نقولها بوضوح، وبلا تردد، لأن المدرسة الرسمية ليست عبئًا على الدولة، بل هي واجب الدولة. ولكن، لحظة!
هل الدفاع عن المدرسة الرسمية يعني أن نغلق أعيننا عن واقعها؟
هل يعني أن نرفض أي نقاش حول عدد المدارس وحجم الإنفاق ونوعية التعليم؟
هل يعني أن نبقي مؤسسات تربوية مفتوحة فقط كي نقول إننا لم نقفلها؟
كفى!
نحن في لبنان بارعون في الدفاع عن الأشياء بعد أن نتركها تموت.
ندافع عن المدرسة الرسمية، لكننا لا نؤمّن لها مقومات النجاح.
ندافع عن التعليم، لكننا نترك المدرسة تنهشها الأزمات.
ندافع عن المعلم، لكننا لا نبني له بيئة تربوية مستقرة.
ندافع عن الطالب، ثم نسأله لماذا يبحث عن مدرسة أخرى!
المشكلة ليست أن نقفل مدرسة رسمية.
المصيبة أن نترك مدرسة رسمية مفتوحة… ولكن بلا مشروع، بلا رؤية، بلا تجهيز، وبلا مستقبل.
المدرسة الرسمية ليست صندوقًا انتخابيًا، وليست بابًا للتوظيف، وليست رقمًا في لائحة وزارة.
إنها ابن هذا الوطن.
وإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية مدرستها، فكيف تريد من المواطن أن يثق بها؟
نعم، فلنرفض الإقفال العشوائي.
لكن فلنرفض أيضًا الإبقاء العشوائي.
إذا كانت مدرسة تضم عددًا ضئيلًا من الطلاب، فلنسأل لماذا.
إذا كان الأهل يهربون منها، فلنسأل لماذا.
إذا كانت تجهيزاتها متأخرة، فلنسأل من المسؤول.
إذا كان التعليم فيها لا يواكب العصر، فلنجرؤ على الإصلاح.
لا نريد مدرسة رسمية تعيش على أجهزة الإنعاش. نريد مدرسة رسمية تتنفس من رئتيها. نريدها مدرسة يفتخر بها أهلها، ويطمئن إليها الأهل، ويجد فيها الطالب فرصة حقيقية لبناء مستقبله.
والأهم: لا تجعلوا الفقراء يدفعون ثمن فشل الدولة مرتين.
مرة عندما يعجزون عن تأمين مدرسة خاصة لأبنائهم، ومرة عندما يجدون أن المدرسة الرسمية التي يفترض أن تكون ملاذهم الأخير قد تحولت إلى مؤسسة متروكة لمصيرها.
يا دولة لبنان،
إذا كانت المدرسة الرسمية مهمة، فاستثمري فيها.
إذا كان المعلم مهمًا، فاحمي كرامته وطوّري أداءه.
إذا كان الطالب هو المستقبل، فضعيه أولًا.
وإذا كان التعليم حقًا، فلا تتعاملي معه كأنه منّة.
نحن لا نريد معركة بين المدرسة الرسمية والمدرسة الخاصة.
نريد دولة تقوم بواجبها.
لا نريد أن نرفع شعار «لا لإقفال المدارس الرسمية» ثم نعود إلى بيوتنا.
نريد أن نسأل السؤال الأصعب:
ماذا فعلنا كي لا يصبح إقفالها يومًا أمرًا لا مفر منه؟
فالمدرسة لا تُنقذ بالشعارات.
تُنقذ بالقرار.
بالإدارة.
بالاستثمار.
بالمحاسبة.
وبالرؤية.
فلنقلها اليوم بصوت عالٍ: لا لإقفال المدارس الرسمية… ولكن أيضًا لا لتركها تموت واقفة!