الكاتبة وجيدة حافي *
السعودية تخرج من عباءة أمريكا بتحالف جديد مع تركيا وباكستان، خطوة عملية ورسالة واضحة "لترامب" الذي فشل فشلاً ذريعا في حماية الخليج العربي، الصديق وقت الضيق والممول الوحيد لأمريكا وصفقاتها. وطبعا هذا التحالف ما هو إلا نوع من التأمين المتعدد، حيث تُصبح أمريكا طبقة من طبقات الأمن، لكن ليست كلها، وهي فرصة لتنويع الشراكات العسكرية في ظل هذه التهديدات الإقليمية واختلال موازين القوى. فلكل طرف هدف معين يختلف عن الآخر؛ فالسعودية تنطلق من فكرة حماية بنيتها الاقتصادية واستقرار إقليمها مع ضمان أمن الممرات البحرية، عكس تركيا التي تملك ملفات أمنية معقدة ممتدة من سوريا إلى العراق، وباكستان هي الأخرى لها حسابات متعلقة بأفغانستان وإيران والهند والصين.
فمن الآن فصاعداً، ثالوث الردع مستعد للرد على أي هجمات وتهديدات، بجيش سعودي قوي يعتمد على التكنولوجيا الدقيقة والمتطورة، فسلاح الجو السعودي يعتبر الأقوى من بين الدول الثلاث، حيث يعتمد على مقاتلات أمريكية مثل "أف 15 أس أي". أما الجيش التركي، وهو حليف في الناتو، فبإمكانه الحصول على أسلحة متطورة وسريعة، إلا أنه قرر توطين 80 بالمائة من الصناعات الدفاعية داخل البلد. باكستان عندها التكنولوجيا الصينية عبر مشاريع مشتركة وقطع غيار، وهي دولة نووية.
فالرياض وأنقرة وإسلام آباد ليست ثلاث عواصم ذات دفاع قوي فحسب، بل مصالح مشتركة للحد من الفوضى والحفاظ على المصالح. هو اتفاق متنوع، بمعنى أن الدول الثلاث لا تواجه نفس التحديات، وفي الوقت نفسه لا تلغي علاقاتها بأمريكا ولا تنافسها. فالسعودية دون شك ستواصل علاقتها الاستراتيجية مع أمريكا، تركيا ستبقى ضمن التزاماتها الأطلسية، أما باكستان فعلاقتها بأمريكا لن تتأثر. والخاسر الوحيد سيكون آل صهيون الذين عقدوا العزم على تطبيع السعودية وتوسيع اتفاقيات أبراهام، وهذا ما لم يحدث، بل بالعكس السعودية اقتربت من بعدها الإسلامي بوضع اليد مع تركيا وباكستان، واتفقت مع أمريكا على السلاح النووي السلمي، والقضية الفلسطينية التي نتمنى أن تكون أهم موضوع ستحاول الأطراف الثلاث حله، لإقلاق "بيبي" الذي لن يكون مرتاحاً وسيفعل المستحيل لقلب الطاولة عليهم من خلال "ترامب" الذي هو كذلك لن يهدأ له بال، حتى يخلط الحابل بالنابل، ويساهم ولو بالقليل في حرب بين إيران والبلدان الثلاث.
وهنا، وعوض أن نتحالف ضد قوى الشر، فنحن نساعد أمريكا بطريقة غير مباشرة للقضاء على إيران ومحاربتها، ونبقى دائماً في دائرة التبعية وتنفيذ الأوامر على حساب الاستقلال والحرية. فهذا التحالف لو توسع قليلاً، وضم دولاً عربية أخرى وحتى إيران نفسها، لانقلبت حسابات المنطقة رأساً على عقب، ولوجد "ترامب وبيبي" نفسيهما أمام تحالف إقليمي يصعب تجاهله أو كسره، لأن كثيراً من خططهما ستنهار، وإيران التي كانت الطعم الذي يصطاد به بقية الدول ويضغط عليها، ستصبح هذه المرة جزءاً من المعادلة نفسها. لم تعد عدواً وبعبعاً، بل جزءاً من اتفاق وتحالف، ووقتها القضية الفلسطينية ستنتعش، وسنرى كيف أن بيبي سيقبل بكل الشروط.
لكن للأسف يبقى كل هذا مجرد أمنيات لن ترى النور لأسباب كثيرة وأهمها الأنانية وبعدي والطوفان، فبلدان الخليج العربي كلها تعمل لصالحها، والمهم أن الحدود آمنة والهجمات لا تصل لعقر الدار. فاللعبة التي يتم لعبها الآن خطيرة وتستهدف ضرب الدول العربية لبعضها البعض، وهذا التحالف الذي فرح وهلل له الجميع ظاهرياً وأمام الإعلام والكاميرات، قوي وجاء في الوقت المناسب، لكن هل سيبقى ولا يندثر؟ وهل هذه الدول الثلاث ستلتزم بالاتفاقية، وتضرب باكستان وتركيا إيران إذا ما هاجمت السعودية؟
فتركيا مرتبطة بالناتو، ولن تترك الناتو من أجل حماية مصالح السعودية مثلاً، ضف إلى ذلك فأنظمة الحكم في تركيا وباكستان ليست ملكية كما السعودية، أنظمة تُقام على الانتخابات والمعارضة والأحزاب، وممكن جداً أن القادم في تركيا أو باكستان أن يتنصل من الاتفاقية ولا يلتزم بها. لذا فالتحالف الثلاثي السعودي الباكستاني التركي لا يعدو أن يكون تعاوناً مؤقتاً اقتصادياً وتجاريًا وحتى إعلامياً، وسينتهي بمجرد نهاية الأزمة وعودة المياه لمجاريها. فلا دولة ستحمي أخرى، وليس هناك دولة ستخاطر بشعبها وحدودها ومصالحها من أجل عيون الأخرى، والولايات المتحدة الأمريكية خير مثال في هذا، حيث تخلت عن الخليج العربي من أجل مصالحها العليا وحماية آل صهيون.
فالتحالف وإن كان يشكل تطوراً لافتاً في الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، إلا أنه يبقى كغيره من المعاهدات والاتفاقات التي بقيت حبراً على ورق، ولم تُنفذ بنودها لحد الساعة. لذا فلنتريث ولنرى ماذا سيكون على أرض الواقع.
* كاتبة من الجزائر













08/11/2026 - 11:27 AM





Comments