بهجوم السابع من تشرين الأول 2023، فضلاً عن ملفات الفساد والملاحقات القضائية التي تلاحقه في الداخل الإسرائيلي.

وفي حال خسر الانتخابات، فإن تداعيات ذلك على مستقبله السياسي قد تكون كبيرة، حتى لو بقي في رئاسة الحكومة خلال المرحلة الانتقالية وفقاً للإجراءات المعمول بها.

أما إذا فاز، فقد يشعر بأنه أصبح أكثر تحرراً من الضغوط الأميركية، وأن لديه هامشاً أوسع للتحرك، ما قد يدفعه إلى مواصلة التصعيد.

لذلك، فإن التصعيد الإسرائيلي مستمر، وقد يتخذ أشكالاً أكثر حدة في المرحلة المقبلة، ولا سيما عشية الانتخابات الإسرائيلية. ومن هنا، لا أرى أن الذهاب إلى جولة تفاوضية جديدة، سواء في بامبا أو في أي مكان آخر، ينسجم بالضرورة مع الحسابات التي قد يعتمدها نتنياهو في هذه المرحلة.

س: هناك حديث عن احتمال تنفيذ اغتيالات قبل الانتخابات الإسرائيلية. هل ترون أن هذا السيناريو وارد؟

ج: نعم، هذا الاحتمال يبقى قائماً. فإذا لم يتمكن نتنياهو من فتح جبهة حرب واسعة أو تحقيق اختراق عسكري كبير، فقد يلجأ إلى عمليات اغتيال تستهدف شخصيات من المقاومة، ليقدمها إلى المجتمع الإسرائيلي على أنها إنجازات أمنية وعسكرية.

فالاغتيالات تشكل إحدى الأدوات التي استخدمتها إسرائيل في مواجهاتها السابقة، وقد يحاول نتنياهو توظيفها سياسياً وإعلامياً لتحسين موقعه الانتخابي.

لكن يبقى ذلك في إطار الاحتمالات والتقديرات، ولا يمكن الجزم بأن قراراً من هذا النوع قد اتُخذ بالفعل.

س: هل ترون أن التسوية أصبحت قريبة، أم أن لبنان مقبل على مرحلة طويلة من الانتظار؟

ج: أعتقد أن التسوية، إذا حصلت، قد تحتاج إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأميركية، أي إلى منتصف تشرين الثاني، وفق المسار الذي نراقبه حالياً.

نحن نعيش فترة مراوحة، إلا إذا طرأ تطور كبير وغير متوقع أدى إلى تصعيد واسع يفرض على الأطراف العودة إلى التفاوض.

ولا بد من التوقف عند الوضع الأميركي الداخلي. فإذا دخل ترامب الانتخابات في ظل حرب مفتوحة وتصعيد كبير، فقد يدفع ثمناً سياسياً باهظاً. فالحرب لها انعكاساتها على الرأي العام الأميركي وعلى حسابات الكونغرس، وهناك اعتراضات وضغوط داخلية على استمرار المواجهة.

لذلك، قد يجد ترامب نفسه مضطراً إلى الاستعانة بالوسطاء والبحث عن تسوية، خصوصاً إذا استمرت إيران في موقفها ولم تؤدِّ الضغوط إلى النتائج التي تريدها واشنطن.

كلام للتاريخ - Red TV

السياسة الأميركية تجاه لبنان

س: كيف تقيّمون السياسة الأميركية تجاه لبنان، في ظل الضغوط المرتبطة بملف السلاح والمفاوضات؟

ج: أعتقد أن الخطأ الأساسي هو الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تضع مصلحة لبنان في مقدمة أولوياتها. فالسياسة الأميركية تجاه لبنان، وفق قراءتي، تنطلق أساساً من حماية المصالح الإسرائيلية ومنع أي تهديد عن إسرائيل.

ما تريده واشنطن من لبنان هو ضمان أمن إسرائيل، وهذا هو العامل الذي يحكم الكثير من مواقفها وضغوطها السياسية. وللأسف، أرى أن السلطة اللبنانية تتعامل مع هذه الإملاءات وكأنها مسلّمات، من دون أن تضع دائماً المصلحة الوطنية اللبنانية في المقام الأول.

فعندما تنفذ جهة سياسية أو حكومية مطالب أميركية تصب في مصلحة إسرائيل، من دون أن تحصل في المقابل على ضمانات واضحة تحفظ السيادة اللبنانية وتؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، فإنها تخاطر بالتحول إلى طرف يخدم الأهداف الإسرائيلية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

المطلوب هو أن تكون هناك مقاربة لبنانية واضحة، تنطلق من مصلحة لبنان وشعبه، وتربط أي التزامات أو تفاهمات بضمانات جدية وملموسة، لا بوعود مفتوحة على التأويل.

زيارة رئيس الوزراء القطري ودور الدوحة

س: كيف تقيّمون الزيارة المرتقبة لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى لبنان، وما الذي يمكن أن تحمله من نتائج؟

ج: تربط لبنان ودول الخليج علاقات تاريخية وأخوية عميقة، كما أن دول الخليج معنية باستقرار لبنان وأمنه، نظراً إلى الروابط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجمع الجانبين.

وتؤدي قطر دوراً مهماً في ملفات التسوية في المنطقة، سواء من خلال علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران، أو من خلال جهود الوساطة التي اضطلعت بها في ملفات إقليمية، ومنها المفاوضات المرتبطة بالحرب في غزة.

لذلك، فإن الزيارة المرتقبة لرئيس مجلس الوزراء القطري إلى لبنان تكتسب أهمية خاصة، ومن الطبيعي أن تثير اهتماماً سياسياً واسعاً، في ظل المرحلة الدقيقة التي يمر بها البلد.

فالدوحة تمتلك شبكة علاقات واسعة، وقد أثبتت في محطات سابقة قدرتها على التواصل مع أطراف متباينة وتقريب وجهات النظر بينها. ومن هنا، يمكن أن تشكل الزيارة فرصة لبحث سبل مساعدة لبنان، ودعم الاستقرار، والبحث في مخارج للأزمة الحالية.

وأعتقد أن أي تسوية إقليمية يمكن أن تنعكس إيجاباً على لبنان، ولا سيما إذا ارتبطت بتفاهمات واضحة حول وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وضمانات عدم تجدد الاعتداءات.

أما بالنسبة إلى مذكرة إسلام آباد، فأرى أن إدراج الملف اللبناني ضمن أي تفاهمات إقليمية جدية من شأنه أن يعزز فرص الضغط من أجل الانسحاب الإسرائيلي ووقف إطلاق النار، شرط أن تتوافر آليات تنفيذ وضمانات حقيقية.

في المقابل، فإن اتفاق الإطار اللبناني، كما أقيّمه، يفتقر إلى الضمانات الكافية ما دام لا توجد جهة قادرة أو مستعدة لإلزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها. وإذا كانت الولايات المتحدة هي الجهة الراعية والضامنة، فإن السؤال الأساسي يبقى ما إذا كانت ستستخدم نفوذها لضمان حقوق لبنان، أم ستواصل إعطاء الأولوية للمصالح الإسرائيلية.

من هنا، فإن الدور القطري يمكن أن يكون مهماً في تقريب وجهات النظر وفتح قنوات التواصل، لكن نجاحه يبقى مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها.

خامساً: الحكومة اللبنانية والأزمات المعيشية

س: كيف تقيّمون أداء الحكومة اللبنانية في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والمعيشية التي يعيشها البلد؟

ج: بصراحة، أتساءل أين هي الحكومة في مواجهة الملفات المعيشية؟ أشعر بأنها غائبة عن كثير من القضايا اليومية التي تهم المواطنين، وتتعامل مع الأزمات بسياسة الترقيع، فيما يواصل البلد تراجعه على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية.

يبدو أن الحكومة وضعت ملف نزع سلاح المقاومة وبسط سلطة الدولة في صدارة أولوياتها، فيما بقيت ملفات أساسية، مثل الكهرباء والنفايات والأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين، من دون معالجة كافية.

كيف يمكن لحكومة أن تتحدث عن معالجة الملفات الكبرى، فيما تعجز عن إيجاد حلول مستدامة لأزمة النفايات في الشمال، أو عن ضبط فواتير المولدات الخاصة التي تستنزف مداخيل المواطنين، أو عن ممارسة رقابة فعالة على الأسعار من خلال وزارة الاقتصاد؟

إذا كانت الحكومة عاجزة عن معالجة هذه الملفات اليومية، فكيف ستتمكن من إدارة مفاوضات معقدة أو اتخاذ قرارات استراتيجية تتصل بمستقبل لبنان؟

المشكلة أن المواطن لم يعد قادراً على تحمّل المزيد من الضرائب والأعباء، فيما تتراجع الخدمات وتزداد الضغوط المعيشية.

ولا يمكن للحكومة أن تعتبر أن تلبية المطالب الخارجية أو الحصول على دعم سياسي أميركي أو إقليمي يعفيها من مسؤولياتها الداخلية. فالمعيار الأساسي لنجاح أي حكومة هو قدرتها على حماية مصالح شعبها وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

وعندما يصل المواطن إلى مرحلة الجوع والعجز عن تأمين احتياجاته الأساسية، فإن الخطاب السياسي لا يعود كافياً لاحتواء غضبه.

س: هل تتوقعون نزول اللبنانيين إلى الشارع احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية؟

ج: النزول إلى الشارع في لبنان تحيط به اليوم محاذير سياسية وطائفية، لأن أي تحرك شعبي يمكن أن يُفسَّر وفق الانتماءات والحسابات السياسية، بدلاً من التعامل معه باعتباره تعبيراً عن وجع الناس ومطالبهم المعيشية.

فإذا نزل الشيعة إلى الشارع، قد يسارع البعض إلى تفسير التحرك بأنه اعتراض على اتفاق الإطار أو على السياسة الأميركية. وإذا نزل السنّة، قد يربط آخرون ذلك بمطالب سياسية تتصل بعودة الرئيس سعد الحريري.

وهكذا، تصبح كل حركة احتجاجية عرضة للتوظيف السياسي والطائفي، بدلاً من التركيز على أسبابها الاقتصادية والاجتماعية.

لكن الجوع لا يعترف بالحسابات السياسية. فعندما يصل الناس إلى مرحلة العجز عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، قد يتجاوز غضبهم الاصطفافات التقليدية، ويصبح انفجار الشارع احتمالاً قائماً.

أما توقيت هذه التحركات وحجمها، فيرتبطان بمدى جدية المعالجات الحكومية. فإذا ارتقت الإجراءات إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وأعادت الحد الأدنى من الثقة لدى المواطنين، فقد تتراجع احتمالات التصعيد الشعبي. أما إذا استمرت الحكومة في تجاهل المطالب، فإن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة.

ولا أعتقد أن سقوط الحكومة في الشارع هو الاحتمال الوحيد؛ فقد تصل أيضاً إلى مرحلة تفقد فيها مصداقيتها أمام الناس، ويجد رئيسها نفسه أمام طريق مسدود يدفعه إلى التفكير في الاستقالة.

نجيب ميقاتي واحتمالات العودة إلى رئاسة الحكومة

س: كيف تقيّمون تجربة الرئيس نجيب ميقاتي في رئاسة الحكومة، وهل تعتقدون أن عودته إلى هذا الموقع أصبحت مطروحة؟

ج: أرى أن الرئيس نجيب ميقاتي قاد البلاد في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها لبنان في تاريخه الحديث. فقد تسلّم مسؤولية الحكومة في ظروف اقتصادية ومالية شديدة التعقيد، وكان البلد يواجه خطر الانهيار الشامل.

وخلال توليه رئاسة الحكومة، استطاع، وفق تقييمي، إدارة مرحلة صعبة من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، والتعامل مع مرحلة عهد الرئيس ميشال عون، ثم مرحلة الفراغ الرئاسي، بالتعاون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري وسائر القوى السياسية.

كما واجهت حكومته تداعيات الانهيار الاقتصادي والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024، والذي أتاح للبنان الانتقال إلى مرحلة جديدة من التعامل مع تداعيات الحرب.

وأعتقد أن ميقاتي سلّم البلد إلى العهد الجديد ومؤسساته العسكرية والمدنية والإدارية والبلدية، في ظل ظروف بالغة الصعوبة، مع تسجيل معدل نمو اقتصادي قُدّر بنحو 3% في تلك المرحلة، وفق الأرقام المتداولة آنذاك.

ومن هنا، فإن تقييم تجربته يجب أن يأخذ في الاعتبار الظروف التي تولّى فيها المسؤولية، وحجم الأزمات التي واجهها، والنتائج التي أمكن تحقيقها ضمن الإمكانات المتاحة.

س: ما الدور الذي يؤديه الرئيس ميقاتي حالياً، وهل لا يزال اسمه مطروحاً بقوة لرئاسة الحكومة؟

ج: الرئيس ميقاتي لا يزال يؤدي أدواراً سياسية واتصالية، سواء من خلال المساهمة في تقريب وجهات النظر بين القوى الداخلية، أو عبر التواصل مع شخصيات سياسية والاستفادة من علاقاته العربية والدولية في خدمة لبنان.

كما أن خبرته في إدارة الملفات الحكومية وعلاقاته الإقليمية والدولية تجعلان اسمه حاضراً في النقاشات المتعلقة بمستقبل رئاسة الحكومة.

وأعتقد أن حظوظه تبقى موضع تداول في الأوساط السياسية، في ظل وجود قوى ترى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شخصية تمتلك الخبرة والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف.

وفي المقابل، هناك خصوم سياسيون، وحتى بعض الحلفاء، يشنون حملات إعلامية عليه كلما أُعيد طرح اسمه، لأن عودته المحتملة قد لا تتناسب مع حساباتهم ومصالحهم.

لكن الفارق كبير بين من يسعى إلى رئاسة الحكومة باعتبارها موقعاً للسلطة، ومن يتعامل معها باعتبارها مسؤولية تتطلب استيعاب التناقضات اللبنانية وإدارتها لمصلحة البلد.

كما أن هناك فرقاً بين من يطرق أبواب السرايا الحكومية للوصول إلى المنصب، ومن يلجأ إليه الآخرون عند الأزمات بحثاً عن الحلول.

وفي نهاية المطاف، فإن عودة ميقاتي أو عدم عودته تبقى مرتبطة بالتوازنات السياسية وبطبيعة المرحلة المقبلة، وبمدى توافق القوى المعنية على شخصية قادرة على إدارة الأزمات.

سابعاً: مستقبل لبنان وإمكان التحرر من الاحتلال الإسرائيلي

س: رغم كل هذه الضبابية، هل أنتم متفائلون بمستقبل لبنان؟ وهل تعتقدون أن لبنان الذي تحبونه سيتمكن من التحرر من الاحتلال الإسرائيلي واستعادة استقراره؟

ج: لبنان نحبه في كل الظروف، مهما اشتدت الأزمات وتعقدت التحديات. لكننا اليوم أمام مسار طويل وشائك، ولا يمكن التقليل من حجم الصعوبات التي تنتظر البلد.

ومع ذلك، أؤمن بأن الاحتلال لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وأن التجارب التاريخية تؤكد أن الاحتلال يولّد مقاومة تسعى إلى إنهائه واستعادة الأرض.

ومن وجهة نظري، فإن مقاومة الاحتلال حق مشروع في إطار الدفاع عن الأرض والسيادة، ولا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته المقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي على مدى مراحل مختلفة من تاريخ لبنان.

أما المرحلة المقبلة، فأعتقد أنها ستتحدد وفق مسارين أساسيين: إما التوصل إلى تسوية إقليمية تفضي إلى الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، وإما استمرار المواجهة إلى أن تتغير الظروف الميدانية والسياسية.

ولا أزال أراهن على إمكان التوصل إلى تسوية مرتبطة بمذكرة إسلام آباد، إذا توافرت الإرادة السياسية والضمانات اللازمة.

فالانسحاب الإسرائيلي يمكن أن يفتح الباب أمام معالجة الملفات الداخلية اللبنانية، ويساعد على تخفيف التوترات المرتبطة بملف السلاح ومستقبل الأمن الوطني.

وأعتقد أن حزب الله ليس بالضرورة معترضاً على مبدأ تنظيم السلاح ضمن استراتيجية دفاعية وطنية، بالصورة التي تُطرح بها المسألة في بعض الخطابات السياسية، بل إن جوهر النقاش يجب أن يرتبط بكيفية حماية لبنان وضمان عدم استمرار الاحتلال والاعتداءات.

فإذا تمكّن اللبنانيون من التوصل إلى استراتيجية دفاعية أو استراتيجية أمن وطني واضحة، تقوم على حماية السيادة وتوفير الضمانات اللازمة، بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي، فقد نكون أمام مرحلة جديدة تحمل فرصاً كبيرة للاستقرار وإعادة بناء الدولة.

أنا متفائل بقدرة لبنان على النهوض مجدداً، لكن هذا التفاؤل لا يلغي صعوبة المرحلة، ولا يعني أن الحلول ستأتي بسهولة. فلبنان يحتاج إلى تسوية تحفظ حقوقه، وإلى دولة قادرة على إدارة خلافاته الداخلية، وإلى توافق وطني يضع مصلحة اللبنانيين فوق الحسابات الخارجية.

كلمة أخيرة

س: ما الرسالة التي توجهونها في ختام هذه المقابلة إلى اللبنانيين، وما كلمتكم إلى «بيروت تايمز»؟

ج: أقول إن لبنان يحتاج اليوم إلى الحكمة والمسؤولية الوطنية، وإلى مقاربة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة، لأن استمرار الأزمات يهدد الجميع من دون استثناء.

وأتوجه بالشكر إلى الإعلامية منى حسن وإلى ادارة موقع «بيروت تايمز» على إتاحة هذه المساحة للنقاش وتبادل الآراء حول القضايا التي تهم لبنان واللبنانيين.

وأقول لمنى حسن إن لبنان بحاجة إلى إعلاميين يمتلكون الحرفية والكفاءة والقدرة على متابعة الملفات الوطنية بجدية ومهنية، وأتمنى لها وللموقع دوام النجاح والتقدم.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock