بيار مارون *
أقرّ مجلس النواب اللبناني اليوم إلغاء عقوبة الإعدام، واستبدالها بعقوبات مؤبدة ومشددة. القانون مرّ بالأغلبية، وسط اعتراض كتل نيابية ربطت موقفها بمخاوف من قوانين العفو العام وتخفيف العقوبات. محاسبة صارمة على أخطر الجرائم لا تزال قائمة - ما تغيّر هو شكل العقوبة، لا وجودها.
من يعترض على هذا القانون له حجة يمكن تفهّمها. الإعدام، في نظر كثيرين، هو الطريقة الوحيدة لإنصاف ضحايا جرائم بشعة - إرهاب، اغتيالات سياسية، تجسس، قتل عمد مع سبق الإصرار. هذه ليست حجة سطحية، ولا ينبغي التعامل معها كذلك.
أنا مع الإلغاء. ليس لأنني أستهين بحق الضحايا، بل لأن العدالة عندي شيء غير الانتقام. السؤال الأخلاقي بسيط رغم ثقله: هل تملك الدولة، حتى بعد محاكمة وإدانة، سلطة إنهاء حياة إنسان؟ جوابي لا. الدولة لا تتنازل عن واجبها الأخلاقي حين تتعامل مع مجرم - العكس هو الصحيح، فمسؤوليتها عن احترام حرمة الحياة تكبر كلما اشتدت العقوبة التي تفرضها.
وهناك سبب آخر، عملي بحت: القضاء بشر، والبشر يخطئون. شاهد يكذب. اعتراف يُنتزع تحت الضغط. دليل يُساء تفسيره. محاكمة تجري من دون ضمانات كافية. وأحياناً، بعد سنوات، تظهر أدلة جديدة تقلب الحكم رأساً على عقب. السجن المؤبد قاسٍ، لكنه يترك باباً مفتوحاً. لو ظهرت براءة المحكوم بعد عشر سنوات، يمكن إطلاقه، يمكن تعويضه، يمكن أن يعيش بقية حياته. الإعدام لا يترك شيئاً. لا استئناف، لا اعتذار، لا تعويض يعيد لإنسان حياته أعدمته الدولة باسم القانون.
وهذه ليست خشية افتراضية. في بريطانيا، أُعدم تيموثي إيفانز شنقاً عام 1950 بتهمة قتل ابنته. بعد ثلاث سنوات، تبيّن أن جاره جون كريستي هو القاتل الحقيقي - وكان قد واصل القتل بعد إعدام إيفانز. نال إيفانز عفواً بعد وفاته عام 1966. لا العفو، ولا الاعتراف المتأخر بالخطأ، أعاد له حياته.
قد يقول قائل: لكن السجن المؤبد في لبنان لا يعني مؤبداً حقيقياً. نعرف كيف تُختصر الأحكام، وكيف يخرج محكومون بعفو عام أو تخفيف عقوبة، خصوصاً في جرائم تمسّ أمن الدولة. هذه خشية حقيقية، وسمعتها من أكثر من شخص متابع لملفات كهذه - لا أريد التقليل منها.
لكن هنا بالضبط تكمن المفارقة: إذا كنا لا نثق بمنظومة العقوبات إلى درجة الخوف من خروج محكوم قبل الأوان، فكيف نثق بالمنظومة نفسها حين تصدر حكماً لا رجعة فيه؟ ضعف الدولة لا يُعالَج بإعطائها سلطة القتل. يُعالَج بإصلاح المنظومة التي تُضعفها.
فالحل ليس الإبقاء على الإعدام تحسّباً لثغرات قانونية قائمة، بل سدّ هذه الثغرات مباشرة: استثناءات صريحة للجرائم الأشد خطورة، وضمانات قضائية صارمة على أي تخفيض للعقوبة أو إفراج مبكر. لا نختار عقوبة نهائية بسبب خلل يمكن إصلاحه.
فالعقوبة العادلة ليست تلك التي تُنهي حياة الجاني، بل تلك التي تُظهر أن الدولة أقوى من الغضب، وأقدر على المحاسبة من دون أن تمنح نفسها حقّاً لا رجعة فيه. للضحايا وعائلاتهم كل الحق في المطالبة بالإنصاف. وعلى الدولة واجب حماية المجتمع ومحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم بحزم، من دون تهاون.
يمكننا أن نكون صارمين مع الجريمة، ومنحازين للضحايا، وحازمين في حماية المجتمع - من دون أن نجعل الموت عقوبة تصدر باسم الدولة. إلغاء الإعدام ليس إلغاءً للعقاب. هو اختيار للعدالة، من دون قتل.
* باحث ومحلل استراتيجي
رئيس منظمة دروع لبنان الموحد (SOUL)













08/11/2026 - 10:31 AM





Comments