لبنان على مفترق المصير: إمّا الدولة وإمّا أن نخسر الجغرافيا والديمغرافيا

08/11/2026 - 08:33 AM

Arab American Target

 

 


بقلم: فرنسوا الجردي

لبنان والمنطقة يمران اليوم بواحدة من أخطر المراحل في تاريخ "لعبة الأمم" التي لطالما جعلت من هذه البقعة الصغيرة ساحة لتقاطع المصالح والصراعات الإقليمية والدولية. لكن ما يميّز المرحلة الراهنة عن سابقاتها أن المسألة لم تعد مجرّد أزمة سياسية، ولا خلافاً على حكومة أو رئاسة أو قانون انتخاب، ولا حتى صراعاً على النفوذ بين قوى لبنانية. المسألة أصبحت أكبر بكثير. إنها مسألة وجود: وجود لبنان بحدوده وهويته وتركيبته وتعدديته، ووجود مجتمعاته في مناطقها، ووجود الدولة كمرجعية وحيدة، وحق اللبنانيين في أن يقرروا مستقبلهم بأنفسهم بعيداً عن إرادات الخارج وحساباته وحروبه.

لقد وصلنا إلى لحظة لم يعد فيها مسموحاً التعامل مع الواقع بمنطق "لنترك الأمور للوقت". فالوقت، في الأزمات الكبرى، لا يكون دائماً محايداً. أحياناً يعمل ضدك، وأحياناً يكون ما تخسره اليوم من أرض أو سكان أو اقتصاد أو استقرار أو ثقة بالدولة، من الصعب جداً استعادته غداً.

لبنان بلد صغير شديد الحساسية جغرافياً، محاط بتوترات إقليمية هائلة، ولهذا فإن أي قرار يربط جزءاً من أراضيه بصراع إقليمي مفتوح، أو يجعل مناطق لبنانية ساحة مواجهة عسكرية، لا ينعكس فقط على الأمن، بل على مستقبل تلك المناطق. حين يصبح الجنوب عنواناً دائماً للحرب والردود العسكرية والتهديدات المتبادلة، فإن السؤال لا يعود فقط: من انتصر في الجولة العسكرية؟ بل ماذا يحدث للناس الذين يعيشون هناك؟ للمزارع؟ للمدرسة؟ للمصنع؟ للمستشفى؟ للاستثمار؟ وللعائلات التي تفكر في الهجرة؟ وماذا يحدث عندما يصبح الاستقرار استثناءً بينما تصبح الحرب قاعدة؟ فالجغرافيا السياسية تبدأ من الخرائط لكنها تنتهي بالسكان، والأرض التي تخلو من أهلها أو يفقد أهلها القدرة على العيش فيها تصبح أكثر هشاشة أمام كل أشكال التغيير.

الديمغرافيا أيضاً ليست مجرد أرقام، بل مدارس وبلدات وقرى وبيوت وذاكرة وتاريخ واقتصاد وعلاقات اجتماعية وانتماء. وعندما تضطر عائلات إلى ترك مناطقها بصورة متكررة بسبب الحرب أو انعدام الأمن أو الانهيار الاقتصادي، فإن الضرر لا ينتهي بمجرد توقف إطلاق النار. فالهجرة الطويلة تغيّر المجتمعات، والنزوح المتكرر يغيّر طبيعة المدن والقرى، والانهيار الاقتصادي يدفع الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج لبنان. وهنا يجب أن نكون صريحين: لبنان لا يستطيع أن يخسر شبابه وأرضه في الوقت نفسه ثم يتوقع أن يبقى كما كان. حماية الديمغرافيا لا تكون بالشعارات الطائفية ولا بالخوف من الآخر، بل ببناء دولة يستطيع كل لبناني أن يعيش فيها بأمان وكرامة، وأن يشعر أن مستقبله مرتبط بمستقبل لبنان لا بمشروع آخر خارج حدود الدولة.

الجنوب اللبناني يستحق أن يكون منطقة حياة لا خط تماس دائم؛ منطقة زراعة وإنتاج وسياحة واستثمار وتعليم وإعمار. يستحق أهله أن يعيشوا في بيوتهم لا في مراكز النزوح، وأن يزرعوا أرضهم لا أن ينتظروا الجولة العسكرية المقبلة. والطريق إلى ذلك هو السلام والاستقرار وتطبيق سيادة الدولة وحصرية القرار العسكري والأمني بيد المؤسسات الشرعية، من دون أن يعني ذلك الاستسلام أو التنازل عن الحقوق الوطنية، بل أن يكون لبنان قادراً على حماية حقوقه من خلال دولة وجيش وقرار وطني واحد. فلا يمكن لدولة أن تفاوض العالم فيما قرار الحرب والسلم موزع بين أكثر من مرجعية، ولا يمكن أن تطلب دعماً دولياً وهي عاجزة عن تثبيت احتكارها للسلاح والقرار.

المسؤولية اليوم لا تقع على طرف واحد. المطلوب من القوى السياسية والطوائف والأحزاب الالتفاف حول مشروع الدولة ورئيس الجمهورية والمؤسسات الدستورية، والمطلوب من الدولة نفسها إعادة النظر في سياساتها الاستراتيجية. الدولة القوية ليست فقط دولة تنزع السلاح غير الشرعي، بل دولة تبني جيشاً قوياً وقضاءً مستقلاً وإدارة فعالة واقتصاداً منتجاً وسياسة خارجية واضحة وحماية اجتماعية وتعليماً حديثاً وتنمية متوازنة. لا يمكن أن نقول للبناني "سلّم سلاحك للدولة" ثم نتركه بلا حماية أو خدمات أو اقتصاد أو أمل. ولا يمكن أن نطلب من منطقة دفعت ثمناً كبيراً من الحروب أن تثق بالدولة من دون أن ترى حضورها في حياتها اليومية. نزع السلاح وبناء الدولة مساران متلازمان لا متناقضان.

لقد آن الأوان أيضاً لكي تعيد الأحزاب اللبنانية النظر في الكثير من حساباتها. لبنان لم يعد يحتمل أحزاباً تتصرف كأنها دول داخل الدولة، ولا مشاريع سياسية تتغذى من الانقسام الطائفي أو تستمد قوتها من الخارج أو تعتبر أن مصلحة الحزب تتقدم على مصلحة الجمهورية. المطلوب ليس إلغاء الأحزاب بل أن تعود إلى دورها الطبيعي داخل الدولة الديمقراطية: تتنافس على البرامج لا على السلاح، على الاقتصاد لا على النفوذ، على الإصلاح لا على المحاصصة، وعلى بناء المؤسسات لا على تعطيلها.

أما الطوائف، فقد أنتجت الطائفية السياسية معادلة خطيرة: كل طائفة تخاف من الأخرى فتبحث عن حماية خاصة بها، وحين يزداد الخوف يزداد التسلح، وحين يزداد التسلح تضعف الدولة، وحين تضعف الدولة يعود الخوف أقوى. كسر هذه الدائرة يكون بإقناع الجميع بأن الدولة هي الضمانة المشتركة للجميع، الدولة التي تحمي المسيحي من الخوف على وجوده، والشيعي من الخوف على أمنه وحقوقه، والسني والدرزي وكل مكوّن لبناني من أي محاولة للهيمنة أو الإقصاء. عندما تصبح الدولة أقوى من الطائفة يصبح الجميع أكثر أمناً.

رئيس الجمهورية اليوم أمام لحظة تاريخية، فالرئاسة ليست مجرد موقع دستوري بل مسؤولية وطنية كبرى. المطلوب أن يكون رئيساً لكل لبنان، يقود عملية استعادة القرار الوطني بالتدرج وبالحوار وبالشرعية الدستورية بعيداً عن منطق الانتقام أو الإقصاء. فالمعركة ليست بين طائفة وطائفة ولا بين منطقة ومنطقة، بل بين منطق الدولة ومنطق اللادولة، بين لبنان الذي يريد أن يكون دولة مستقلة ولبنان الذي يمكن أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

ولا نريد حرباً أهلية جديدة. الالتفاف حول الدولة لا يعني مواجهة أهلية، ونزع السلاح يجب ألا يتحول إلى مشروع ثأري أو طائفي، بل جزء من مسار وطني يقوم على الحوار والضمانات والعدالة وتطبيق الدستور. فآخر ما يحتاجه لبنان هو انقسام أهلي جديد. لقد دفع اللبنانيون ثمناً هائلاً من الحروب، والدرس الأكبر هو أن لا أحد ينتصر في الحرب الأهلية: قد يربح طرف جولة لكن لبنان كله يخسر.

الخطر اليوم ليس فقط احتمال اندلاع حرب جديدة، بل الاعتياد على الأزمة: أن يصبح السلاح خارج الدولة أمراً طبيعياً، وأن يصبح النزوح والهجرة والانهيار المؤسساتي أموراً طبيعية، وأن يصبح اللبناني مقتنعاً بأن لا مستقبل له في بلده. الدول لا تسقط دائماً بانفجار واحد، بل تتآكل تدريجياً إلى أن يصبح إصلاحها أصعب بكثير مما كان عليه في البداية.

نريد لبنان دولة سيدة ومستقلة، لا يملك قرار الحرب والسلم إلا المؤسسات الدستورية، يكون فيه الجيش والقوى الأمنية المرجعية الوحيدة لحماية اللبنانيين، ولا تكون فيه أي منطقة رهينة لصراع إقليمي، ويكون جنوبه بوابة للسلام لا للحرب، ويعود إليه أبناؤه بدلاً من أن يهرب شبابه منه، ويعيش فيه المسيحي والمسلم جنباً إلى جنب، وتكون فيه الطائفة جزءاً من المجتمع لا بديلاً عن الدولة، وتكون فيه الأحزاب قوية بالديمقراطية لا بالسلاح، ويكون الولاء الأول والأخير للجمهورية.

إنقاذ لبنان مسؤولية الجميع: الدولة، رئيس الجمهورية، الحكومة، مجلس النواب، الجيش والقوى الأمنية، الأحزاب، المرجعيات الروحية، المجتمع المدني، وكل لبناني. نحن أمام لحظة تحتاج إلى شجاعة سياسية استثنائية: شجاعة الاعتراف بأن الصيغ القديمة لم تعد قادرة على حماية لبنان، وأن الاستقواء بالخارج لا يبني دولة، وأن السلاح خارج الدولة لا يمكن أن يكون قاعدة دائمة للجمهورية، وأن الدولة مطالبة بأن تكون عادلة وقوية وقادرة على حماية مواطنيها. فالسيادة قرار، والدولة عقد وطني، والجيش رمز لوحدة الأرض والشعب والقرار.

لبنان أمام خيار تاريخي: إما أن نلتف جميعاً حول مشروع الدولة ونضع خلافاتنا على طاولة الحوار ونعيد بناء المؤسسات ونستعيد القرار الوطني ونحمي الجنوب ونوقف نزيف الهجرة ونطلق عملية إنقاذ شاملة، وإما أن نستمر في إدارة الأزمات بالمسكنات فيما تتغير المنطقة من حولنا بسرعة تفوق قدرتنا على التكيف، فنستيقظ يوماً لنكتشف أن المشكلة لم تعد في شكل النظام السياسي فقط بل في لبنان الذي نعرفه. فالجغرافيا لا تنتظر، والديمغرافيا لا تنتظر، والاقتصاد لا ينتظر، والمنطقة لا تنتظر، والتاريخ لا يرحم الدول التي تتأخر في اتخاذ القرارات المصيرية.

الالتفاف حول الدولة اليوم ليس اصطفافاً سياسياً مع فريق ضد فريق، بل اصطفاف مع بقاء لبنان. نريد دولة تحمي الجميع لا جماعات تحتمي بالسلاح، ونريد جنوباً آمناً يعيش فيه أهله بسلام لا جنوباً يدفع دائماً ثمن حروب الآخرين، ونريد لبناناً لا يكون ساحةً لأحد بل وطناً لأبنائه. فإما أن نبني الدولة الآن بإرادة لبنانية جامعة، وإما أن ندفع غداً ثمناً قد لا يعود لبنان قادراً على تحمّله.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment