جمال دملج *
"الروايات العظيمة لا تُغيّر العالم لأنها تقدّم أجوبةً أفضل، بل لأنها تجعل الإنسان يطرح على نفسه أسئلةً لم يكن يجرؤ على طرحها من قبل". وربما لهذا السبب، لم أتعامل يومًا مع تاريخ لبنان الحديث باعتباره مجرد تسلسلٍ من الأحداث السياسية، بل كروايةٍ طويلة لم ينجح أحد، حتى الآن، في كتابة فصلها الأخير. فالروايات، مثل الأوطان، لا تُبنى بالحجارة وحدها، ولا تُروى بالوقائع وحدها، بل بما يختبئ بين السطور من أحلامٍ وخيبات، ومن يقينٍ يتراجع أحيانًا أمام الشك، ثم يعود ليطلّ من نافذةٍ صغيرة كلما ظنّ الجميع أن الليل قد انتصر. ولبنان، منذ استقلاله عام 1943، بدا وكأنه يكتب روايته على مهل؛ يفرح قليلًا، ويتعثّر كثيرًا، لكنه لا يتوقف عن المحاولة.
الفصل الأول: حين كان الضوء يكفي
في البدايات، لم يكن أحد يتحدث عن وطنٍ صغير يعيش على هامش التاريخ، بل عن تجربةٍ عربية مختلفة.
كانت بيروت تُلقَّب بـ"باريس الشرق"، وكان لبنان يُعرف بـ"سويسرا الشرق". ازدهرت الجامعات، وامتلأت الصحف بالأفكار، وازدحمت المصارف برؤوس الأموال، وتحول المرفأ إلى بوابةٍ مشرعة على المتوسط، فيما بدا المطار وكأنه يربط الشرق بالعالم.
وجاءت اتفاقية الهدنة مع إسرائيل عام 1949 لتمنح الجنوب سنواتٍ من الهدوء النسبي، فكبرت البلاد وهي تعتقد أن المستقبل يمكن أن يُبنى بالعلم والاقتصاد والانفتاح أكثر مما يُبنى بالخنادق. كان ذلك، ربما، الفصل الوحيد الذي كتب اللبنانيون معظم صفحاته بأيديهم.
الفصل الثاني: حين دخل الغرباء إلى الرواية
ثم جاء عام 1969. لم يكن "اتفاق القاهرة" مجرد وثيقة سياسية، بل كان، في جوهره، بداية انتقال القلم من يد الدولة إلى أيدٍ أخرى.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الكاتب اللبناني يكتب الرواية وحده. صار القادمون من خارج الحدود يضيفون فصولهم إليها، وصارت السيادة تتراجع خطوةً كلما تقدمت البنادق خطوةً أخرى. وفي سنواتٍ قليلة، تحوّل الجنوب إلى ما عُرف بـ"فتح لاند"، وبدأت الدولة تفقد قدرتها على احتكار قرار الحرب والسلم، فيما كانت البلاد تقترب، بهدوءٍ مخيف، من الحرب الأهلية.
الفصل الثالث: حين مزّقت الحرب صفحات الكتاب
اندلعت الحرب عام 1975. ثم جاءت "عملية الليطاني" عام 1978، قبل أن تعصف عملية "سلامة الجليل" عام 1982 بما تبقّى من توازنات المنطقة، وتنتهي بخروج القيادة الفلسطينية المسلحة من لبنان. وبدا، للحظةٍ قصيرة، وكأن الرواية تستعد لكتابة خاتمة مختلفة.
انتُخب بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية، قبل أن تغتاله يد العنف وهو لا يزال على عتبة القصر. وكأن أحدًا كان يصرّ، في كل مرة يقترب فيها اللبنانيون من الصفحة الأخيرة، على تمزيقها والبدء بفصلٍ جديد.
الفصل الرابع: حين تغيّر الرواة
بعد انتخاب الرئيس أمين الجميل، بدا أن "اتفاق 17 أيار" قد يفتح بابًا لمسارٍ جديد، لكنه سقط تحت وطأة الضغوط الداخلية والإقليمية. فعادت الوصاية السورية لتبسط نفوذها على القرار اللبناني، قبل أن تنمو، تدريجيًا، وصايةٌ أخرى حملت توقيع الثورة الإيرانية، عبر "حزب الله"، ثم عبر الحرس الثوري الإيراني. ومنذ ذلك الحين، لم تعد الرواية تُكتب من بيروت وحدها. كانت دمشق تضيف فصلًا. وطهران تضيف فصلًا آخر. وكان اللبنانيون يقرأون كتابًا يحمل اسم وطنهم، فيما كانت حبكته تُصاغ في أماكن أخرى.
الفصل الخامس: حين صار الوطن ساحةً للروايات الأخرى
تعاقبت السنوات، وتعاقبت معها الحروب والاغتيالات والمغامرات. من عمليات خطف الطائرات في الثمانينيات، إلى المواجهات التي ربطت لبنان بصراعات الإقليم، وصولًا إلى حروب الإسناد التي زجّت البلاد، مرةً باسم غزة، ومرةً باسم إيران، في معارك لم يتخذ قرارها مجلس الوزراء اللبناني، ولا ناقشها البرلمان، ولا اختارها معظم اللبنانيين. وكان المؤلم في كل ذلك أن الهوية اللبنانية نفسها بدأت تنقسم بين من يرى الوطن غايةً بحد ذاته، ومن يراه مجرد ساحةٍ في مشروعٍ أكبر من حدوده.
الفصل السادس: بين ذاكرة الانفجار واحتمال المصالحة
ويأتي الرابع من آب كل عام، حاملًا معه أكثر صفحات الرواية وجعًا. في ذلك اليوم من عام 2020، لم ينفجر مرفأ بيروت وحده، بل انفجرت ذاكرة مدينة. واهتزّت ثقة شعب. وتصدّعت صورة وطنٍ ظنّ كثيرون أنه لم يعد قادرًا على احتمال مأساةٍ أخرى. لكن المفارقة أن الرابع من آب نفسه يحمل اليوم مشهدًا مختلفًا.
فبينما يستعيد اللبنانيون ذكرى الانفجار، يجلس ممثلو دولتهم في روما للمشاركة في الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة، برعاية أميركية، بحثًا عن مسارٍ قد ينقل العلاقة من إدارة النزاع إلى محاولة إنهائه. ولعلها المرة الأولى، منذ عقود طويلة، التي يصبح فيها الحديث عن الدولة أقوى من الحديث عن الجبهة، وعن المؤسسات أكثر حضورًا من الساحات، وعن القانون أكثر إلحاحًا من السلاح. لا أحد يعرف ما إذا كانت هذه المفاوضات ستنجح. لكن مجرد انعقادها يعني أن الرواية، للمرة الأولى منذ زمن بعيد، بدأت تبحث عن كاتبها اللبناني من جديد.
الفصل الذي ينتظر أن يُكتب
ربما لم تكن مأساة لبنان أنه عرف الحروب. فكثير من الأمم عرفتها. وربما لم تكن مأساته أنه عاش التدخلات الخارجية. فهذه أيضًا عرفها كثيرون. أما مأساته الحقيقية، فكانت أن الصفحة الأخيرة من روايته بقيت، في كل مرة، تُكتب بحبر الآخرين. واليوم، يقف اللبنانيون أمام فرصةٍ نادرة. ليست فرصةً لنسيان الماضي، ولا لمحو الذاكرة، بل لاستعادة حقهم في أن يكتبوا بأنفسهم ما يريدونه لوطنهم.
ولهذا، كلما فكرتُ في لبنان، لم أتذكر الخرائط أولًا، بل تذكرت بيتًا قديمًا ظل قائمًا رغم العواصف. بيتٌ انكسرت بعض نوافذه، وتشققت بعض جدرانه، لكنه لم يفقد تمامًا إيمان ساكنيه بأن ترميمه ممكن. ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في خاتمة هذه الرواية، التي لم يكتمل فصلها الأخير بعد، هو أن النافذة ليست ما يُدخل الضوء إلى البيت، بل ما يمنح الساكنين الشجاعة ليروا العالم كما هو... ثم يقرروا، رغم ذلك، أن يبقوا أمناء لما في قلوبهم. وربما كان لبنان، بعد أكثر من ثمانين عامًا على الاستقلال، لا يبحث عن نهايةٍ سعيدة بقدر ما يبحث عن نهايةٍ يكتبها بنفسه.
* إعلامي وكاتب لبناني











08/04/2026 - 13:12 PM





Comments