لبنان يرفع مسبحته إلى السماء… مشروع روحي تاريخي يعيد للبقاع مجده ويضع الوطن على خريطة الحج العالمية

08/04/2026 - 12:45 PM

San diego

 

تحقيق من اعداد الخوري الدكتور نبيل مونس

في لحظةٍ يحتاج فيها اللبنانيون إلى ما يعيد إليهم يقينهم بأن هذا الوطن ما زال قادراً على النهوض رغم كل ما يحيط به من ظلام، يطلّ مشروع روحي غير مسبوق من قلب سهل البقاع، مشروع يحمل في جوهره رسالة إيمان عميقة تقول إن الأرض التي باركتها القداسة منذ قرون لا تزال تنبض بالرجاء.

على تلال دير الأحمر، حيث تتداخل ذاكرة القديسين مع صمت الطبيعة، يرتفع اليوم واحد من أضخم المشاريع الدينية في تاريخ لبنان: أكبر مسبحة في العالم، في مبادرة تجمع بين الإيمان المسيحي الماروني، والرمزية اللاهوتية، والهندسة المعمارية الحديثة، لتصنع مساراً حجّياً جديداً يفتح الباب أمام ولادة وجهة روحية عالمية. هذا التحقيق الذي تنشره بيروت تايمز يسلّط الضوء على مشروع يتجاوز حدود البناء ليصبح حدثاً روحياً-وطنياً يعيد رسم هوية البقاع ويمنح لبنان مساحة جديدة للصلاة والتأمل والتلاقي بين المؤمنين من مختلف الطوائف.

منذ اللحظة الأولى، يبدو واضحاً أن المشروع لا يشبه أي مبادرة دينية أخرى في المنطقة. فهو يمتد على مسافة تقارب 600 متر، ويتألف من 59 خرزة خرسانية عملاقة، أعيد تخيّلها على نطاق هندسي ضخم يعكس المسبحة المريمية التقليدية التي تشكّل جزءاً أساسياً من الروحانية المسيحية. كل خرزة، بطول خمسة أمتار وعرض ثلاثة ونصف، ليست مجرد عنصر معماري، بل فضاء روحي مستقل، يسمح للزائر بالدخول إليه وقضاء لحظات من الصلاة الفردية أو التأمل الصامت. هكذا يتحوّل المسار الحجّي إلى رحلة روحية متدرجة، ينتقل فيها المؤمن من خرزة إلى أخرى كما لو أنه يتلو صلواته خطوة خطوة، في انسجام بين الحركة الجسدية والبعد الروحي للصلاة.

وتكتسب بعض الخرَزات وظائف خاصة تعمّق البعد اللاهوتي للمشروع. فـ"مسبحة الأبانا" خُصّصت لتكون مكاناً للاعتراف، في خطوة تعيد إحياء سرّ المصالحة في فضاء مفتوح على الطبيعة، بعيداً عن جدران الكنائس التقليدية. أما "مسبحة السلام"، فستضمّ أضرحة صغيرة لقديسين من مختلف العصور، مع معلومات عن حياتهم وإسهاماتهم في المسيحية، ما يجعل المسار أشبه بـ"متحف روحي" في الهواء الطلق، يقدّم للزائر تجربة تعليمية-إيمانية متكاملة. وتختتم الرحلة عند صليب القيامة، وهو معلم ضخم سيشكّل النقطة المركزية للمجمع، حيث يُقام أسفله مدرج مفتوح لاستضافة الاحتفالات الليتورجية والصلوات الجماعية والفعاليات الروحية والمجتمعية، في مساحة تجمع بين الإيمان والهوية واللقاء.

ولا يقتصر المشروع على البعد الروحي فحسب، بل يحمل أيضاً بعداً بصرياً لافتاً سيحوّله إلى معلم بارز في المشهد اللبناني. فبحسب القائمين عليه، ستُضاء الخرَزات الـ59 ليلاً بنظام إضاءة ضخم يجعل المسبحة مرئية من الأرض والجو، فتتحول التلال إلى خط نوراني يمتد على طول المسار، ما يمنح المنطقة هوية بصرية جديدة ويجعل المسبحة رمزاً حديثاً للتراث المسيحي في البقاع. هذا المشهد الليلي المتوقع سيعيد إلى الأذهان رمزية الأماكن المقدسة التي تُرى من بعيد، مثل تمثال المسيح في حريصا أو المزارات الكبرى في أوروبا وأميركا اللاتينية، لكنه هنا يأخذ شكلاً لبنانياً خالصاً، نابعاً من الأرض التي حملت تاريخاً طويلاً من الإيمان والصمود.

ورغم أن المشروع يبدو اليوم في مرحلة متقدمة من التنفيذ، فإن جذوره تعود إلى عام 2006، حين عاد شاب لبناني من زيارة لمزار مديوغوريه المريمي في أوروبا، حاملاً فكرة بناء مسبحة عملاقة في بلده. بعد عامين فقط، بدأت الأعمال على أرض تابعة للرهبنة المارونية اللبنانية، وبتمويل كامل من تبرعات خاصة تجاوزت 13 مليون دولار أميركي، في خطوة تعكس ثقة المجتمع بالمشروع ورغبة واسعة في إنشاء مساحة دائمة للصلاة والتعايش والحوار بين الطوائف. هذا التمويل الشعبي يقدّم دليلاً على أن المبادرة ليست مجرد قرار هندسي أو مشروع سياحي، بل حركة روحية-اجتماعية تتجاوز حدود الطائفة الواحدة، وتؤكد أن الإيمان لا يزال قادراً على جمع اللبنانيين حول فكرة مشتركة.

ويؤكد القائمون على المشروع أن الهدف الأساسي يتجاوز إنشاء معلم ديني ضخم، ليصل إلى تعزيز مكانة لبنان كوجهة حج عالمية. فالمسبحة، بحجمها ورمزيتها وموقعها، قد تصبح نقطة مرجعية للحجاج من مختلف الدول، تضاهي أشهر المزارات المريمية في العالم، مثل لورد في فرنسا أو فاطيما في البرتغال أو مديوغوريه في البوسنة والهرسك. وإذا تحقق ذلك، فإن لبنان سيضيف إلى إرثه الروحي معلمًا جديدًا يعيد رسم خريطة السياحة الدينية في الشرق الأوسط، ويمنح البقاع دوراً جديداً يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.

لكن البعد السياسي-الاجتماعي للمشروع لا يمكن تجاهله. ففي بلد يعاني من انقسامات حادة وأزمات متلاحقة، يقدّم هذا المشروع نموذجاً عن الاستثمار الديني غير الحزبي، وعن قدرة المجتمع على إنتاج مبادرات روحية-وطنية لا تخضع للانقسام السياسي. كما يعيد تثبيت حضور البقاع المسيحي كمنطقة ذات تأثير روحي وثقافي، ويمنحها فرصة اقتصادية جديدة من خلال السياحة الدينية التي قد تنعش المنطقة وتعيد إليها الحركة بعد سنوات من الإهمال.

إن مشروع المسبحة العملاقة ليس مجرد بناء، بل هو رسالة إيمان تقول إن لبنان، رغم جراحه، ما زال قادراً على أن يكون أرضاً للرجاء. هو مشروع يعيد إلى البقاع دوره التاريخي كقلب للإيمان الماروني، ويقدّم للشرق الأوسط معلمًا روحيًا جديدًا يحمل توقيع لبنان بكل ما فيه من تنوّع وقداسة وصمود. ومع تقدّم الأعمال، يبدو أن هذا المزار سيصبح قريباً أحد أبرز المعالم الدينية في المنطقة، وفضاءً مفتوحاً للصلاة والتأمل واللقاء، ورسالة تقول إن الإيمان لا يزال قادراً على بناء ما تعجز السياسة عن تحقيقه.

وستواصل بيروت تايمز متابعة هذا المشروع خطوة بخطوة، لما يحمله من أهمية روحية ووطنية وثقافية، ولما يمثّله من بارقة أمل في زمن يحتاج فيه اللبنانيون إلى ما يعيد إليهم ثقتهم بأن هذا الوطن، مهما اشتدت عليه العواصف، يبقى أرضاً مقدّسة تستحق الحياة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment