مخاوف لبنانية مبررة من المواجهة المفتوحة بين واشنطن وتل أبيب بشكل اقل حدة من تلك القائمة بين واشنطن وطهران. زمر ذلك الى شرط اسرائيلي تبلغته واشنطن بضرورة تدمير منشآت علي الطاهر قبل وقف النارّ ايا كان الثمن؟
الجمهورية - جورج شاهين
على وقع الشروط المتبادلة بين واشنطن وكل من طهران وتل أبيب، يتعزّز المأزق الذي تعيشه المفاوضات على مسار "إسلام آباد"، إن كان ما زال قائماً، بعد أن فشلت عواصم داعمة سعت معها إلى المخرج الملائم. كما على مسار "واشنطن - روما"، وما يعيشه الوفد اللبناني المفاوض من قلق يساوره عند إحصائه الخناجر التي تطعنه من الداخل والخارج، في مقابل "النشوة" التي يُعبّر عنها "الثنائي الشيعي" كلّما توقّع مؤشراً يُهدِّد هذا المسار. وعليه، هذه بعض المؤشرات إلى هذه المعادلة المعقّدة.
توقفت مراجع ديبلوماسية وسياسية أمام هذه المعادلة بكثير من الدقّة والتعمُّق في رؤيتها للمعادلات الجديدة، التي رسمتها ودلّت إليها المواقف المتصلّبة التي صدرت في الأيام الأخيرة الماضية من واشنطن وطهران وتل أبيب والدوحة ومسقط وبيروت، ولا سيما منها تلك التي رافقت النتائج المتواضعة التي أسفرت عنها "طاولة روما 2" في إطار المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، والمواقف التي نعت المساعي القطرية والباكستانية والعمانية الهادفة إلى فتح مضيق هرمز بالشروط القانونية الدولية، عدا عن تلك التي رافقت ولادة ما سُمِّي "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" المتعدِّدة الأطراف، التي أبرمها، في 7 آب في قصر الصفا بمكّة المكرّمة، وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيّب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في حلف دفاعي وأمني متعدِّد الأهداف، طالما أنّه يمكن احتسابها بوجه إيران وإسرائيل معاً.
وأوردت هذه المصادر، أنّ هذه التطوُّرات والمواقف، بما كُشِف منها إلى العلن، وما لا يزال ملكاً للصالونات المقفلة والرسائل السرّية المتبادلة، أوحت بوجود مواجهة لا تخلو في جوانب عدة منها من القساوة على أكثر من مستوى. وإن كانت حدّتها طبيعية وخالية من أي مفاجأة بين واشنطن وطهران، فإنّ ما هو حاصل من توتر بين واشنطن وتل أبيب، ولو بمنزلة أخف نتيجة تبادل رسائل التحذير من الأولى تجاه ما تقوم به الثانية في لبنان وغزة وسوريا والردّ الرافض لها من الثانية. وهو ما وضع إدارة الرئيس دونالد ترامب في مواجهة مزدوجة مع القيادتَين الإيرانية والإسرائيلية في آنٍ. وإنّ معالمهما بدأت بالظهور في كثير من المحطات وفق بعض المؤشرات والدلائل، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- على مستوى المواجهة بين طهران وواشنطن، لم يكن هناك ما هو مخفي من مظاهر التوتر واحتمال العودة إلى الحرب في مضيق هرمز أو على أي جبهة مفتوحة مع إيران ودول الجوار الخليجي التي تتعرَّض لقصفها. ذلك أنّ مسلسل الشروط الأميركية على طهران لم ينتهِ بعد، وهي ترد بما يوازيها تعقيداً، لتبقى احتمالات الرفض سائدة، وهو ما قد يؤدّي إلى تجدُّد الحرب في أي لحظة، بعد أن ربطت واشنطن قرار فك الحصار بإعادة الحركة إلى ما كانت عليه في مضيق هرمز قبل 28 شباط. وفي الوقت الذي رجَّحت غياب المرشد الجديد لأسباب تتصل بوضعه الصحي، باشرت وسائل الإعلام الإيرانية بالردّ المبرمج عليها بتسريبات بدأت بالحديث عن لقاء بينه وبين الرئيس مسعود بزشكيان، قبل أن تُعمِّم أفلاماً مصوَّرة للحظات مع زواره وكشف تعيينات لِمَن يمثله في "المجلس الأعلى للأمن القومي" ومواقع استشارية.
- أمّا على مستوى المواجهة الأميركية مع تل أبيب، فقد بدأت بالظهور بطريقة متقطعة منذ اللقاء الأخير الذي جمع ترامب ونتنياهو بما لم تنتهِ إليه من مظاهر القمة العادية. فلا بيان مشتركاً ولا صورة إلى ما كان يرافق أي لقاء مماثل. وما زاد في الطين بلّة، ما انتهت إليه زيارة قائد المنطقة الوسطى الأميركية "سنتكوم" الأدميرال براد كوبر لتل أبيب في عطلة نهاية الأسبوع، بعدما كشفت "القناة 13" الأقرب إلى الجيش، بأنّ كوبر طلب من إسرائيل وقف التوغلات، والانسحاب من مناطق في سوريا وغزة ولبنان، في ظل رفض إسرائيلي كرَّره أكثر من مسؤول عسكري وسياسي. لا بل قدّموا نموذجاً خطيراً يُهدِّد مفاوضات روما، بنشرها خريطة ضمّت أراضي لبنانية محتلة، في عملية استفزّت لبنان الرسمي قبل "الثنائي الشيعي"، بعدما طالب الرئيس جوزاف عون واشنطن بالتدخّل الفوري، وكان له ما أراد، فسُحِبت الخريطة من التداول. فيما لا تزال تل أبيب ترفض وقف أعمال التجريف والتفجير للقرى الجنوبية. عدا عن مطالبتها باستكمال احتلال علي الطاهر وإخلائها من الخبراء الإيرانيّين واللبنانيّين كما تدّعي، وقد كشف نتنياهو عن عملية استثنائية أدّت إلى إلقاء القبض على "إرهابيّين" فيها، تزامناً مع تقرير تحدّث عن استكشاف أنفاقها بروبوتات ضخّت السموم فيها.
وإلى هذه الملاحظات، ومثيلاتها من المؤشرات السلبية، تنتهي المراجع الديبلوماسية والسياسية إلى خلاصة واضحة، تؤكّد أنّ ما يشكّل الخطر الإضافي أن يبقى لبنان بين "شاقوفَي" المواجهة الأميركية - الإيرانية على ساحة لبنان ونظيرتها الأميركية - الإسرائيلية، بما يؤكّده تمادي تل أبيب بالإعتداء على مواقع الجيش، وأعمال التجريف والتدمير في الجنوب بما يعزّز مواقف "الثنائي الشيعي" ومعه القلائل الذين يشكّكون بالمفاوضات المباشرة، وصولاً إلى إسقاط أي مسعى لقيام الدولة وتعزيز السلطة الشرعية لصالح قوى الأمر الواقع التي تسعى لبقائها، والاحتفاظ بسلاح غير شرعي فَقدَ كل أدواره ما عدا تلك التي يريدها "حلف إسرائيلي - إيراني" التقيا على التهديد والسعي إلى فتنة داخلية، لتحتفظ طهران بـ"موطئ قدم"، لا يمكن الاحتفاظ به، إن نجحت السلطة الشرعية في احتكار السلاح، ووقف ما انتهى إليه غير الشرعي من تدمير لبنان بعد غزة واليمن وما بينهما في سوريا والعراق، وأحيا أمل السيطرة الإسرائيلية على محيطها وصولاً إلى عمق الخليجَين العربي والفارسي.













08/11/2026 - 07:31 AM





Comments