السوري يلعب سياسياً وإعلامياً على تناقضات الشيعة والمسيحيين

08/04/2026 - 07:59 AM

San Diego

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

أمضيت أكثر من ثلاثة عقود أراقب السياسة اللبنانية والإقليمية والدولية، حتى بتُّ أشعر أن السنوات لم تعد تُقاس بالعمر، بل بعدد التحولات التي يشهدها العالم في يوم واحد. خاصة انني كنت شاهدا وسمعت الكثير من النقاشات التي سبقت 13 تشرين 1990، وما بعده.

ومن هذا المنطلق، تبدو المقاربة السورية للبنان جزءاً من إعادة تموضع إقليمي أكثر منها مجرد ملف يتعلق بنزع سلاح الحزب.

فالسلطة السورية الجديدة تعمل على فتح قنوات تواصل مع معظم القوى اللبنانية، في موازاة سعيها إلى طمأنة أنقرة بأن أي دور سوري في لبنان لن يكون على حساب المصالح التركية، بل قد يساهم، من وجهة نظرها، في تعزيز الاستقرار الذي تحتاجه المنطقة.

لكن تركيا، في المقابل، تدرك أن دمشق تحاول إدارة توازنات دقيقة. فهي لا تريد خسارة الحليف التركي في هذه المرحلة، كما لا تريد التفريط بالفرصة والتفويض الذي منحه الرئيس ترامب للرئيس الشرع بدخول لبنان. وفي الوقت نفسه، يبدو أن الرئيس الشرع يسعى إلى بناء سياسة خارجية تمنحه هامشاً واسعاً للمناورة، مستفيداً من تجارب حافظ الاسد السابقة في إدارة العلاقات الدولية.

فاستعادة النفوذ في لبنان، إن حصلت، لا تعني مكسباً سياسياً فحسب، بل تحمل أيضاً أبعاداً اقتصادية واجتماعية. فالسوق اللبنانية كانت تاريخياً متنفساً للاقتصاد السوري وتضخ فيه مليارات الدولارات، وعودة حركة الاستثمارات والعمالة السورية قد تخفف من الضغوط الداخلية التي تواجهها دمشق، فضلاً عن إعادة منحها دوراً إقليمياً يجعل الكثير من الملفات اللبنانية يمر عبر البوابة السورية، كما كان الحال في مراحل سابقة.

غير أن القيادة السورية تدرك أيضاً أن أي عودة إلى لبنان بالقوة ستجعل كلفتها باهظة، ليس فقط بسبب الانقسام اللبناني، بل أيضاً بسبب احتمال اتساع رقعة المواجهة الإقليمية إذا ما تطورت الأحداث إلى صدام مع قوى مرتبطة بإيران أو العراق دفاعاً عن بيئتها اللبنانية.

لذلك، تبدو رسائل التهدئة التي تصدر باتجاه مختلف القوى اللبنانية، بما فيها الحزب، جزءاً من محاولة لتهيئة مناخ سياسي يخفف احتمالات المواجهة المباشرة مع اللبنانيين وحتى الاتراك الرافضين هذا التدخل. فأنقرة تعطي الأولوية لاستقرار سوريا، ولا سيما في ظل حساسية الملف العلوي وانعكاساته الداخلية على الأمن التركي. ومن هنا، تبدو متحفظة على أي خطوة قد تؤدي إلى زعزعة هذا الاستقرار أو إلى فتح جبهة لبنانية جديدة تزيد المشهد الإقليمي تعقيداً.

أما في الداخل اللبناني، فتبرز معادلة مختلفة تماماً.

فالمزاج السياسي المسيحي، على اختلاف اتجاهاته، يبدو انه اتخذ قراره النهائي برفض عودة أي وصاية سورية على لبنان، مهما كانت المبررات، ومهما ارتبطت بعناوين مثل معالجة ملف سلاح الحزب أو إعادة تنظيم العلاقات الأمنية بين البلدين. وبينما لا يعارض معظم المسيحيين إقامة أفضل العلاقات مع الدولة السورية الجديدة على قاعدة الندية والاحترام المتبادل، فإن تجربة العقود الماضية جعلت فكرة عودة القوات السورية إلى الأراضي اللبنانية بالنسبة إليهم خطاً أحمر يصعب تجاوزه.

وفي المقابل، تحاول دمشق فتح قنوات مع البيئة الشيعية، بالتوازي مع استمرار خطاب إعلامي سوري يتحدث عن إمكان التدخل في لبنان تحت عنوان نزع سلاح الحزب. كما أن بعض الدعوات التي تتكرر بشأن إخلاء القرى الحدودية أو إعادة تنظيم الواقع الأمني في تلك المناطق تُقرأ، لدى كثيرين، في إطار ممارسة ضغوط سياسية أكثر منها إجراءات ميدانية.

ويعتقد بعض المراقبين أن دمشق تراهن على أن أي تفاهم مع القوى الشيعية قد يسهّل عليها استعادة دورها في لبنان، حتى لو بقي الرفض قائماً لدى القوى المسيحية. إلا أن هذه المقاربة تحمل في طياتها مفارقة تاريخية؛ إذ إن التجربة اللبنانية أثبتت أن التحالفات التي فتحت الباب أمام الدخول السوري في سبعينيات القرن الماضي انتهت لاحقاً إلى صدامات قاسية مع دمشق نفسها، ما يجعل إعادة إنتاج تلك التجربة محفوفة بالمخاطر. ويبقى عنصر آخر لا يجوز تجاهله.

فالجيش السوري الذي دخل لبنان عام 1976 كان جيش دولة تقليدية، ضم في صفوفه ضباطاً وجنوداً من مختلف المكونات السورية. أما الجيش السوري اليوم، بعد سنوات الحرب والتحولات التي شهدتها سوريا، فهو يختلف في بنيته وتركيبته وظروف نشأته، وهو ما يجعل المقارنة بين المرحلتين غير ممكنة بصورة كاملة، ويزيد من حساسية أي نقاش يتعلق بإعادة انتشار قوات سورية داخل لبنان.

هنا يجب ان تكون المصلحة اللبنانية، قبل أي اعتبار آخر، ويجب بناء موقف وطني جامع يحول دون إعادة إدخال لبنان في دائرة الوصايات الخارجية، أياً يكن مصدرها أو عنوانها. فلبنان يقف اليوم على تقاطع متغيرات إقليمية ودولية عميقة، وأي خطأ في الحسابات قد يحول البلاد مرة جديدة إلى ساحة تتصارع فوقها مشاريع الآخرين، ويدفع اللبنانيون وحدهم الثمن.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment