رشيد ج. مينا
طرابلس الثورة، قلعة المسلمين، مدينة العلم والعلماء، الفيحاء، المدينة الاقتصادية، طرابلس الكبرى، عاصمة الشمال، عاصمة لبنان الثانية، طرابلس الشام... مسميات كثيرة تختلط فيها الذاكرة بالتاريخ، ويتقاطع فيها ما كانت عليه المدينة، وما يجب أن تكون عليه، مع ما آلت إليه في حاضرها.
والحديث عن طرابلس ليس جديدًا عليّ، فأنا ابن هذه المدينة، فيها ولدت وترعرعت، وخضت غمار حراكها وركودها، وكنت شاهدًا مباشرًا على أحداثها ومسارها على مدى عقود، إلى جانب ما قرأته عنها وما التقطته أذناي من أحاديث أبنائها، ومن أحبها وحرص عليها، كما ممن خاصمها أو حقد عليها أو نظر إليها بعين الحسد والريبة.
لكنني أتوقف اليوم عند ما يدور في حاضرها من نقاشات ومواقف ومحاولات للنهوض أو التصحيح، في وقت ما زالت فيه غارقة في الفقر والتجهيل والإهمال والحرمان، وتفتقد إلى أبسط المقومات التي يفترض أن تتوافر في مدينة تحمل كل هذه الألقاب والتسميات.
وفي كل مرحلة يعود الجدل نفسه: من المسؤول عن أوضاع طرابلس؟ الدولة؟ السلطة المحلية؟ النواب؟ القيادات السياسية؟ جمعيات المجتمع المدني، وما أكثرها عددًا وما أقل أثر كثير منها؟ ثم ينتقل النقاش إلى ترييف المدينة، أو إلى كلمة الجلالة، أو إلى تسمية «قلعة المسلمين»، أو إلى التغيير الديمغرافي، أو إلى نزوح أهل المدينة نحو محيطها أو الخارج، أو إلى انتقال أبناء الريف القريب والبعيد إليها، أو إلى النزوح السوري وما فرضه من وقائع جديدة.
ويُستهلك الكثير من الكلام في المفاضلة بين الريف والمدينة، وبين من هو ابن طرابلس ومن وفد إليها، وكأن هذه المسائل هي جوهر المشكلة. لكنها ليست كذلك.
فالمدينة التي عاشت عقودًا من غياب الدولة، وضعف السلطات المحلية، وتعثر المشاريع، واتساع رقعة الفقر، وتراجع التعليم، وتفشي البطالة، وارتفاع نسب التسرب المدرسي، وانتشار الإدمان والعنف والفوضى، لا يمكن اختزال أزمتها في شعار أو تسمية أو تغير ديمغرافي.
المشكلة أعمق بكثير.
طرابلس لم تكن بلا ممثلين في الدولة. فقد وصل العديد من أبنائها إلى رئاسة الحكومة والوزارات والنيابة ومراكز القرار، وفي إحدى المراحل كان لها رئيس حكومة وخمسة وزراء، ومع ذلك لم يُبنَ مشروع تنموي متراكم للمدينة، ولم تتحول هذه المواقع إلى قوة فعلية تعيد إليها دورها الاقتصادي والاجتماعي. وهنا تظهر المفارقة الحقيقية: التمثيل السياسي شيء، وامتلاك مشروع للمدينة شيء آخر.
فأين يكمن الخلل؟ هل هو في غياب الإرادة؟ أم في الارتهان لمنظومات السلطة؟ أم في تحكم المصالح والرأسمال السياسي بمفاصل المدينة من دون أن يتحول ذلك إلى مسؤولية تجاه أهلها؟ أم في دولة عميقة وكارتيلات ومصالح تعطل كل مشروع جدي للنهوض؟ ربما في كل ذلك معًا.
لكن الأكيد أن معالجة مشكلات طرابلس لا تكون بالتصدي للنتائج وحدها، بل بمعالجة الأسباب التي أنتجتها. ولا يمكن أن نطلب من مجتمع عاش لعقود تحت وطأة الفقر والحرمان وغياب العدالة وضعف القانون أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى مجتمع منضبط واعٍ متوازن.
ولا يمكن أن نكتفي بمطالبة الناس باحترام الدولة وهم لم يعيشوا دولة فعلية، أو بالقانون وهم لم يعرفوا عدالة متساوية، أو بالمسؤولية الفردية فيما البيئة كلها تعيد إنتاج الفوضى والاتكالية واليأس. لكن فهم الأسباب لا يعني تبرير الفوضى، ولا يعني القبول بالفلتان أو الجريمة تحت عناوين الفقر والحاجة. بل يعني أن تطبيق القانون يجب أن يكون جزءًا من معالجة شاملة، لا بديلًا عنها.
فالقانون من دون عدالة يتحول إلى أداة قمع، والعدالة من دون فرص لا تكفي، وفرص العمل من دون تعليم لا تصنع نهوضًا، والتنمية من دون إدارة محلية فاعلة ورقابة وشفافية تبقى شعارات.
طرابلس تحتاج إلى مشروع متكامل.
تحتاج إلى إعادة إحياء مرافقها الاقتصادية، وتأمين فرص العمل، وتفعيل سلطتها المحلية، وتعديل القوانين بما يمنحها القدرة على القيام بمسؤولياتها، وتأمين الموارد المالية اللازمة، وتعزيز الرقابة والشفافية، وتطوير التعليم، ومعالجة التسرب المدرسي، ومواجهة الفقر والحرمان، وإعادة بناء الوعي بالمواطنة والدولة والقانون. وتحتاج أيضًا إلى قيادات شعبية فاعلة، لا إلى زعامات موسمية تستحضر حاجات الناس عند الانتخابات ثم تغيب بعدها، ولا إلى من يستخدم فقر المدينة وأزماتها سُلّمًا إلى المواقع والنفوذ.
طرابلس لا تحتاج إلى من يعيد تعريفها. فهي ليست بحاجة إلى إثبات وطنيتها، ولا عروبتها، ولا إسلامها، ولا رسالتها في العيش المشترك.
مساجدها وكنائسها ومعاهدها ومدارسها وأسواقها وتاريخها تشهد على ذلك.
وإسلام طرابلس الذي نعتز به ليس شعارًا لإقصاء الآخر، بل هو في جوهره مكارم الأخلاق والفضيلة والرحمة واحترام الإنسان.
وعروبتها ليست انغلاقًا، بل انتماء حضاري وثقافي وتاريخي.
ووطنيتها اللبنانية ليست موضع اختبار.
المشكلة ليست في هوية طرابلس، بل في غياب المشروع الذي يعيد لهذه الهوية مضمونها الحي.
طرابلس التي نفتخر بالانتماء إليها لا تحتاج إلى مزيد من الألقاب، بل إلى أن يصبح واقعها على قدر تاريخها.
لا تحتاج إلى مزيد من الجدل حول من جاء إليها ومن غادرها، بل إلى اقتصاد يستوعب أبناءها، وتعليم يحمي شبابها، ودولة تصون حقوقها، وسلطة محلية قادرة، وقيادات تحمل مشروعًا لا مجرد طموح شخصي.
ولا تحتاج إلى من يجمّل صورتها بالكلمات، بل إلى من يعالج أسباب تراجعها بالفعل.
طرابلس تستحق الأفضل.
تستحق رعاية كاملة من الدولة، وتستحق من أبنائها وقياداتها أن يتحركوا بعيدًا عن التبعية، وبعيدًا عن الصراعات التي لا تخدم مصلحتها، وبعيدًا عن النقاشات التي تستهلك الوقت ولا تغير الواقع.
فالحاجة اليوم ليست إلى مزيد من توصيف المأساة، بل إلى مشروع للحاضر والمستقبل.
ولعل البداية تكون من الاعتراف بأن أزمة طرابلس ليست في أبنائها، ولا في ألقابها، ولا في هويتها، بل في منظومة طويلة من الإهمال والتهميش وسوء الإدارة وغياب الرؤية.
وإذا أردنا لها أن تنهض، فعلينا أن ننتقل من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن الكلام عن المدينة إلى العمل لها، ومن التفاخر بتاريخها إلى صناعة مستقبل يليق بهذا التاريخ.
فطرابلس لا ينقصها التاريخ، ولا الهوية، ولا الألقاب... ما ينقصها أن يصبح حاضرها جديرًا بتاريخها، ومستقبلها جديرًا بأبنائها.











08/11/2026 - 08:15 AM





Comments