بيروت تايمز - تحقيق صحفي من اعداد منى ابراهيم
في زمنٍ تتكاثر فيه الألقاب وتعلو فيه الضوضاء السياسية على صوت الإنسان الحقيقي، يبرز الأستاذ فرنسوا طانيوس الجردي، مدير المعهد الفني الصناعي، التابع لوزارة التربية الوطنية اللبنانية، بوصفه نموذجًا مختلفًا؛ رجلٌ اختار أن يعرّف نفسه بما قدّمه لعائلته ومجتمعه، لا بما تحمله المناصب من بروتوكولات وشكليات أو مظاهر فارغة.
خلف مسيرته المهنية الطويلة يقف إنسان تربّى في كنف عائلة لبنانية بسيطة ومحافظة، حمل منها حب العلم واحترام الوطن وقيمة العمل الشريف. ومع زوجته ريتا عبد الملك، بنى بيتًا يقوم على الاستقامة والإيمان والصدق، وأنشأ أسرة جعلها امتدادًا لقيمه ومبادئه. أنعم الله عليهما بثلاثة أبناء: جاد ورواد وفراس، حرص الوالدان على أن ينالوا أفضل تعليم وتربية، فكانوا جميعًا من أصحاب الشهادات العليا في مجالات الكومبيوتر، والبرمجة، وإدارة الأعمال، والمال.
ما يفاخر به الجردي ليس منصبًا ولا لقبًا، بل قدرته على أن يعيش قناعاته بصدق، وأن يربّي أولاده على أن النزاهة هي رأس مال الإنسان الحقيقي، وأن خدمة المجتمع تبدأ من البيت، وتمتد إلى المدرسة، وتكبر مع كل طالب يجد في العلم طريقًا لمستقبل أفضل.
وفي هذا التحقيق الخاص لـ بيروت تايمز، يفتح الجردي قلبه قبل ملفاته، متحدثًا عن تجربته الشخصية، رؤيته للتعليم المهني، مخاوفه على مستقبل الشباب، وإيمانه بأن لبنان لا يزال قادرًا على النهوض إذا عاد إلى مشروع الدولة والمؤسسات. حديثه ليس تنظيرًا سياسيًا، بل شهادة رجل عاش الأزمات وواجهها بالإصرار، مؤمنًا بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الوحيد لإنقاذ الوطن.
والى اللقاء الشيق:
■ من هو فرنسوا طانيوس الجردي كما يعرّف نفسه بعيداً عن الألقاب والمناصب؟
أنا فرنسوا طانيوس الجردي. أنتمي إلى عائلة لبنانية بسيطة ومحافظة، تعلمت فيها أول الدروس: حب العلم، واحترام الوطن، وقيمة العمل.
تزوجت من شريكة حياتي ريتا عبد الملك، ومعاً حملنا مسؤولية بناء بيت قائم على الاستقامة والصدق ومخافة الله. أنعم الله علينا بثلاثة أبناء: جاد ورواد وفراس. كان همنا الأساسي أن نؤمن لهم تعليماً جيداً وتربية سليمة. اليوم، بفضل الله ثم بجهدهم، هم جميعاً من أصحاب الشهادات العليا في مجالات الكومبيوتر والبرمجة وإدارة الأعمال والمال.
ما أفخر به ليس منصباً ولا لقباً، بل أنني لبناني أحب بلده، وأنني تمكنت مع عائلتي أن نعيش بقناعة، ونربّي أولادنا على أن النزاهة هي رأسمال الإنسان الحقيقي.

الاستاذ فرنسوا الجردي مع وزير التربية الاسبق الياس ابو صعب وبعض المستشارين
■ كيف أثّرت الأزمات السياسية المتلاحقة على قطاع التعليم المهني في لبنان؟
لقد أثّرت الأزمات السياسية المتلاحقة في لبنان بصورة مباشرة وعميقة على قطاع التعليم المهني والتقني، إذ أدّت إلى تعطّل تنفيذ الخطط الإصلاحية، وتأخير تحديث المناهج، وتراجع الاستثمارات في البنية التحتية والتجهيزات، إضافة إلى نقص التمويل وهجرة الكفاءات التعليمية. كما انعكست حالة عدم الاستقرار على انتظام العام الدراسي، وأضعفت قدرة المؤسسات على مواكبة التطورات التكنولوجية ومتطلبات سوق العمل. ومع ذلك، أثبت هذا القطاع قدرة لافتة على الصمود والاستمرار بفضل جهود الإدارة والأساتذة والشركاء الداعمين، مما يؤكد أنه يشكل ركيزة أساسية لإعداد الموارد البشرية ودعم مسار التعافي الاقتصادي في لبنان.
■ هل ترى أن غياب الاستقرار السياسي هو العائق الأكبر أمام تطوير التعليم المهني؟
نعم، يُعدّ غياب الاستقرار السياسي أحد أبرز العوائق أمام تطوير التعليم المهني، لكنه ليس العائق الوحيد. فالاستقرار السياسي يشكل الأساس لوضع سياسات تربوية مستدامة، وتأمين التمويل اللازم، وتنفيذ الإصلاحات وتحديث المناهج والتجهيزات. إلا أن نجاح التعليم المهني يتطلب أيضاً رؤية وطنية واضحة، وإدارة فاعلة، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص، وربط الاختصاصات بحاجات سوق العمل. لذلك، فإن أي نهضة حقيقية لهذا القطاع تستوجب توافر الاستقرار السياسي إلى جانب الإرادة الإصلاحية والتخطيط العلمي طويل الأمد.
■ ما الدور الذي يجب أن تلعبه الدولة في حماية التعليم المهني من التجاذبات السياسية؟
يقع على عاتق الدولة واجب تحييد التعليم المهني عن التجاذبات السياسية، باعتباره مرفقاً وطنياً واستثماراً استراتيجياً في رأس المال البشري. ويتحقق ذلك من خلال اعتماد سياسات تربوية مستقرة، وضمان استمرارية التمويل، وتحديث المناهج وفقاً للمعايير الدولية واحتياجات سوق العمل، واعتماد الكفاءة والشفافية في التعيينات والقرارات الإدارية بعيداً عن المحاصصة. كما ينبغي تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص والجهات الدولية، بما يضمن استدامة تطوير هذا القطاع ويكرّس دوره كرافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في لبنان.
■ كيف تتخيّل مستقبل لبنان التربوي والاقتصادي خلال السنوات العشر المقبلة؟
أنا متفائل بحذر. فإذا نجح لبنان في ترسيخ الاستقرار السياسي، وتعزيز سيادة القانون، وإطلاق إصلاحات اقتصادية وإدارية حقيقية، فإن السنوات العشر المقبلة يمكن أن تشهد نهضة تدريجية في القطاعين التربوي والاقتصادي. وسيكون التعليم المهني والتقني في صلب هذه النهضة، من خلال إعداد كوادر مؤهلة تلبي متطلبات سوق العمل المحلي والإقليمي، وتحدّ من البطالة والهجرة. أما إذا استمرت الأزمات والانقسامات والإصلاحات المؤجلة، فسيبقى التطور محدوداً وستزداد خسارة الطاقات البشرية. لذلك، فإن مستقبل لبنان يعتمد على الاستثمار في الإنسان، وجعل التعليم أولوية وطنية بعيداً عن التجاذبات السياسية، لأنه الأساس لأي نهوض اقتصادي مستدام.

■ ما هي الرسالة التي توجهها لصنّاع القرار في لبنان في ظل الظروف السياسية الراهنة؟
رسالتي إلى صنّاع القرار هي أن مستقبل لبنان لا يُبنى بالمواجهة والانقسام، بل بالتوافق على مشروع دولة قوية وعادلة تكون فيها المؤسسات وحدها المرجعية. إن الاستثمار في الإنسان، ولا سيما في التربية والتعليم المهني والتقني، هو الاستثمار الأكثر جدوى، لأنه يصنع الكفاءات ويعزز الإنتاجية ويحدّ من البطالة والهجرة. المطلوب اليوم قرارات شجاعة تضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار، وتُطلق الإصلاحات المطلوبة، وتحمي القطاع التربوي من التجاذبات السياسية، لأن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لبناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين والمجتمع الدولي بلبنان.
■ ما هو مستقبل الشباب اللبناني إذا بقيت الأزمات السياسية على حالها؟
إذا استمرت الأزمات السياسية على حالها، فسيواجه الشباب اللبناني تحديات أكبر تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع فرص العمل، واستمرار هجرة الكفاءات، ما يؤدي إلى خسارة لبنان لأهم موارده، وهي طاقاته البشرية. لكنني أؤمن بأن الشباب اللبناني يمتلك قدرات كبيرة على الإبداع والتكيّف، وإذا توفرت بيئة سياسية مستقرة وإصلاحات اقتصادية وتربوية حقيقية، فسيكون قادراً على قيادة عملية النهوض الوطني. لذلك، فإن مسؤولية الدولة اليوم هي توفير الظروف التي تمنح الشباب الأمل، وتحفزهم على البقاء والمساهمة في بناء وطنهم، بدلاً من دفعهم إلى البحث عن مستقبلهم خارج لبنان.
■ ما الخطوة السياسية الواحدة التي تتمنى أن تراها تتحقق لإنقاذ قطاع التعليم؟
إذا كان عليّ اختيار خطوة سياسية واحدة، فهي تحييد قطاع التربية والتعليم عن الخلافات والتجاذبات السياسية، واعتماد سياسة تربوية وطنية ثابتة تستمر بغضّ النظر عن تبدّل الحكومات والوزراء. فالتعليم ليس مشروعاً مرحلياً، بل مشروع دولة ومستقبل أجيال. وعندما يصبح تطوير التعليم، ولا سيما التعليم المهني والتقني، أولوية وطنية تحظى بإجماع الجميع، يمكن عندها بناء منظومة تعليمية حديثة، مستقرة، وقادرة على تلبية احتياجات سوق العمل والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
■ كيف يمكن للبنان أن يستعيد دوره كبلد منتج للمهارات والكفاءات رغم التحديات السياسية؟
يستطيع لبنان استعادة دوره كبلد منتج للمهارات والكفاءات إذا اعتمد رؤية وطنية تضع التعليم، ولا سيما التعليم المهني والتقني، في صلب خطط التنمية. ويتطلب ذلك تحديث المناهج بما يواكب التطور التكنولوجي، وربط الاختصاصات بحاجات سوق العمل، وتعزيز الشراكة بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص، والاستثمار في تدريب المعلمين والبنية التحتية، إلى جانب توفير بيئة سياسية مستقرة وإدارة تعتمد الكفاءة والشفافية. فلبنان يمتلك طاقات بشرية متميزة، وإذا أُحسن استثمارها، يمكنه أن يستعيد مكانته كمركز إقليمي لإعداد الكفاءات القادرة على المنافسة محلياً ودولياً.
■ كيف تنظر إلى مستقبل لبنان في ظل استمرار الأزمات السياسية؟ وهل ما زال هناك مجال لبناء دولة مؤسسات؟
رغم عمق الأزمات السياسية التي يمر بها لبنان، ما زلت أؤمن بأن بناء دولة المؤسسات ليس أمراً مستحيلاً، بل هو الخيار الوحيد لإنقاذ البلاد. صحيح أن استمرار الانقسامات يعرقل الإصلاح ويؤخر التعافي الاقتصادي ويؤثر سلباً في مختلف القطاعات، إلا أن لبنان يمتلك مقومات النهوض، من طاقات بشرية وكفاءات وانتشار عالمي ودعم دولي مشروط بالإصلاح. المطلوب اليوم إرادة سياسية صادقة تلتزم بتطبيق الدستور، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز استقلالية المؤسسات، ومكافحة الفساد، وحصر القرار السيادي بيد الدولة. عندها فقط يمكن استعادة ثقة المواطنين والمجتمع الدولي، ووضع لبنان على مسار التعافي وبناء دولة حديثة قادرة على تأمين مستقبل أفضل لأبنائها.
■ دور المسيحيين في مستقبل لبنان
إن دور المسيحيين في مستقبل لبنان لا ينفصل عن دور جميع اللبنانيين في بناء الدولة. فمنذ تأسيس لبنان الكبير، كان للمسيحيين إسهام أساسي في ترسيخ قيم الحرية والتعددية والانفتاح، وفي بناء مؤسسات الدولة وتعزيز النظام الديمقراطي. واليوم، تقع على عاتقهم، كما على سائر المكونات اللبنانية، مسؤولية الدفاع عن الدستور، ودعم قيام دولة سيدة وقوية وعادلة، تقوم على المواطنة وسيادة القانون والمساواة بين جميع أبنائها. إن الحفاظ على التنوع اللبناني لا يكون عبر الانقسام، بل من خلال الشراكة الوطنية الحقيقية، لأن قوة لبنان تكمن في تعدديته، ومستقبله لا يُبنى إلا بتكاتف جميع أبنائه ضمن مشروع دولة واحدة تحتكم إلى المؤسسات وحدها.

■ ما هو حلمك الذي لم يتحقق بعد؟
حلمي الذي لم يتحقق بعد هو أن أرى لبنان دولةً قويةً ومستقرة، تحتكم إلى الدستور والقانون، ويجد فيها كل شاب وشابة، فرصةً للعمل والنجاح من دون أن يضطر إلى الهجرة. على الصعيد المهني، أتمنى أن أرى التعليم المهني والتقني يحتل المكانة التي يستحقها، باعتباره ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية وإعداد الكفاءات الوطنية. وبعد مسيرة طويلة في هذا القطاع، يبقى أملي أن أرى الإصلاحات التي سعينا إليها تتحول إلى واقع، وأن يكون الاستثمار في الإنسان هو الخيار الأول للدولة، لأنه الضمان الحقيقي لمستقبل لبنان.
■ كلمة إلى قراء بيروت تايمز
إلى قراء بيروت تايمز في لبنان والانتشار، أتوجه إليكم بكل محبة وتقدير. إن الأوطان تُبنى بالوعي والمعرفة والحوار المسؤول، والإعلام الحر والملتزم شريك أساسي في ترسيخ الحقيقة وتعزيز ثقافة المواطنة. أدعو الجميع إلى التمسك بالأمل، والإيمان بقدرة لبنان على النهوض رغم كل التحديات، لأن هذا الوطن قام عبر تاريخه على إرادة أبنائه وإبداعهم. فلنجعل مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، ولنؤمن بأن الاستثمار في الإنسان، وفي التربية والتعليم، هو الطريق الأقصر لبناء دولة عادلة، سيدة، قوية، ومزدهرة. كل التقدير لادارة صحيفة بيروت تايمز على رسالتها الإعلامية، ولجميع قرائها الذين يؤمنون بأن الكلمة الحرة والصادقة قادرة على صناعة مستقبل أفضل.













08/01/2026 - 09:17 AM





Comments