لبنان... نصف قرن من الحقيقة المؤجلة (1)

08/04/2026 - 08:59 AM

Your Ad Here

 

 

علي جزائري

 لبنان... وطنٌ يدفن شهداءه ويؤجل العدالة من اغتيال كمال جنبلاط إلى انفجار المرفأ... نصف قرن من الحقيقة المعلّقة.

المشكلة في لبنان ليست أن الجرائم كثيرة، بل أن الحقيقة تبدو، في كثير من الملفات، أبطأ من الزمن نفسه.

منذ اغتيال كمال جنبلاط عام 1977، دخل لبنان مرحلة طويلة من الاغتيالات السياسية والتفجيرات الكبرى. تغيّرت الحكومات، وتعاقب رؤساء الجمهورية، وتبدلت موازين القوى، لكن بقي سؤال العدالة حاضرًا في عدد كبير من القضايا التي هزّت الرأي العام.

في هذا المسار الطويل، برزت محطات مفصلية: اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل، اغتيال الرئيس رشيد كرامي، اغتيال المفتي حسن خالد، اغتيال الرئيس رينيه معوض، جريمة داني شمعون وعائلته، اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم سلسلة اغتيالات استهدفت سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو، أنطوان غانم، اللواء فرنسوا الحاج، الرائد وسام عيد، اللواء وسام الحسن، الوزير محمد شطح، والباحث لقمان سليم، وصولًا إلى انفجار مرفأ بيروت.

هذه القضايا ليست متشابهة من الناحية القضائية. ففي بعضها صدرت أحكام أو قرارات قضائية، وفي بعضها الآخر لا تزال التحقيقات مستمرة أو لم تصل إلى خواتيم نهائية. لكن القاسم المشترك بينها هو أنها تركت أثرًا عميقًا على ثقة اللبنانيين بمؤسسات العدالة.

عندما تتأخر التحقيقات سنوات طويلة، أو تتعثر بسبب نزاعات إجرائية، أو تتداخل معها الحسابات السياسية، يصبح الخاسر الأول هو المواطن الذي ينتظر جوابًا واضحًا: ماذا جرى؟ ومن تثبت مسؤوليته وفق القانون؟

لا يمكن لأي دولة أن تبني ثقة مواطنيها إذا بقيت القضايا الكبرى معلقة إلى أجل غير معلوم. فالعدالة ليست مجرد فتح ملف، بل الوصول إلى نتيجة تستند إلى الأدلة، وتصدر عن قضاء مستقل، وتُنفذ وفق القانون.

إن لبنان لا يحتاج إلى المزيد من الخطابات عن دولة القانون، بل إلى مؤسسات قادرة على تحويل هذا الشعار إلى ممارسة. فالدولة التي تعجز عن إقناع مواطنيها بأن الجرائم الكبرى تُحقق فيها بكفاءة واستقلال، تترك فراغًا تملؤه الشائعات والانقسامات وفقدان الثقة.

ويبقى السؤال الذي يتكرر مع كل ذكرى وكل ملف مفتوح: هل يصبح الوصول إلى الحقيقة في لبنان يومًا القاعدة... بدل أن يبقى الاستثناء؟

 

الحلقة الاولى
___________________________________________

* اغتيال كمال جنبلاط... الجريمة التي غيّرت وجه الجمهورية *

في تاريخ الدول، هناك جرائم تُغيّر حكومات، وهناك جرائم تُغيّر أنظمة، وهناك جرائم تُغيّر طريقة نظر الشعوب إلى دولها. وفي لبنان، يحتل اغتيال كمال جنبلاط في 16 آذار 1977 مكانة خاصة، ليس فقط لأنه استهدف أحد أبرز القادة السياسيين في البلاد، بل لأنه شكّل بداية مرحلة طويلة من الاغتيالات السياسية التي تركت أثرًا عميقًا على الدولة والمجتمع.

منذ ذلك اليوم، لم يعد السؤال في لبنان يقتصر على "من اغتيل؟"، بل أصبح أيضًا: "هل ستصل العدالة إلى نهايتها؟"

لم يكن لبنان غريبًا عن العنف السياسي قبل عام 1977، لكن اغتيال كمال جنبلاط وقع في ذروة الحرب الأهلية، وفي لحظة كانت البلاد تشهد فيها انهيارًا لمؤسساتها وتعددًا لمراكز القوة. وفي هذا المناخ، أصبحت التحقيقات الجنائية أكثر تعقيدًا، وأصبح الوصول إلى الحقيقة مرتبطًا بعوامل سياسية وأمنية وقضائية متشابكة.

بعد سنوات، جاءت محطات أخرى عمّقت هذا الشعور لدى اللبنانيين.

في 14 أيلول 1982، اغتيل الرئيس المنتخب بشير الجميل بعد أقل من شهر على انتخابه، في عملية هزّت لبنان والمنطقة. في هذه القضية، أُدين المنفذ المباشر قضائيًا، لكن الجريمة بقيت محورًا لنقاشات سياسية وتاريخية واسعة حول دوافعها وسياقها، وهو ما يبيّن الفرق بين ما تفصل فيه المحاكم وما يبقى مجالًا للجدل السياسي أو الأكاديمي.

هذه النقطة أساسية لفهم الأزمة اللبنانية.

فالعدالة لا تُبنى على الروايات المتداولة، بل على الأدلة والإجراءات والأحكام. وعندما تتداخل السياسة مع القضاء، يصبح من الصعب على الرأي العام التمييز بين الوقائع المثبتة والاستنتاجات السياسية.

في تلك المرحلة، لم تكن الدولة اللبنانية تعمل بكامل مؤسساتها، وكانت الحرب الأهلية قد مزّقت الإدارة والقضاء والأجهزة الأمنية. ولذلك، فإن كثيرًا من الملفات التي بدأت آنذاك حملت معها آثار تلك الظروف الاستثنائية، وهو ما انعكس على مسارات التحقيق لاحقًا.

لكن ما يلفت الانتباه هو أن اغتيال شخصيات بحجم كمال جنبلاط وبشير الجميل لم يكن نهاية مسلسل العنف، بل كان مقدمة لسنوات طويلة شهدت اغتيالات استهدفت رؤساء وحكومات ونوابًا وصحافيين وضباطًا ورجال دين.

ومع مرور الزمن، تراكم لدى اللبنانيين شعور بأن كل جريمة جديدة لا تُقرأ بمعزل عن سابقاتها، وأن الذاكرة الجماعية تحمل معها سلسلة من الملفات التي لم تصل جميعها إلى خواتيم قضائية نهائية.

هذه ليست مسألة قانونية فحسب، بل مسألة ثقة.

فالدولة التي لا يستطيع مواطنوها الاطمئنان إلى أن الجرائم الكبرى ستُحقق فيها بسرعة وكفاءة واستقلال، تجد نفسها أمام أزمة تتجاوز القضاء لتطال شرعيتها نفسها. ولا يعني ذلك أن القضاء اللبناني لم يعمل أو لم يصدر أحكامًا في قضايا مفصلية، بل إن الصورة أكثر تعقيدًا. فبعض الملفات انتهى إلى أحكام، وبعضها بقي قيد التحقيق، وبعضها الآخر تعرقل بفعل ظروف الحرب أو التطورات السياسية أو الإجرائية. لكن النتيجة في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين واحدة: العدالة بدت في كثير من الأحيان أبطأ من انتظار الضحايا وذويهم.

إن قراءة اغتيال كمال جنبلاط اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل مناسبة لطرح سؤال أكبر: كيف يمكن لدولة خرجت من حرب أهلية طويلة أن تبني منظومة عدالة قادرة على التعامل مع الجرائم السياسية الكبرى باستقلالية وفعالية؟

هذا السؤال سيبقى حاضرًا ونحن ننتقل في الحلقات المقبلة إلى اغتيال الرئيس رشيد كرامي، والرئيس رينيه معوض، وداني شمعون وعائلته، ثم إلى المرحلة التي بدأت مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تبعها من سلسلة اغتيالات هزّت لبنان وغيرت مساره السياسي.

فالتاريخ اللبناني لا يمكن قراءته من خلال أسماء الضحايا وحدها، بل أيضًا من خلال مسار العدالة بعد كل جريمة. ويبقى التحدي الحقيقي أمام أي دولة هو ألا تتحول الذاكرة إلى بديل عن القضاء، وألا يبقى السؤال عن الحقيقة معلقًا من جيل إلى جيل.

في الحلقة المقبلة، ننتقل إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي وبداية التسعينيات، حيث شهد لبنان اغتيال الرئيس رشيد كرامي، ثم الرئيس رينيه معوض، ثم جريمة داني شمعون وعائلته، لنرصد كيف تفاعلت المؤسسات مع تلك الملفات، وما الذي تركته من أثر على الثقة بالدولة وسيادة القانون.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment