الاحتياط الاغترابي للدولة: من الحوالة إلى أمر الاستدعاء
منذ 6 ساعات
4 دقائق
24,902 مشاهدة
بقلم: أكرم مندامي زين الدين *
كان أبي يتغيّر كليًا حين يرتدي بزّته العسكرية، حتى مشيته كانت تتغيّر. كأن البزّة كانت عهدًا يدخل فيه، لا ثوبًا يلبسه.
من هنا، يعرف من نشأ في بيت تشبه تربيته الهندام العسكري ما تعنيه كلمة «الاحتياط»، ولا يقبل أن تتحول إلى استعارة رخوة. الاحتياط ليس جيشًا ثانيًا، ولا قوة رديفة، ولا جماعة تنتظر حصتها. إنه ذلك التحوّل نفسه: مواطنون لهم حياتهم ومهنهم وبيوتهم، تعرف الدولة أسماءهم وكفاءاتهم، يرتدون بزّتها حين تستدعيهم، فيلبّون تحت إمرتها ويؤدون المهمة، ثم يخلعونها ويعودون إلى حياتهم من دون أن يطالبوا برتبة أو منصب أو مقعد.
لبنان يملك احتياطًا من هذا النوع، لكنه لم يسجّله يومًا، ولم يكلّفه بمهمة، ولم يصدر له أمر استدعاء. إنه اغترابه.
الحوالة لا تبني دولة
عرفت الدولة اللبنانية مغتربيها، طوال عقود، من باب واحد تقريبًا هو باب الحوالة، وهو باب لا يُستهان به. فبحسب تقديرات البنك الدولي، تلقى لبنان نحو 5.8 مليارات دولار من تحويلات المغتربين في 2024، بمعدل سنوي يقارب 6.4 مليارات بين 2020 و2024، أي قرابة 32 مليار دولار في خمس سنوات من أقسى ما عرفه البلد. هذه الأموال أبقت عائلات على قيد الكرامة، وسدّت فجوات لم تسدّها السياسات.
لكن الحوالة تنقذ البيت ولا تبني الدولة. تذهب إلى الاستهلاك اليومي، إلى القسط والدواء والإيجار، ثم تعود إلى الخارج في صورة استيراد. تُبقي البلد واقفًا، لكنها لا تجعله يمشي. والدولة التي تكتفي من أبنائها بما يرسلونه من مال تهدر ما هو أثمن منه: ما يحملونه من خبرة وعلاقات، ومن معرفة بكيفية صنع القرار في عواصم المال والاستثمار.
ثقة لا تُمنح لفئة أو حزب
في الاغتراب اللبناني ولاءات سياسية وفئوية، ولا داعي لإنكارها. لكن هناك ثقة من نوع آخر لا يمنحها أي مغترب لأي فئة أو حزب، مهما كان قريبًا منه، هي الثقة الاقتصادية. لا أحد يضع رأس مال جمعه في عقود من الغربة في مشروع لأن فئة أو حزبًا يضمنه. يضعه حين تضمنه محكمة تفصل، وعقد يُحترم، ومصرف يردّ الوديعة، وإدارة لا تحتاج إلى وسيط. وهذه كلها أسماء أخرى للدولة.
من هنا، لا يطلب المغترب من الدولة امتيازًا، ولا يأتيها عبر فئة أو حزب. يأتيها لأنه لا يأتمن على رأس ماله وخبرته أحدًا سواها.
وبعد كل ما مرّ على لبنان من مصائب وويلات، لم يعد هذا شرط المغترب وحده. فالشركات المستثمرة، والشركاء في الخليج وأفريقيا وأوروبا والعالم، لن يتعاملوا بعد اليوم إلا مع الدولة. تحضّروا إذن لتروا لبنان الدولة، فهو وحده الذي سيجد من يتعامل معه.
احتياط لا لوبي
قد يُقال: فلينظّم المغتربون أنفسهم في لوبي يضغط من أجل الإصلاح. للّوبي مكانه في عواصم الاغتراب، حيث يدافع عن لبنان أمام الآخرين. لكنه أمام الدولة اللبنانية نفسها يقف خارجها ويضغط عليها، أما الاحتياط فيقف خلفها ويعمل بأمرها. اللوبي يبحث عن نفوذ، والاحتياط يؤدي مهمة. والفارق ليس لغويًا، ففي بلد تُقرأ فيه كل قوة منظمة على أنها مشروع سلطة، يحتاج الاغتراب إلى صيغة تطمئن الجميع إلى أنه لا ينافس أحدًا على شيء.
ولكي يكون الاحتياط احتياطًا فعلًا، لا بد من أربعة شروط:
أولًا، أن يكون مسجّلًا. لا يمكن استدعاء من لا تعرف الدولة أسماءهم ولا اختصاصاتهم. والسجل الوطني للكفاءات اللبنانية في العالم هو الخطوة الأولى، قبل أي مؤتمر أو خطاب.
ثانيًا، أن يُستدعى لمهمة محددة. لا تفويض مفتوحًا ولا هيئة دائمة، بل مهمة بمخرجات ومهل، تُنجز ثم تُقيَّم.
ثالثًا، أن يعمل بأمر الدولة وضمن صلاحيات مؤسساتها. لا سلطة موازية ولا قرار خارج المؤسسات، بل ملفات جاهزة توضع بين يدي صاحب القرار.
رابعًا، أن يبقى خارج المحاصصة، اختيارًا وسلوكًا: معايير معلنة للكفاءة والنزاهة، وإفصاح عن تضارب المصالح، والتزام صريح بألا يستعمل من يُستدعى المهمة سلّمًا إلى منصب أو مقعد.
اليوم التالي يبدأ اليوم
ستنتهي هذه الحرب كما انتهت حروب قبلها. وحين تنتهي تُفتح نافذة قصيرة: مؤتمرات ووعود وصناديق، ومستثمرون يختبرون الأرض. وتجربة الدول الخارجة من الأزمات تكاد تكون واحدة. من يصل إلى تلك النافذة بملفات جاهزة يحصل على المال: خريطة عوائق واضحة، وقرارات محددة بمهلها والجهات المسؤولة عنها، ومشاريع قابلة للتمويل. ومن يصل بالنوايا الحسنة يحصل على البيانات الختامية.
الدول التي تنهض لا تنتظر زوال الأزمات لتبدأ العمل، بل تستعد للنهوض وهي تواجهها، أو تنتقل من الرماد إلى البناء بلا إبطاء، كما فعلت ألمانيا. خرجت من الحرب عام 1945 مدمّرة، مقسّمة إلى مناطق احتلال، بلا دولة ذات سيادة، ومع ذلك أطلقت إصلاحها النقدي في حزيران 1948، قبل أحد عشر شهرًا من قيام جمهوريتها الاتحادية. لم تنتظر أن تُحسم أسئلتها السياسية الكبرى لتبدأ البناء. والإعداد لليوم التالي لا يحتمل التأجيل إلى اليوم التالي.
جسور إلى الخليج وأفريقيا والعالم
وفي هذا الاحتياط ما لا تملكه أي إدارة مهما بلغت كفاءتها. فاللبنانيون المقيمون في الخليج يعرفون كيف يفكر المستثمر هناك، وما الذي يطمئنه وما الذي يبعده، وبأي لغة تُعرض عليه الفرص. واللبنانيون في أفريقيا يديرون منذ أجيال رؤوس أموال تعلّمت العمل في بيئات صعبة، وتعرف كيف تقيس المخاطر حيث يتردد الآخرون. واللبنانيون في الأميركيتين وأوروبا وأستراليا يحملون معرفة المؤسسات نفسها: كيف تُدار الشركات الكبرى، وكيف تُموَّل المشاريع، وكيف تعمل الأنظمة التي يثق بها المستثمر. هؤلاء يستطيعون أن يترجموا شروط المستثمر إلى قرارات لبنانية قابلة للتنفيذ، وأن يترجموا القرار اللبناني إلى لغة يطمئن إليها المستثمر. وهذه الترجمة هي ما يحتاج إليه لبنان اليوم أكثر من أي قرض.
أمر الاستدعاء
من عاش الغربة طويلًا يعرف أن الحنين وحده لا يبني دولة، وأن الدول تُبنى بمؤسسات تعرف كيف تحوّل الحنين إلى عمل. واللبناني في الخارج لا ينقصه حب بلده، ولا تنقصه الخبرة ولا العلاقات. ينقصه أن تقول له دولته بوضوح: نعرف من أنت، ونعرف ماذا تستطيع، ونحتاجك لهذه المهمة، في هذا الوقت، بهذه الشروط.
الاحتياط موجود منذ زمن، منتشر في القارات، وجاهز أكثر مما يظن كثيرون. ما ينقصه هو أمر الاستدعاء.
الاحتياط موجود منذ زمن، منتشر في القارات، وجاهز أكثر مما يظن كثيرون. ما ينقصه هو أمر الاستدعاء. والأمر لا يصدر إلا عن الدولة. وحين يصدر، سيرتدي الاحتياط بزّة الدولة.
* مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية