تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

«البنت التي لا تحب اسمها».. وأنا


كتبت الدكتورة علياء إبراهيم

هل الأسماء مجرد نصيب فرضته علينا اللحظة الأولى من ولادتنا، أم أنها حكاية تنمو معنا، وتتبدل معانيها كلما اتسعت رؤيتنا لأنفسنا والعالم؟ وكيف يتحول الاسم أحيانًا، وهو أول نص يُكتب عنّا قبل أن ننطق، من مجرد كلمة ينادينا بها الآخرون إلى جزء من حكايتنا الخاصة، نكتشف معناه كلما تقدمنا في العمر؟

تسللت إليّ هذه الأسئلة وأنا أقرأ رواية «البنت التي لا تحب اسمها» للكاتبة التركية «إليف شافاك»؛ تلك الرواية التي تتخذ من هذا التساؤل الإنساني مدخلًا لحكاية «ساردونيا»، الطفلة الذكية التي يثقلها اسمُها الغريب بعدما يصبح مادةً لسخرية أقرانها في المدرسة. ومع انضمام أصدقائها المقربين إلى صفوف المتنمرين، تجد «ساردونيا» نفسها وحيدةً في مواجهة هذه العزلة، فتصارح نفسها بأسى: «ليست هذه هي الصداقة الحقيقية… ألعب بمفردي خيرٌ لي من أن يكون لي صديق وصديقة مزيفان».

وفي مواجهة هذا الشعور القاسي بالخذلان، تلجأ إلى الكتب والحكايات، فتجد فيها ملاذاً يتجاوز حدود حياتها اليومية. ربما قد تبدو المشكلة صغيرةً في ظاهرها، لكنها تتسع تدريجيًا لتطرح سؤالًا أعمق عن الطريقة التي تتشكل بها صورتنا عن أنفسنا: هل نرى ذواتنا كما هي، أم كما تعكسها لنا مرايا الآخرين؟

ولم يكن لجوء «ساردونيا» إلى القراءة مجرد هروب من واقعها، بل كان نافذةً اتسع منها خيالها، ومفتاحًا قادها إلى مغامرة فريدة. فذات يوم، وأثناء تأملها مجسم الكرة الأرضية في المكتبة، تعثرت بمدخل سحري ينقلها إلى «القارة الثامنة»؛ ذلك العالم المهدد بالجفاف والاندثار. وهناك تكتشف ارتباط مصير القارة بانحسار القراءة وتراجع الخيال لدى الأطفال، حين تضيق المساحة التي يتيحها لهم الكتاب لبناء عوالمهم الخاصة. وهكذا تتحول القارة إلى صورة رمزية لما قد يصيب عالمنا الداخلي حين يفقد الخيال ما يغذيه؛ فالقراءة والمعرفة والحكايات لا تملأ أوقاتنا فحسب، بل توسّع قدرتنا على رؤية العالم وتخيّل ما يتجاوز خبرتنا المباشرة.

Inline image

وفي روايتها «البنت التي لا تحب اسمها» الموجّهة لليافعين، لا تكتفي «إليف شافاك» بمزج الواقع بالخيال، بل توظف الخيال لتبني المناعة النفسية للقارئ اليافع في هذه المرحلة العمرية الحرجة، وتُحصّنه ضد انكسارات الطفولة ومخاوفها؛ فتتنقل بالبطلة من خانة الضحية إلى موقع الفاعل المسؤول الذي يستوعب عقبات الحياة وقوانينها —أو كما عبّرت في الرواية— «بأنه ما من درب في الحياة إلا وفيه امتحان يجب اجتيازه، وأن الإنسان حين يتعلم كيف يتغاضى عن القلق والتوتر، يستحيل كل خسران ظاهري إلى فوز ونجاح خفيين».

ومن خلال المغامرة، تتغير علاقة «ساردونيا» بما كان يؤلمها؛ إذ لا تعود أسيرة نظرتها الأولى إلى اسمها، بل تكتشف أن تغيرها الداخلي قادر على تغيير الطريقة التي ترى بها الأشياء. وتعبّر عن هذا التحول بقولها: «كل شيء صار يبدو مختلفًا، لأنني تغيرت… لم أعد أحزن من الأشياء التي كانت تحزنني فيما مضى».

وهنا تتجلى إحدى القيم الإنسانية للأدب؛ فهو لا يلقّن قارئه موعظة مباشرة، ولا يفرض عليه معنى جاهزًا، بل يمنحه فرصةً ليتأمل ذاته من خلال حكاية أخرى. قد يجد في شخصية روائية ما يشبهه، أو يكتشف، من خلال اختلافها عنه، زاويةً جديدة لفهم تجربته. فالقراءة لا تمحو جراحنا بمجرد أن نطوي صفحات الكتاب، لكنها قد تساعدنا على تسمية مشاعرنا وفهمها، وتوسّع قدرتنا على الإصغاء إلى حكايات الآخرين. ومن هنا يمكن للنص الأدبي، حين يُقرأ في مساحة من الحوار والتأمل، أن يفتح بابًا لاستكشاف الذات، لا بتقديم حلول سحرية، بل بإتاحة فرصة لاكتشاف المعنى الشخصي.

وكلما اقتربتُ من نهاية الرواية، ازددتُ يقينًا بأن النص الأدبي، بقدر ما نقرأه، يقرأنا، بل وقد يوقظ فينا فصولًا من حياتنا لم نعد نلتفت إليها. فقد تجاوزت حكاية «ساردونيا» حدود الرواية، وأعادتني إلى طفولتي حين كنتُ صاحبة الاسم الوحيد من نوعه في مدرستي: «علياء». لم تكن حكايتي مثل حكاية «ساردونيا»، لكنني كنت أعيش فَرادَة الاسم قبل أن أدرك تمامًا ما ينطوي عليه من معنى.

وكان وراء اسمي حكاية أحبها؛ فقد أخبرني والداي أنهما اختاراه تيمنًا بـ «الملكة علياء» الأردنية، التي كانت تحظى بشعبية واسعة في «مصر» آنذاك. ظلت هذه الحكاية ترافقني منذ طفولتي، وإن لم أكن آنذاك أعي كل ما يمكن أن يمنحه الاسم من دلالات. ومع القراءة والنضج، أخذت أكتشف في اسمي معاني جديدة، وأدركت أنه لا يبقى مجرد حروف ننادى بها، بل تتشكل دلالته أيضًا من الحكايات التي نربطه بها، والتجارب التي نعيشها، والمعاني التي نكتشفها مع الزمن. ولعل بعض الكلمات لا تمنحنا معناها كاملًا منذ البداية؛ فنحن الذين نكبر معها، ونضيف إليها من أعمارنا ما يجعلها أقرب إلينا، حتى نكاد نراها بعين جديدة.

أغلقتُ رواية «البنت التي لا تحب اسمها»، بينما ظلت (قارة ساردونيا الثامنة) تحيا في ذاكرتي؛ ذلك العالم الذي يتهدده الجفاف كلما انحسر الخيال، وفكّرتُ في العوالم الصغيرة التي يحملها كل منا، وفي الحكايات التي تمنحها القدرة على البقاء. فربما يكون إنقاذ القارة الثامنة هو مسؤولية تتجدد كلما فتحنا كتابًا، أو أصغينا إلى حكاية، أو منحنا اختلافًا فرصةً لأن يكشف لنا معنى لم نكن نراه. ولعل قارتنا الثامنة لا تحتاج إلا إلى أن نظل نرويها، ونبعث فيها الخيال؛ كي تبقى حيّةً فينا، فلا تجفّ.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock