تخطي إلى المحتوى الرئيسي
43,599 مشاهدة
سيرينا جمال دملج *
حين يدعو مسؤول إيراني، من بيروت، الحكومة اللبنانية إلى “تسليح الجميع” لمواجهة إسرائيل، فإن المسألة تتجاوز تصريحًا سياسيًا عابرًا أو تعبيرًا عن التضامن مع بلدٍ يواجه اعتداءات عسكرية. إنها تطرح سؤالًا جوهريًا عن حدود العلاقة بين الدول، وعن حق اللبنانيين في تحديد خياراتهم الأمنية والعسكرية من خلال مؤسساتهم الدستورية، لا وفق تصوراتٍ تُصاغ خارج حدودهم.
ففي وقتٍ تسعى فيه الحكومة اللبنانية إلى حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، أطلق نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده دعوته إلى تسليح اللبنانيين بدلًا من نزع السلاح في مواجهة إسرائيل. ولم يقتصر التصريح على التعبير عن موقف إيراني من الصراع، بل وضع الحكومة اللبنانية أمام اقتراح يتعارض مع الاتجاه الذي أعلنته رسميًا بشأن تنظيم القوة المسلحة وحصرها في المؤسسات الشرعية.
هنا تكمن الإشكالية: هل يمكن الدفاع عن سيادة لبنان من خلال دعوته إلى تعميم السلاح، فيما تحاول مؤسساته استعادة احتكار القرار الأمني؟ ومن يملك حق تقرير ما يحتاج إليه اللبنانيون لحماية بلدهم: حكومتهم، أم مسؤولون من دول أخرى يرون في لبنان جزءًا من معادلة إقليمية أوسع؟
حين تتحدث طهران عن أمن لبنان
لا يمكن فصل التصريح الإيراني عن التوتر القائم بين طهران وبيروت بشأن دور حزب الله وسلاحه، ولا عن الخلاف حول الجهة التي ينبغي أن تقرر انخراط لبنان في أي مواجهة إقليمية مقبلة.
واللافت أن خطيب زاده، وفق التصريح نفسه، قال إن قرار انخراط حزب الله في مواجهة محتملة بين إيران وإسرائيل يعود إلى الحزب نفسه، وليس إلى طهران. وهذا يفتح بابًا إضافيًا للأسئلة: إذا كان قرار الحرب شأنًا لبنانيًا، فلماذا يُطرح مستقبل السلاح اللبناني في خطاب مسؤول أجنبي من دون أن تكون الأولوية واضحة لقرار الدولة اللبنانية ومؤسساتها؟
لا شك في أن العلاقات بين الدول تقوم على المصالح والتعاون والتنسيق، لكنها لا تمنح أي حكومة أجنبية حق تحديد البنية الأمنية لدولة أخرى. ويمكن لإيران، شأنها شأن سائر الدول، أن تعلن موقفها من الصراع مع إسرائيل أو أن تعبّر عن قلقها إزاء التطورات الإقليمية. أما الدعوة إلى تسليح اللبنانيين على نطاق واسع، فتثير تساؤلات جدية عن مدى احترام استقلال القرار اللبناني، ولا سيما حين تصدر في مرحلة أعلنت فيها الحكومة بوضوح أنها تريد حصر السلاح بيد الدولة.
وليست المسألة في هذه الحالة اختيارًا بين مواجهة إسرائيل أو التخلي عن حماية لبنان. فالسؤال الحقيقي يتعلق بالوسيلة التي يقررها اللبنانيون بأنفسهم، وبالجهة المخولة دستوريًا تحديدها وتنفيذها ومحاسبتها على نتائجها.
قرار الحكومة… اختبار حصرية السلاح
في 2 مارس/آذار 2026، أعلن مجلس الوزراء اللبناني حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، وأكد أن قرار الحرب والسلم يعود حصريًا إلى الدولة، مطالبًا الحزب بتسليم سلاحه إلى المؤسسات الشرعية وحصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية. كما كلّف الأجهزة العسكرية والأمنية اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار.
وهذا القرار ليس تفصيلًا إداريًا يمكن تجاوزه عند مناقشة التصريحات الإقليمية. إنه تعبير عن موقف رسمي يحدد الجهة التي يفترض أن تتولى إدارة الأمن الوطني، ويضع الحكومة أمام مسؤولية تنفيذ ما أعلنته.
من هنا تبرز قضية شحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات اللبنانية في سيارة على الطريق بين البقاع وبيروت. فقد أكد النائب عن حزب الله حسن فضل الله أن الشحنة تعود إلى الحزب، وقال إنها كانت مخصصة لاستهداف القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، مطالبًا بإعادتها والإفراج عن الموقوفين. وفي المقابل، شددت السلطات اللبنانية على أهمية التعامل مع القضية وفق الإجراءات القانونية والأمنية.
وبصرف النظر عن الروايات المتصلة بوجهة المتفجرات والغرض من نقلها، فإن ضبطها يضع مبدأ حصرية السلاح أمام اختبار عملي. فإذا كانت الحكومة قد قررت حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، فمن واجبها أن تحقق في شحنة المتفجرات وتحدد المسؤوليات وفق الأدلة والقانون، لا أن تتعامل مع ملكية أي جهة سياسية للمواد المضبوطة بوصفها سببًا كافيًا لإعادتها.
وفي هذا السياق، يبدو طلب استعادة الشحنة متعارضًا مع مسار القرار الحكومي، كما تثير الدعوة الإيرانية إلى تسليح الجميع سؤالًا إضافيًا عن الفجوة بين ما تقرره الدولة وما تدعو إليه قوى أو أطراف من خارج مؤسساتها.
ولا يعني ذلك أن التصريح الإيراني يثبت وجود صلة بالشحنة المضبوطة؛ فلا دليل متاح يبرر هذا الاستنتاج. لكن القضيتين تلتقيان عند سؤال واحد: هل تكون الكلمة الفصل في السلاح للدولة اللبنانية، أم تبقى خاضعة لمواقف قوى سياسية أو حسابات إقليمية؟
بين المتفجرات والتفاوض… تناقضات المشهد
تزداد هذه الأسئلة أهمية في ضوء المسار التفاوضي الذي اختارته السلطات اللبنانية لمعالجة الصراع مع إسرائيل. فالرئيس جوزيف عون أعلن أن الوقت قد حان لإنهاء حالة العداء، والحكومة أبدت استعدادها لاستئناف المفاوضات بمشاركة مدنية ورعاية دولية. وفي المقابل، دعت الولايات المتحدة إلى عدم إعادة المتفجرات المضبوطة إلى حزب الله، وإلى محاسبة المسؤولين عن نقلها، كما طرحت توسيع قنوات الاتصال العسكري المباشر بين لبنان وإسرائيل لتقليل مخاطر سوء التقدير.
هذه المواقف الأميركية لا تعني أن كل مقترح صادر عن واشنطن يجب أن يُقبل بلا نقاش. فلبنان يملك حق تحديد شروط التفاوض، والمطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وضمان الانسحاب من أراضيه المحتلة، وصون مصالحه الوطنية. لكن وجود خلافات حول تفاصيل المسار التفاوضي لا يلغي أن الحكومة اللبنانية نفسها أعلنت استعدادها للعودة إلى المفاوضات، وأن قرارها بشأن السلاح أصبح جزءًا من موقفها الرسمي.
من هنا، لا يجوز اختزال النقاش في مواجهة بين إيران والولايات المتحدة على أرض لبنان، وكأن اللبنانيين لا يملكون خياراتهم الخاصة. فالدولة اللبنانية ليست مطالبة بالانحياز آليًا إلى أي طرف خارجي، بل بإدارة علاقاتها وفق مصالحها وقرارات مؤسساتها، وبمنع تحويل أراضيها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وينطبق الأمر نفسه على قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، الذي تدعو واشنطن إلى إلغائه أو تعديله. فهذه مسألة تشريعية وسياسية تحتاج إلى نقاش لبناني مؤسسي، ولا يصح اعتبار موقف الدولة من التفاوض موافقة تلقائية على كل تغيير قانوني تطالب به الولايات المتحدة. كما لا يصح اتخاذ الاعتراض على الضغوط الأميركية ذريعة لتجاهل القرارات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية بنفسها بشأن حصرية السلاح.
السيادة لا تتجزأ بين الحلفاء والخصوم
لا تُقاس سيادة لبنان بمدى ابتعاده عن الولايات المتحدة أو قربه من إيران، ولا بقبوله كل مقترح يأتي من الخارج أو رفضه. إنها تُقاس بقدرته على اتخاذ قراراته باستقلالية، وتطبيق قوانينه على الجميع، ومنع أي طرف من احتكار حق تحديد مصير البلاد.
وإذا كانت إسرائيل تمثل مصدر تهديد أمني مباشر للبنان بفعل اعتداءاتها واحتلالها أجزاء من أراضيه، لأسبابٍ تتعلق بـ”سوء تقدير” حزب الله لـ”مغامراته” العسكرية، فإن مواجهة هذا التهديد لا تعني بالضرورة تسليح المجتمع بأسره أو إبقاء القرار العسكري موزعًا بين قوى متعددة. فحماية المواطنين تتطلب دولة قادرة، وجيشًا يضطلع بمسؤولياته، ومؤسسات أمنية وقضائية تعمل وفق القانون، وسياسة خارجية لا تجعل لبنان تابعًا لحسابات أي محور.
كذلك، فإن احترام سيادة لبنان لا يقتصر على مطالبة إسرائيل بوقف اعتداءاتها، ولا على رفض الضغوط الأميركية حين تتعارض مع المصالح اللبنانية؛ بل يشمل أيضًا مطالبة إيران وسائر الدول باحترام حق اللبنانيين في تحديد خياراتهم بأنفسهم.
على هذا الأساس، فإن دعوة مسؤول إيراني إلى تسليح الجميع تضع هذا المبدأ أمام اختبار واضح: هل يُنظر إلى لبنان باعتباره دولة لها مؤسساتها وقراراتها، أم باعتباره ساحة يمكن توجيهها وفق متطلبات المواجهة الإقليمية؟
وفي النهاية، ليس السؤال ما إذا كان لبنان يحتاج إلى حماية نفسه، فهذا حق لا خلاف عليه. السؤال هو من يقرر كيفية هذه الحماية، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها، ومن يملك الكلمة الأخيرة عندما تتعارض الحسابات الخارجية مع قرار الدولة.
فهل يستطيع لبنان أن يستعيد حقه في تقرير مصيره الأمني بعيدًا عن إملاءات الخارج واحتكار الداخل، بحيث يصبح السلاح وقرار الحرب والسلم مسؤولية مؤسساته الشرعية وحدها؟
* إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية مقيمة في واشنطن