حيدر حسين سويري
في هذا اليوم المبارك، الجمعة 31 يوليو 2026، تتجه الأنظار مجدداً نحو الشمال الأفريقي، وتحديداً نحو السياجات الفاصلة بين المغرب ومدينة سبتة المحتلة. مشاهد تدمي القلوب لزحف بشري يتحدى الأمواج والجدران العازلة: آباؤهم يحملون أطفالهم نحو المجهول، وشباب يلقون بأنفسهم في البحر، بل وحتى أفعال رمزية صادمة كبث مقاطع لمواطنين يمزقون وثائقهم أو عملتهم الوطنية.
ليست هذه المشاهد مجرد "مغامرة بحثاً عن تحسين الدخل"، بل هي رسالة صامتة شديدة اللهجة تعكس ذروة اليأس. وأمام هذه الكارثة الإنسانية، يقف المتابع في حيرة أمام مفارقة تاريخية وسياسية وإنسانية لا مثيل لها.
المفارقة التاريخية: اللجوء إلى الأراضي المحتلة!
أغرب ما في المشهد المغربي يكمن في البعد الجغرافي والتاريخي؛ فمدينة سبتة هي أرض مغربية واقعة تحت الاحتلال الإسباني منذ أكثر من أربعة قرون. ولأول مرة في التاريخ الحديث، نرى شعباً يفرّ من أرضه المحررة والمستقلة ليلجأ إلى أرضه السليبة والمحتلة!.
هذه المفارقة تشير إلى تحول مفهوم "الوطن" في ذهنية المواطن؛ فالوطن لم يعد مجرد تراب أو اسم مكتوب في الوثائق الرسمية، بل أصبح يُقاس بمدى ما يوفر للإنسان من أمان وكرامة. وكما يُقال: "لا تسأل المهاجر لماذا هجر وطنه، بل اسأل الوطن لماذا خيره بين عيش بلا كرامة أو عيش بلا وطن؟" فالإنسان ينتمي إلى احترام حقوقه لا إلى التراب مجرداً.
[ دوافع الهجرة والهروب ]
┌─────────────┴─────────────┐
▼ ▼
[ أسباب اقتصادية ] [ أسباب سياسية واجتماعية ]
• بطالة الشباب والجامعيين. • انسداد الأفق وفقدان الثقة.
• الغلاء وانخفاض الدخل. • ضعف المشاركة السياسية.
• البحث عن مستقبل أفضل. • البحث عن الحريات والكرامة.
تشريح الأسباب: بين الواقع المادي وانسداد الأفق السياساتي
على الرغم من التفسيرات والتحليلات التي قد تطرح نظرية المؤامرة أو أيدٍ خارجية، إلا أن الواقع الميداني والتقارير الدولية تؤكد أن الدوافع الحقيقية أعمق بكثير وتتداخل فيها عدة عوامل:
الأسباب الاقتصادية (المحرك الأكبر): تفاقم معدلات البطالة بين الشباب وخريجي الجامعات، ارتفاع تكاليف المعيشة، وانخفاض الأجور، مما يجعل فكرة "البقاء" مجازفة يومية بحد ذاتها.
انسداد الأفق السياسي وفقدان الثقة: تراجع الشعور بجدوى المشاركة السياسية، وانخفاض الثقة في قدرة المؤسسات على إحداث تغيير ملموس أو محاربة الفساد، بالإضافة إلى التضييق على الحريات العامة ومتابعة النشطاء.
الهروب نحو "الفطرة الإنسانية": الهجرة عبر التاريخ كانت حركة طبيعية للإنسان بحثاً عن الكلأ والأمان قبل أن تضع الدول الاستبدادية الحواجز وتصادر حرية الحركة. إن ما يحدث هو عودة عفوبة لرغبة الإنسان في البحث عن ملجأ يحفظ آدميته.
إن أخطر ما في هذه المشاهد ليس خطورة العبور أو تلاطم الأمواج، بل وصول الإنسان إلى قناعة نفسية جازمة بأن المجهول أرحم بكثير من واقعه المعاش.
واقع عربي أشمل: هل المغرب استثناء؟
من الإجحاف وضع المغرب في معزل عن محيطه؛ فلو فُتحت الحدود في غالبية الدول العربية لتكرر المشهد ذاته وبكثافة أكبر. فالشعوب العربية عموماً تعاني تحت وطأة سياسات قمعية واقتصاديات مأزومة تصادر الحقوق وتقتل الأمل لدى الأجيال الصاعدة.
إن حكمة الله في خلقه قد تقتضي أحياناً تهيئة الظروف لهجرة الطاقات والشباب لعمارة أراضٍ أخرى، لكن الألم يكمن في أن يتم هذا التهجير قسراً بفعل التهميش المحلي وليس رغبة في الاستكشاف أو التبادل الثقافي.
بقي شيء...
إن مشاهد الهجرة اليوم هي صرخة استغاثة تضع المسؤولين وصناع القرار أمام مرآة الحقيقة: السياسات التجميلية والأرقام الرسمية لم تعد تقنع شاباً يرى مستقبله مظلماً. الحفاظ على الأوطان لا يكون بالحدود والجدران، بل ببناء الإنسان وحفظ كرامته وتوفير أسباب العيش الكريم له.
نسأل الله تعالى أن يرحم أمة الإسلام، وأن يفرج كرب الشباب، وأن يستعيد الوطن معناه الحقيقي كحضن دافئ لأبنائه لا كمنفى يفرون منه.











07/31/2026 - 11:50 AM





Comments