تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخر الاخبار
مقالات رأي

عمان.. واحة الحكمة التي تحرسها أصالة المدينة الفاضلة

الدكتور/ محمد حسين *

 حين تضطرب الخريطة وتشتعل مساحات الإقليم بنيران الاستقطاب، يدرك المتابع أن بقاء واحة سلام واستقرار ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة لإرادة صلبة وبوصلة أخلاقية لا تهتز. تقف سلطنة عمان اليوم في قلب هذا المشهد كنموذج فريد للدولة الحكيمة التي ترفض الانخراط في حمأة الصراعات، متوسلة بدبلوماسية هادئة ورصينة قوامها الحوار واحترام سيادة الدول والحياد الإيجابي الفاعل. ومثلما تتعرض المراكب الكبيرة لأمواج عاتية، تواجه مسقط اليوم حملات تشكيك مغرضة وافتراءات رقمية يقودها “الذباب الإلكتروني” ودوائر قاصرة النظر، تحاول عبثًا النيل من دورها التاريخي. غير أن تفنيد هذه الهجمات لا يحتاج إلا للغوص في جذورها العميقة وفلسفتها التي تنبع من نقاء المجتمع العماني ذاته وأصالة قيادته.

 إن هذا الثبات الاستراتيجي والحياد الإيجابي ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد أمين لتاريخ عريق وجذور متأصلة في عمق الزمن. فعمان -بأرضها الطيبة وشعبها الذي يجسد معاني الشهامة والتسامح والنقاء- تذكر كل زائر بأجواء “المدينة الفاضلة” التي حلم بها الفلاسفة، حيث تسود أخلاق العدالة والترفع عن صغائر الأمور. وتمتد هذه الأصالة لتشمل الأسرة البوسعيدية الكريمة، التي ينحدر أصلها من جذور عربية عريقة (تعود إلى الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي مؤسس الدولة الحديثة عام 1744م)، والتي عُرفت عبر التاريخ بالحكمة، والعدل، والحرص على إرساء دولة المؤسسات واحترام سيادة الدول وحسن الجوار، متخذة من السلام استراتيجية لا تبدل.

 ولطالما أثبت التاريخ صحة وبصيرة السياسة الخارجية والدبلوماسية العمانية حين تختلف حسابات الإقليم وتضيق حلقاته. ففي مطلع الثمانينيات، وحين قاطعت الدول العربية جمهورية مصر العربية إثر توقيع اتفاقية السلام، أبت عمان إلا أن تحافظ على شعرة معاوية وتستبقي علاقاتها الدبلوماسية والأخوية مع القاهرة، متمسكة برؤيتها أن مصر لا يمكن عزلها عن محيطها العربي، ليثبت الزمن صحة الموقف العماني وتعود العرب جميعاً إلى مصر. وتكرر ذات المشهد بحكمة بالغة في الأزمة الخليجية الأخيرة ومقاطعة دولة قطر، حيث نأت عمان بنفسها عن التجييش والتصعيد، مفضلة مسار الوساطة الهادئة ورأب الصدع، إلى أن عادت الأمور إلى نصابها وصفت الأجواء بين الأشقاء، لتثبت الأيام مجددًا أن رؤية مسقط الاستباقية هي دائمًا البوصلة الأكثر عقلانية ورشدًا.

 وفي قراءة استراتيجية أعمق للمشهد الإقليمي الراهن، تكتسب السياسة الخارجية العمانية أهمية مضاعفة؛ فهي تنطلق من إدراك واقعي لحالة التراجع والتصدع في موازين القوة العربية الشاملة. وفي ظل عجز المنظومة عن خوض استقطابات عسكرية مكلفة، تؤكد مسقط بحكمة بالغة أن العقلانية الاستراتيجية تقتضي الابتعاد الكلي عن الاستطدام العبثي والانجرار إلى معارك الآخرين. فعُمان تدرك أن حفظ ما يمكن حفظه من استقرار الإقليم يبدأ برفض الانخراط في محاور التهور، وتوظيف الدبلوماسية الهادئة كدرع واقٍ يحمي المجتمعات من ويلات صراعات لا قبل لها بها.

 وفي هذا السياق القانوني والسياسي، يجب إدراك أن الحياد الإيجابي أو “السياسة المستقلة” ليس جريمة، بل هو حق أصيل لأي دولة تنفيذًا لميثاق الأمم المتحدة في اختيار علاقاتها وحل النزاعات بالطرق السلمية. فعمان لا تخون تحالفاتها، بل تختار أن تكون “جسر تواصل” لا طرفًا في حرب، وفي عالم تشتعل فيه الحروب، – وحتى بمنطق البرجماتية السياسية – تُصبح الحاجة إلى “وسيط عاقل ومحايد” أشد إلحاحًا من الحاجة إلى مقاتل إضافي.

ولقد تجلت هذه الحكمة الراسخة بوضوح تام في مساعي عمان الحثيثة والدؤوبة لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، ودورها المحوري والمشرف في التهدئة خلال الأزمات الإقليمية الكبرى، لا سيما في ظل التوترات والحروب الأخيرة؛ حيث أثبتت مسقط مواقف سيادية صلبة ورافضة بحزم لأي استخدام لأراضيها أو أجواءها منطلقًا لأعمال عسكرية عدوانية ضد الجيران، متمسكة بسيادتها الوطنية وإرادتها السياسية الحرة، رغم ما تتعرض له أحيانًا من ضغوط ومخاطر ميدانية نتيجة اتساع رقعة الصراعات الإقليمية.

 واليوم، حين تتعرض مسقط لضغوط واتهامات إعلامية على خلفية أمن الملاحة في مضيق هرمز وتأجيل بعض اللقاءات الإقليمية، فإن هذه الافتراءات تتجاهل عمدًا حقيقة أن عمان كانت ولا تزال الصمام الآمن لاستقرار التجارة الدولية. حقيقة الأمر إن الهجوم على مسقط بحجة أمن الملاحة أو تأجيل بعض الاجتماعات يتجاهل تمامًا حقيقة أن الدول الكبرى والمنظمات الدولية تدرك دور عمان البناء في التهدئة، وأن تلك الانتقادات الإعلامية غالبًا ما تقودها “حسابات موجهة” أو أصوات تعادي الحوار وتريد جر الجميع إلى خنادق الاستقطاب.

إن تأجيل أي محطة دبلوماسية ليس سوى تهيئة موضوعية لنجاح الحوار، لا تعثرًا كما تقول الأقلام المغرضة، لتكتفي مسقط بردود دبلوماسية رصينة ومتبصرة تقودها وزارة خارجيتها بقيادة وزير خارجيتها السيد/ بدر البوسعيدي بحكمة بالغة.

 إن هذا الثبات الاستراتيجي والهدوء الإقليمي لا ينفصل بحال عن جوهر المجتمع العماني وطبيعته الطيبة وأصالة جذوره. ومن هذا النقاء المجتمعي والعمق التاريخي تنبثق السياسة الخارجية العمانية صافية لا تشوبها شائبة. وستظل عمان، برغم ضجيج الأكاذيب وحملات التشكيك، الرقم الأصعب والقلب النابض بالسلام والحكمة في ذاكرة الإقليم والعالم.

*أستاذ القانون الدولي

[email protected]

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock