مقالات رأي
رسولُ القلبِ الإلهيّ مار فرنسيس والسّلطانُ الكاملُ: لقاءٌ في قلبِ الحروب

الخوري الدكتور ننبيل مونس
في زمنٍ كانت فيه الحروبُ مشتعلةً بين المسلمينَ والمسيحيّينَ تحت راية “تحريرِ الأراضي المقدّسة”، وفي سنةِ 1219، وقع حدثٌ لم يكن في الحُسبان، حدثٌ يشبهُ شرارةَ نورٍ وسطَ ليلٍ طويل. كان اللقاءُ بين راهبٍ فقيرٍ من أسيزي، يحملُ قلبًا مشتعلًا بمحبةِ الله، وبين سلطانٍ أيوبيٍّ قويٍّ وحكيمٍ هو الملك الكامل ناصر الدين محمد، ابنُ أخِ صلاح الدين الأيوبيّ.
كان السلطانُ الكاملُ رجلَ دولةٍ وسياسةٍ وحرب، لكنه كان أيضًا رجلَ تفاوضٍ ورؤية، يسعى إلى تسوياتٍ تُنقذُ الدماء وتفتحُ أبوابًا للسلام. وفي قلب هذا المناخِ المشحونِ بالمعارك، ظهر فرنسيس، لا يحملُ سيفًا ولا يتقدّمُ خلف جيش، بل يحملُ قلبًا يرى في الإنسانِ وجهَ الله.
عبرَ فرنسيس خطوطَ الحرب، ودخلَ إلى معسكرِ السلطان طالبًا لقاءه. وكان اللقاءُ مشهدًا لا يشبهُ زمنه: رجلُ دينٍ مسيحيٌّ فقيرٌ يقفُ أمام سلطانٍ مسلمٍ قويّ، في وقتٍ كان كلُّ طرفٍ يرى الآخر من خلفِ دخانِ السيوف.
وتروي السِّيَرُ اللاحقة، ولا سيّما سيرة القديس بونافنتورا، أنّ فرنسيس أراد أن يشهد لقوّة الإيمان، فاقترح أن يدخل مع رجال الدين المسلمين النار ليظهر أيُّ إيمانٍ هو الحقّ. تراجع الآخرون، بينما تقدّم فرنسيس بقلبٍ ثابت. قد تكون التفاصيلُ قد زُيّنت عبر الزمن، لكنّ الحقيقة الأهم تبقى ثابتة:
فرنسيس دخل إلى قلب الحرب لا ليقاتل، بل ليشهد.
لا ليهزم، بل ليلتقي.
لا ليُسكت الآخر، بل ليُصغي إليه.
فرنسيس لم يعبر إلى السلطان بسيفٍ، بل عبر إليه بقلبٍ. والسلطان لم يستقبل عدوًّا، بل استقبل إنسانًا.
إلى أبناءِ المشرق
أكتبُ هذه الكلمات إلى أبناءِ المشرق العربي، إلى أبناءِ هذه الأرض التي مرّت عليها الحضاراتُ والأنبياءُ والكتبُ والدموعُ والصلوات، إلى كلّ إنسانٍ مهما كان إيمانه أو أصله أو لغته.
لعلّنا نستطيعُ أن نرتقي من جديد إلى لغة القلب، إلى لغة الإنسان قبل الدين، وإلى الرحمة قبل السيف.
لعلّنا نستطيع أن نحوّل عالمنا من ساحاتٍ للصراع إلى جنائنَ من الأمل، فتتّسع مساحاتُ الرجاء، وتصبح الأرضُ كلّها موضعَ سلام.
عندئذٍ تتحقّق فينا نبوّة إشعيا، حين يسكن الذئبُ مع الخروف، ويلهو الرضيعُ على جحر الأفعى، ويأكل الأسدُ التبنَ كالبقر. تلك الصور ليست خيالًا شعريًا، بل وعدٌ إلهيٌّ بأنّ السلام ممكنٌ حين يتغيّر القلب.
لغة القلب بدل لغة الخوف
إنّ منطقتَنا ليست هامشًا في التاريخ.
إنّها أرضُ الوحي، أرضُ الأنبياء، أرضُ القداسةِ والفروسيّة، أرضُ الشرق الذي منهُ أشرقت أنوارٌ كثيرةٌ على البشريّة.
فلننزعْ عن قلوبنا لغةَ العنف والخوف، ولنقبلْ لغةَ الرحمة.
إنّ الله حقّ، وهو رحيمٌ ورؤوف.
وأستحلفكم باسم الله، الرحمن الرحيم: لنبحث عن كلمةٍ سواء.
بأيدينا اليوم، بقلوبنا وعقولنا، يمكن أن يبدأ خلاصُ العالم من جديد.
يمكن أن يبدأ سلامُ القلوب.
فإذا انتصرت لغةُ القلب والعقل والتفاوض، انتصر العالمُ كلّه.
نداء القلب الإلهيّ
القلبُ الذي طُعن بحربةٍ في جسد المسيح صار بابًا للمصالحة بين الله والإنسان.
والقلبُ الذي ظهر مطعونًا في جسد فرنسيس قبيل وفاته سنة 1226 لم يكن قلبَ الهزيمة، بل قلبَ رسولِ السلام.
فهل هناك من يسمع اليوم نداء القلب الإلهي؟
هل من يقرأ في كتاب الحياة؟
هل من يُصغي إلى النبض الآتي من خلف الجراح؟
ربّما لم يتغيّر العالم بعد.
لكنّ التغيير يبدأ حين يقرّر إنسانٌ واحدٌ أن يعبر إلى الآخر، لا بسيفٍ، بل بقلبٍ.
فرنسيس عبر إلى السلطان بقلبه.
فلنعبر نحن أيضًا إلى بعضنا بعضًا بقلوبنا.
وعندئذٍ سنكتشف أنّ السلام لم يكن بعيدًا يومًا، بل كان ينتظر فقط أن نفتح له أبواب قلوبنا.















