اليوم العالمي لمحبي الكتب: الحِمي كتابٌ مفتوح

08/11/2026 - 07:40 AM

Jonathan Amireh

 

 


فاروق غانم خداج *

مرّ اليوم العالمي لمحبي الكتب منذ يومين، فمرّ بي على غير ما تمرّ الأيام. لم أبحث له عن قاعة، ولا عن شمعة، ولا عن دعوة. كان عيدي هنا، بين صخور الحِمي وكهوفه وحقوله؛ في بقعة صغيرة من جبل لبنان، لكنها في النفس أوسع من دنيا.

هنا، حيث يقلّ الكلام، تكثر الأشياء التي لا تتكلم.

تتصل روحي بالكتب اتصالَ الغصن بأصله. أفتح كتابًا فأجد بابًا، وأفتح آخر فأجد طريقًا، وأقلب صفحات كتابٍ ثالث، فأشعر أن كاتبًا عاش منذ قرون، وفي مكان لا أعرفه، كان ينتظرني في آخر الصفحة.

وعلى دفاتر صغيرة، بعضها أكل الزمن أطرافه، دوّنت أسماء وعبارات وأسئلة بقيت معلّقة في الذاكرة. ودوّنت أسماء كتّاب جلسوا إلى جانبي زمن القراءة، ثم مضوا، وبقيت أصواتهم.

لهذا، حين أقول إن الكتاب عيدي، لا أقولها مجازًا.

الكتاب صديق لا يضيق بك. لا يسألك أين كنت، ولا يعاتبك إذا غبت، ولا يطلب منك إلا أن تفتح صفحته. تعود إليه بعد عام، أو بعد أعوام، فتجده في مكانه؛ لكنك أنت لا تعود الشخص نفسه.

الجملة التي قرأتها بالأمس قد تقول لك اليوم شيئًا آخر، لأنك أنت الذي تغيّرت.

كلما اقتربت من الكتاب ازددت به قربًا، وكلما ظننت أنك عرفته، اكتشفت أن فيه ما لم تره.

أما البشر، فليس كل قربٍ منهم يشبه قرب الكتاب. قد نقترب من إنسان فنكتشف فيه ما كنا نؤثر ألّا نعرفه، وقد يكون بعض البعد رحمةً تحفظ للإنسان صورته الجميلة في القلب.

أما الكتاب، فيكشف نفسه ولا يؤذي.

ولم أعد أرى الحِمي مكانًا فقط.

صار كتابًا مفتوحًا.

الصخرة فيه صفحة قديمة، والكهف سطر غامض، والشجرة هامش أخضر، والطريق بين الصخور جملة تمضي بك إلى معنى لم تكن تبحث عنه.

والمطر فصل قصير تكتبه السماء.

لذلك صرت أنثر كتبي في المكان: كتابًا قرب شجرة، وآخر عند نافذة، وثالثًا على طاولة، ورابعًا إلى جانبي حين أجلس لأكتب. وأحيانًا لا أفتح الكتاب أصلًا.

يكفيني أن أراه.

فالكتاب الذي إلى جانبك يذكّرك بأن العالم أكبر من الغرفة التي أنت فيها. وهنا فهمت أن القراءة ليست دائمًا أن تقرأ. أحيانًا يكفي أن تكون بين الكتب.

الصمت قراءة. والنظر إلى شجرة قراءة. والجلوس على صخرة قديمة قراءة. حتى الوحدة، إذا أحسنت صحبتها، يمكن أن تصبح كتابًا لا ينتهي. في المدن، يحتاج المرء إلى أشياء كثيرة كي يشعر بأن العالم قريب منه.

هنا يكفيني كتاب.

أفتحه، فتقترب مدينة لم أزرها، ويجلس إلى جانبي إنسان مات قبل أن أولد، ويتكلم معي كأن بيننا موعدًا قديمًا.

وهذه من أعجب خصال الكتاب: أن يجمع شخصين لم يلتقيا قط، يفصل بينهما زمان ومكان، ثم يضعهما في صفحة واحدة.

رجل عاش قبل قرون، وقارئ يجلس اليوم فوق صخرة في جبل لبنان؛ وبين الاثنين ورقة.

أي صداقة أعجب من هذه؟

أن يحفظ الكتاب صوت من غاب، ثم يأتي به إليك، فتجلس معه كأنه لم يرحل.

ولعلني أحببت الكتب أكثر كلما تقدّم بي العمر.

في الصغر كنا نبحث فيها عن المعرفة، ثم اكتشفنا بعد حين أنها كانت تبحث فينا عن إنسان آخر.

ليس أعظم ما في الكتاب أنه يزيد معلوماتنا، بل أنه يغيّر أعيننا.

كتاب قديم أفتحه بعد سنوات، فأجد الكلمات نفسها، لكنني لا أجدني كما كنت.

الكلمات لم تتبدل.

أنا الذي تبدلت.

وهنا سر القراءة: لا نقرأ الكتب وحدها؛ نقرأ أنفسنا بينها.

نعيش في عالم كثير الأصوات.

الشاشة تتكلم، والخبر يتكلم، والإعلان يتكلم، والناس يتكلمون، حتى صار الصمت نفسه يحتاج إلى مكان.

والكتاب لا يرفع صوته.

يقول لك فقط:

اجلس.

ثم يتركك وحدك معه.

ولذلك أحببته.

لا يكفي الكتاب يومًا واحدًا.

قد يكون التاسع من أغسطس يومًا عالميًا لمحبي الكتب، أما عيدي أنا، فكل صباح أفتح فيه كتابًا، وكل مساء أدوّن فيه فكرة، وكل مرة أبحث فيها عن مرجع أو حكاية أو اسم كاتب.

كل صفحة عيد صغير.

وكل كتاب أضعه هنا في الحِمي كأنني أقول للمكان:

لسنا وحدنا.

هذه الضيعة صغيرة إذا قستها بالمساحة، واسعة في داخلي. لها دروبها وصخورها وكهوفها وحقولها؛ وكل شيء فيها يعلّمني أن الجميل لا يأتي دفعة واحدة، وأن الأشياء التي نحبها تحتاج إلى صبر ورعاية.

وفي وسط هذه الدنيا الصغيرة وجدت عالمي الأكبر:

كتابًا، وقلمًا، ودفترًا، ومساحة من الصمت.

أجمل ما في الكتاب أنه لا يسأل أين تقرأه.

في مكتبة عظيمة، أو غرفة صغيرة، أو تحت شجرة، أو فوق صخرة في جبل لبنان.

المكان لا يهم.

المهم أن تجد في الكتاب المكان الذي تتنفس فيه روحك.

وقد وجدت مكاني هنا.

بين الصخور والكتب.

بعيدًا قليلًا عن الناس، قريبًا جدًا من نفسي.

لذلك، حين مرّ اليوم العالمي لمحبي الكتب قبل يومين، لم أشعر أنه يوم عابر في تقويم العالم.

شعرت أنه تذكير بما أعرفه منذ زمن:

أن الإنسان، مهما خسر، يبقى غنيًا ما دام له كتاب.

وأن الوحدة ليست دائمًا فراغًا؛ قد تكون مكتبة بلا جدران.

وأن المكان الصغير قد يصبح وطنًا.

وأن الكتاب القديم قد يصبح صديقًا.

وأن أجمل الأعياد ربما كانت تلك التي لا يسمع بها أحد.

عيدي هنا.

في هذا الحِمي الصغير.

كل صخرة فيه صفحة، وكل كهف فصل، وكل شجرة علامة، وكل دفتر ذاكرة، وكل كتاب نافذة. وحين أفتح كتابًا هنا، لا أشعر أنني ابتعدت عن العالم. أشعر أن العالم كلّه اقترب. فيجلس إلى جانبي.

 

* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment