تقرير صحفي من اعداد جورج ديب
في الوقت الذي يضع فيه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في مقدمة ما يسميه "النجاحات الدبلوماسية" التي حققتها واشنطن في الشرق الأوسط، تبدو الصورة على الأرض مختلفة تمامًا. فبينما تحتفي الولايات المتحدة بما تعتبره تطورًا "غير مسبوق"، تتعامل إسرائيل مع الاتفاق كأداة مناورة ميدانية، فيما يحذّر لبنان من أن الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وآخرها التفجيرات الضخمة في منطقة الشقيف، تهدد المسار الدبلوماسي برمّته وتضع الجنوب أمام احتمالات خطيرة.
من وجهة النظر الأميركية، يشكّل الاتفاق الإطاري فرصة لإعادة تثبيت دور واشنطن كوسيط قادر على إنتاج تفاهمات في منطقة شديدة التعقيد. روبيو يرى في الاتفاق إنجازًا سياسيًا يعيد للولايات المتحدة موقعها في إدارة النزاعات الإقليمية، ويمنحها ورقة قوة في لحظة تتنافس فيها القوى الدولية على النفوذ. لكن هذا الاحتفاء الأميركي لا يخفي إدراكًا واضحًا بأن الاتفاق هشّ، وأن الطريق إلى تثبيت السلام "لا يزال يحتاج إلى الكثير من العمل"، كما قال روبيو نفسه، في اعتراف ضمني بأن أي تفجير أو عملية عسكرية يمكن أن يطيح بما تعتبره واشنطن إنجازًا دبلوماسيًا.
أما إسرائيل، فتبدو مقاربتها مختلفة جذريًا. فهي لا تتعامل مع الاتفاق الإطاري كالتزام سياسي أو أمني، بل كأداة تكتيكية تستخدمها حين تشاء وتتجاوزها حين ترى أن مصالحها العسكرية تتطلب ذلك. التفجيرات الضخمة التي نفّذتها في منطقة الشقيف، والتي استخدمت فيها كميات هائلة من المتفجرات، ليست مجرد عملية عسكرية، بل رسالة سياسية واضحة تقول إن إسرائيل لن تنتظر المسار الدبلوماسي كي تؤمّن مصالحها الأمنية، وإنها مستعدة لفرض وقائع ميدانية قبل أي تفاوض لاحق. هذا السلوك يعكس رغبة إسرائيل في اختبار حدود التصعيد، ومعرفة مدى استعداد لبنان للرد، ومدى استعداد واشنطن للضغط عليها لوقف العمليات التي تتناقض مع روحية الاتفاق.
في المقابل، تبدو الرواية اللبنانية الأكثر التصاقًا بالواقع الميداني، والأكثر حساسية تجاه ما يجري على الأرض. رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عبّر بوضوح عن قلق بالغ من الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، محذرًا من أن تفجيرات الشقيف تمثل "تصعيدًا بالغ الخطورة" يهدد المسار الدبلوماسي الذي انطلق بموجب الاتفاق الإطار. هذا التحذير لا يأتي من باب السياسة فقط، بل من باب المسؤولية تجاه الجنوب الذي يعيش منذ سنوات على حافة القلق، حيث أي تفجير ليس مجرد حدث عسكري، بل صدمة اجتماعية ونفسية لأهالي المنطقة الذين يدفعون الثمن المباشر لأي تصعيد.
لبنان يرى الاتفاق الإطاري فرصة، لكنه يدرك أنه هشّ، وأن نجاحه يحتاج إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية فورًا، وإلى دعم دولي واضح لحماية حدوده، وإلى التزام فعلي بروحية الاتفاق، لا مجرد التمسك بنصّه. فالاتفاق لا يمكن أن يصمد إذا بقيت إسرائيل تتصرف على الأرض بطريقة تتناقض مع أي مسار سياسي، ولا يمكن أن ينجح إذا بقي الأهالي في الجنوب يعيشون بين أمل العودة إلى حياة طبيعية وخوف من أن تتحول الهدنة إلى مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من التصعيد.
بين الرواية الأميركية التي تحتفي، والرواية الإسرائيلية التي تناور، والرواية اللبنانية التي تحذّر، يقف الاتفاق الإطاري أمام اختبار صعب. فالتفجيرات الضخمة في الشقيف ليست مجرد عملية عسكرية، بل مؤشر على أن السلام لا يزال هشًا، وأن أي خطوة غير محسوبة قد تعيد المنطقة إلى مربع المواجهة. الاتفاق الإطاري قد يكون فرصة، لكنه ليس ضمانة. نجاحه يحتاج إلى ضبط السلوك الإسرائيلي، وإلى دعم أميركي فعلي لا يكتفي بالتصريحات، وإلى موقف لبناني موحّد يحمي الجنوب، وإلى حماية المدنيين باعتبارهم جوهر أي سلام حقيقي.
في النهاية، يبقى الجنوب اللبناني شاهدًا على أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالبيانات، بل بالأمان على الأرض، والأمان لا يزال بعيدًا ما دامت التفجيرات تتقدّم على الدبلوماسية، وما دامت الروايات الثلاث تتصادم فوق أرضٍ واحدة تبحث عن استقرار لم يتحقق بعد.











07/31/2026 - 10:52 AM





Comments