| لبنان أمام مفترق تاريخي يتجاوز حدود أزماته السياسية والاقتصادية |
بيروت تايمز - تحقيق صحفي من اعداد ليلى أبو حيدر
في لحظة عربية تتزاحم فيها التحوّلات وتتراجع فيها اليقينيات، ويقف فيها لبنان أمام مفترق تاريخي يتجاوز حدود أزماته السياسية والاقتصادية، تفتح “بيروت تايمز” مساحة جديدة للحوار مع الكاتب والباحث اللبناني معتز فخر الدين، رئيس منتدى الحوار لتجديد الفكر العربي، ونائب رئيس المركز الثقافي للحوار والدراسات، ومدير مكتب لبنان لصحيفة “كل العرب” - باريس. يمثّل فخر الدين واحدًا من الأصوات الفكرية التي تسعى إلى إعادة قراءة الواقع العربي بمنهج نقدي هادئ، يستند إلى التاريخ والجغرافيا السياسية، ويضع الدولة الحديثة ومفهوم المواطنة في قلب أي مشروع للنهوض.
“بيروت تايمز” لا تتعامل مع هذا الحوار بوصفه مقابلة تقليدية، بل بوصفه محاولة لفهم الأسئلة العميقة التي تواجه المنطقة: أزمة الدولة العربية، مستقبل لبنان في ظل التحولات الإقليمية والدولية، معنى السيادة في زمن تعدّد مراكز القوة، ودور الإعلام في إعادة تشكيل الوعي العام. أما فخر الدين، فيقدّم رؤية تنطلق من قناعة بأن الخروج من دوامة الانهيار يبدأ من الانتقال من منطق الجماعات المتنافسة إلى منطق الدولة الجامعة، ومن إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، ومن استعادة الدور الطبيعي للإعلام كمساحة للمعرفة لا للاصطفاف.
بهذه الروح، يأتي هذا الحوار ليضيف إلى النقاش العام قراءة تحليلية معمّقة، تتجاوز اللحظة السياسية إلى جذورها، وتبحث عن إمكانات بناء مشروع عربي جديد يكون فيه الإنسان أساس الشرعية، والدولة أساس القوة، والعقل النقدي أساس التغيير.
البداية والمسيرة الفكرية والإعلامية
نودّ بدايةً أن نتعرّف إلى معلومات شخصية عن حضرتك: دراستك، اهتمامك الإعلامي الأول، طبيعة عملك، والمشاريع التي تعمل عليها الآن. وكيف تصف اللحظة التي شعرت فيها أن الإعلام أصبح واحدًا من اهتماماتك؟
الإعلام بالنسبة لي لم يكن مجرد مهنة أو مساحة لنقل الأخبار، بل كان منذ البداية وسيلة لفهم الواقع ومحاولة التأثير فيه. فقد نشأت لديّ مبكرًا رغبة في متابعة التحولات السياسية والفكرية، وارتبط هذا الاهتمام بشغف القراءة والتاريخ ومحاولة فهم التحولات الكبرى التي شكّلت المنطقة العربية.
لم أنظر إلى السياسة باعتبارها مجرد صراع على السلطة، بل باعتبارها مسارًا يرتبط ببناء الدولة وتطور المجتمعات وتوازنات القوة. لذلك لم يكن اهتمامي بالإعلام منفصلًا عن اهتمامي بالتاريخ والجغرافيا السياسية، لأن الحدث السياسي لا يمكن فهمه بمعزل عن خلفياته والظروف التي أنتجته.
درست العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية - كلية الحقوق والعلوم السياسية، وكان اهتمامي الأكاديمي منصبًا على تاريخ الفكر السياسي والعلاقات الدولية وتطور النظام الإقليمي، وهي مجالات ساهمت في تكوين رؤيتي لفهم حركة الدول والمجتمعات وطبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة والعالم.
مع مرور الوقت، قادتني الدراسة والتجربة المهنية إلى الاقتراب أكثر من عالم الأفكار العامة، حيث وجدت أن الكتابة والتحليل هما المجال الذي أستطيع من خلاله التعبير عن القضايا التي أعتبرها أساسية: الدولة، والسيادة، وعلاقة المجتمع بالسلطة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، ومستقبل المشروع العربي في ظل التحولات الكبرى.
بدأ اهتمامي بالإعلام عندما شعرت أن متابعة الأحداث لا تكفي لفهمها، وأن هناك حاجة إلى الانتقال من مراقبة الواقع إلى محاولة تفسيره. لذلك أصبحت الكتابة بالنسبة لي مساحة للبحث والتحليل، وليس مجرد نقل للمواقف. فالكلمة ليست تعليقًا على الأحداث فقط، بل أداة للمساءلة وطرح الأسئلة، والكاتب قد لا يغيّر الواقع مباشرة، لكنه يستطيع أن يساهم في تشكيل الوعي الذي يسبق التغيير.
خلال مسيرتي، نشرت مئات المقالات والدراسات التي تناولت قضايا سياسية وفكرية وتاريخية، وحاولت دائمًا الابتعاد عن الكتابة الانفعالية أو الاصطفافية، والتركيز على فهم الخلفيات العميقة للأحداث لا الاكتفاء بنتائجها الظاهرة.
أتولى حاليًا رئاسة منتدى الحوار لتجديد الفكر العربي، كما أشغل منصب نائب رئيس المركز الثقافي للحوار والدراسات، وأدير مكتب لبنان في صحيفة “كل العرب” الباريسية، إضافة إلى مواصلة الكتابة والبحث في قضايا الدولة والسيادة والتحولات الإقليمية.
ينطلق مشروعي الفكري من قناعة أساسية مفادها أن أزمة العالم العربي ليست فقط أزمة أنظمة أو سياسات، بل هي قبل ذلك أزمة بناء الدولة الحديثة التي تجعل المواطن محور الشرعية، والمؤسسات مصدر القوة، والقانون أساس العلاقة بين الحاكم والمجتمع.
أزمة الفكر السياسي العربي
■ ما التشخيص الدقيق الذي تقدمونه لأزمة الفكر السياسي العربي اليوم؟
أعتقد أن الأزمة الأساسية في الفكر السياسي العربي تكمن في الفجوة بين الأسئلة التي يطرحها الواقع، والأسئلة التي ما زال الفكر منشغلًا بها. فقد انشغلت تيارات سياسية عربية عديدة، قومية أو إسلامية أو أيديولوجية، بقضايا الهوية والانتماء والأصالة والصراع حول الماضي، بينما بقي سؤال الدولة الحديثة، بمعناها المؤسسي والقانوني، أقل حضورًا من القضايا الأخرى.
المشكلة ليست في الهوية بحد ذاتها، فالهوية عنصر أساسي في تكوين المجتمعات، لكن الإشكالية تظهر عندما تتحول الهوية إلى بديل عن الدولة، أو عندما يصبح الانتماء الأولي، سواء كان دينيًا أو طائفيًا أو عرقيًا أو مناطقيًا، أقوى من الانتماء إلى المواطنة. كما أن جزءًا من الأزمة يعود إلى التعامل مع الفكر السياسي باعتباره دفاعًا عن هويات مغلقة، بدل أن يكون أداة لفهم الواقع وإنتاج حلول تتناسب مع تحديات العصر.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن المجتمعات لا تُبنى بالشعارات الكبرى وحدها، بل بوجود دولة عادلة وقادرة على فرض القانون وتأمين المساواة بين مواطنيها.
لذلك فإن تجديد الفكر العربي يبدأ من إعادة الاعتبار لسؤال الدولة: كيف نبني دولة المواطن؟ وكيف ننتقل من منطق الجماعات المتنافسة إلى منطق المجتمع السياسي الواحد؟ وكيف نجعل المؤسسات أقوى من الأشخاص والانتماءات الضيقة؟
إن التحدي الحقيقي أمام الفكر العربي اليوم هو الانتقال من مرحلة الدفاع عن الهويات إلى مرحلة بناء مشروع سياسي يجعل الإنسان والمواطنة والمؤسسات في مركز الاهتمام.
الفكر القومي العربي والتحولات الراهنة
■ كيف تنظرون اليوم إلى الفكر القومي العربي؟ وهل ما زال قادرًا على تقديم إجابات لأسئلة العصر؟
انتمائي إلى الفكر القومي العربي جاء من إيماني بأن المنطقة العربية تجمعها روابط تاريخية وثقافية وحضارية عميقة، وأن قضاياها الكبرى لا يمكن فهمها بمعزل عن هذا البعد المشترك. لكن التجربة التاريخية أظهرت أن أي مشروع فكري أو سياسي لا يستطيع الاستمرار إذا بقي أسير الشعارات، ولم يتحول إلى مشروع مؤسسات وبناء دولة.
في تقديري، المشكلة لم تكن في فكرة الانتماء العربي بحد ذاتها، بل في عدم القدرة على الانتقال من مستوى الشعور بالوحدة إلى بناء صيغ سياسية حديثة تحترم الدولة الوطنية وتحقق التعاون والتكامل بين الدول العربية. لذلك فإن تجديد الفكر القومي اليوم لا يعني التخلي عن فكرة العروبة، بل إعادة صياغتها ضمن رؤية معاصرة تجعل الإنسان والمواطنة والدولة الحديثة في مركز المشروع.
الدولة الوطنية: المفهوم والشروط
■ كيف تعرفون الدولة الوطنية في السياقين اللبناني والعربي؟ وما شروط قيامها؟
الدولة الوطنية ليست مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات رسمية تحمل اسم الدولة، بل هي قبل ذلك عقد سياسي واجتماعي يقوم على المساواة بين المواطنين، وعلى احتكار المؤسسات الشرعية للقرار العام.
في التجربة العربية عمومًا، ولبنان خصوصًا، تكمن المشكلة في أن الدولة وُجدت أحيانًا قبل أن يكتمل الإجماع السياسي والاجتماعي حول مفهومها ووظيفتها. وهناك فرق بين وجود كيان سياسي وبين اكتمال مفهوم الدولة ودورها.
الدولة الحقيقية هي التي يجعل فيها المواطن انتماءه الوطني الجامع أساس علاقته بالوطن، والتي تكون فيها الطائفة أو الجماعة أو المنطقة مكونات اجتماعية طبيعية، لا أطرًا سياسية تنافس الدولة على السلطة والقرار. وشروط قيام الدولة الفعلية تبدأ من ثلاثة عناصر أساسية: سيادة القانون، احتكار الدولة للقرار الأمني والسيادي، وبناء مواطنة تقوم على الحقوق والواجبات لا على الولاءات الضيقة.
لبنان في زمن التحولات الجيوسياسية
■ كيف تقرؤون موقع لبنان اليوم؟ وهل نحن أمام إعادة تشكيل لدوره أم استمرار في مسار الانهيار؟
لبنان يعيش اليوم مرحلة تتجاوز الأزمة السياسية التقليدية، لأنها تمس موقع الدولة نفسها ووظيفتها. فالمشكلة لم تعد فقط في الخلاف حول الحكومات أو توزيع السلطة، بل في السؤال الأعمق: هل يستطيع لبنان أن ينتقل من دولة تُدار بتوازنات داخلية وخارجية إلى دولة تمتلك قرارها ومؤسساتها؟
النظام الإقليمي يشهد إعادة تشكل، وبعض التوازنات التي بدت ثابتة بدأت تتعرض للاهتزاز. وهذا يفتح أمام لبنان فرصة حقيقية، شرط أن يمتلك رؤية واضحة لإعادة بناء الدولة. نحن أمام لحظة اختبار تاريخية؛ قد تكون أزمة، وقد تكون فرصة لإعادة التأسيس.
السيادة: المفهوم والتحديات
■ ما تعريفكم للسيادة في بلد تتداخل فيه القوى الداخلية والخارجية؟
السيادة ليست مجرد شعار سياسي، وليست مرتبطة فقط بالقوة العسكرية. السيادة الحقيقية تعني أن يكون القرار الوطني نابعًا من مؤسسات الدولة، وأن تكون الدولة قادرة على تحديد خياراتها وحماية مصالح مواطنيها.
كما صاغ ماكس فيبر، تقوم الدولة الحديثة على احتكار “الاستخدام المشروع للقوة” داخل حدودها. وعندما تنشأ قوة مسلحة موازية للجيش، تدخل الدولة في حالة ازدواجية السلاح، بما يضعف السيادة ويجعل القرار الأمني خاضعًا لتوازنات لا تعبّر عن الإرادة الوطنية الجامعة.
الحوار كمدخل لتجديد الفكر العربي
■ ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الحوار؟ وما شروطه؟
الحوار ليس مجرد لقاء بين المختلفين، بل هو محاولة لفهم جذور الاختلاف والبحث عن مساحات مشتركة لبناء مستقبل مشترك. وشرط الحوار الأول: الاعتراف بالآخر كمواطن كامل. شرطه الثاني: الصراحة ومواجهة الأسئلة الأساسية: الدولة، السيادة، العدالة، علاقة المواطن بالمؤسسات.
منهج قراءة الواقع السياسي
■ ما المنهج الذي تعتمدونه في قراءة الواقع السياسي؟
أتعامل مع الأحداث باعتبارها نتائج لمسارات تاريخية، لا وقائع منفصلة. السياسة تُفهم من خلال جذورها التاريخية، مصالح القوى الفاعلة، والجغرافيا التي تتحرك ضمنها الدول. ولا أؤمن بالقراءة التي تختزل التاريخ في الأشخاص، ولا بالقراءة التي تبحث عن تفسير واحد لكل ظاهرة.
■ القضية الفلسطينية ومركزيتها؟
القضية الفلسطينية بالنسبة لي، قضية تاريخية وإنسانية ترتبط بالعدالة والحقوق والسيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. الحفاظ على مركزيتها يتطلب قراءة تتجاوز الشعارات، وتدرك التحولات السياسية والدولية.
■ إمكانات الإصلاح في لبنان
الإصلاح لا يمكن أن يكون مجرد إجراءات تقنية، بل مشروع لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. البداية تكون من مؤسسات مستقلة وفعالة: قضاء، إدارة، اقتصاد شفاف، ومؤسسات أمنية وعسكرية موحدة المرجعية.
■ الإعلام العربي بين الاستقطاب والمسؤولية
الإعلام العربي يمتلك أدوات تأثير واسعة، لكنه يواجه أزمة ثقة بسبب الاستقطاب. دوره الحقيقي أن يكون منحازًا للحقيقة والمعرفة، وأن يساعد الناس على فهم أسباب الأحداث وخلفياتها. كما أن تجديد الفكر العربي لا يكتمل دون وضع المرأة في موقع الشراكة الكاملة في صناعة الرأي العام.
■ خلاصة المشروع الفكري
إن نهضة العالم العربي تبدأ من الانتقال من منطق الجماعات المتنافسة إلى منطق الدولة التي يكون فيها المواطن أساس الشرعية، والمؤسسات أساس القوة، والعقل النقدي أساس التغيير.

■ لحظات شخصية
أجمل اللحظات في حياتي هي لقاء أولادي وأحفادي بعد غياب طويل. في تلك اللحظات يدرك الإنسان أن أجمل ما يملكه ليس ما ينجزه في حياته العامة، بل الأشخاص الذين يمنحون حياته معناها الحقيقي.
■ كلمة أخيرة إلى قراء “بيروت تايمز”
أود أن أتوجه بالشكر إلى أسرة “بيروت تايمز” وقرائها على هذه المساحة التي أتاحت الحديث عن قضايا أؤمن بأنها تشكل جوهر أزمات المنطقة ومستقبلها. نحن نعيش زمن تحولات كبرى، وفي مثل هذه المراحل لا يكفي أن نتابع الأحداث، بل علينا أن نفهم جذورها ومساراتها واحتمالاتها.
الرهان يبقى على الإنسان العربي وقدرته على تجاوز الانقسامات وبناء مستقبل تكون فيه الدولة مساحة مشتركة لجميع أبنائها.













07/31/2026 - 10:12 AM





Comments