الشرق الأوسط بين سياسات ترامب.. وخوف العرب.. وصراع إيران وإسرائيل هل تقف المنطقة على أعتاب نظام إقليمي جديد؟

08/04/2026 - 12:59 PM

Your Ad Here

 

 

بقلم: د. محمد نصار

منذ عقود طويلة، لم يعرف الشرق الأوسط الاستقرار بوصفه حالة دائمة، بل ظل يعيش على إيقاع الأزمات والحروب والتحولات الكبرى. واليوم، تعود المنطقة مرة أخرى إلى قلب الصراع الدولي، ليس فقط بسبب المواجهة الممتدة بين إيران وإسرائيل، وإنما أيضًا بسبب التغيرات في السياسة الأمريكية، وتبدل موازين القوى العالمية، وصعود أدوار إقليمية جديدة، بينما تراقب الدول العربية المشهد بحذر شديد، إدراكًا منها أن أي انفجار واسع ستكون له تداعيات تتجاوز حدود السياسة لتصل إلى الاقتصاد والأمن والغذاء والطاقة.

إن قراءة المشهد الراهن لا يمكن أن تتم من خلال زاوية واحدة، لأن ما يحدث هو نتاج تراكمات استمرت لعقود. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها في المنطقة، وإسرائيل تعمل على ترسيخ تفوقها العسكري والأمني، وإيران تواصل مشروعها الإقليمي، بينما تحاول الدول العربية حماية استقرارها الوطني وعدم الانجرار إلى صراعات قد تستنزف مواردها لعقود جديدة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد منطقة لإنتاج النفط، بل أصبح مركزًا للتنافس على الممرات البحرية، وخطوط التجارة العالمية، والطاقة، والتكنولوجيا، وحتى الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفسر حجم الاهتمام الدولي بكل ما يجري فيه. وتظل العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل أحد أهم عناصر المعادلة. فالدعم الأمريكي لإسرائيل يمثل ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة، بينما ترى واشنطن أن منع إيران من امتلاك قدرات عسكرية متقدمة يظل هدفًا استراتيجيًا. وفي المقابل، تعتبر طهران أن امتلاك أوراق قوة إقليمية هو الضمان الحقيقي لردع أي تهديدات خارجية.

لكن الصراع بين إيران وإسرائيل تجاوز منذ سنوات حدود الحرب التقليدية، وأصبح يشمل عمليات استخباراتية، وهجمات سيبرانية، وضربات محدودة، وحروبًا بالوكالة، ما جعل المنطقة تعيش حالة من التوتر المستمر دون الوصول إلى حرب شاملة حتى الآن.

أما الدول العربية، فقد تغيرت أولوياتها بصورة واضحة. فبعد سنوات من الصراعات الداخلية والإقليمية، أصبحت التنمية الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وخلق فرص العمل، وتحقيق الأمن الغذائي، أهدافًا رئيسية لا تقل أهمية عن الملفات السياسية. ولذلك فإن معظم العواصم العربية تتعامل بحذر مع أي تصعيد، وتسعى إلى تجنب الانخراط في مواجهات مباشرة قد تعطل خطط التنمية.

وفي هذا السياق، تبرز مصر بوصفها إحدى الدول التي تتبنى سياسة تقوم على الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، والدفع نحو الحلول السياسية، مع التأكيد على حماية الأمن القومي المصري، ورفض أي ترتيبات تمس سيادة الدول أو تؤدي إلى تهجير السكان أو توسيع رقعة الصراع. كما أن دول الخليج تدرك أن استمرار التوتر يهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، ولذلك تعمل على تنويع اقتصاداتها وتعزيز شراكاتها الدولية، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، بما يخدم مصالحها الوطنية.

ومن ناحية أخرى، لم تعد روسيا والصين مجرد مراقبين للمشهد، بل أصبحتا شريكين في رسم ملامح النظام الدولي الجديد ، فالصين توسع نفوذها الاقتصادي من خلال مبادرة الحزام والطريق، بينما تسعى روسيا إلى الحفاظ على حضورها السياسي والعسكري، وهو ما يجعل الشرق الأوسط ساحة تنافس بين قوى كبرى، وليس مجرد ساحة صراع إقليمي. ولا يمكن إغفال الدور المتنامي لتركيا، التي تحاول تحقيق توازن بين عضويتها في حلف الناتو وعلاقاتها مع دول المنطقة، بما يعكس طبيعة المرحلة التي تتسم بتعدد التحالفات وتغيرها وفق المصالح.

اقتصاديًا، فإن أي مواجهة واسعة ستكون لها آثار تتجاوز حدود المنطقة. فأسعار النفط والغاز قد ترتفع بصورة حادة، وسلاسل الإمداد العالمية قد تتعرض لاضطرابات، كما قد تتراجع حركة التجارة والاستثمار والسياحة، وهو ما ينعكس على الاقتصادات العربية والعالمية.

وفي الوقت نفسه، تواجه الشعوب العربية تحديات داخلية تتعلق بالتضخم، وارتفاع تكاليف المعيشة، والبطالة، وهو ما يجعل الحفاظ على الاستقرار ضرورة وطنية قبل أن يكون خيارًا سياسيًا. لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل تتجه المنطقة نحو حرب شاملة؟

الإجابة ليست سهلة. فمن ناحية، تمتلك جميع الأطراف قدرات عسكرية كبيرة، ومن ناحية أخرى، تدرك هذه الأطراف أن تكلفة الحرب ستكون هائلة، وأن أي مواجهة مفتوحة قد تؤدي إلى نتائج يصعب السيطرة عليها. ولهذا، يبدو أن سياسة الردع المتبادل ما زالت تمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، رغم استمرار التوترات والاشتباكات المحدودة.

إن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده القوة العسكرية وحدها، بل ستحدده أيضًا قدرة دول المنطقة على بناء منظومة تعاون اقتصادي وأمني أكثر استقرارًا، وإيجاد حلول سياسية للنزاعات المزمنة، وتعزيز الحوار بدلًا من التصعيد.

ويبقى الأمل أن تنتصر لغة العقل على منطق السلاح، وأن تدرك جميع الأطراف أن أمن المنطقة لا يتحقق بالحروب، بل ببناء الثقة، واحترام سيادة الدول، وتحقيق التنمية التي تستحقها شعوبها.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم عند لحظة تاريخية فارقة، وما يُتخذ من قرارات خلال السنوات المقبلة قد يرسم ملامح المنطقة لعقود قادمة. وبين صراع المصالح الدولية، وحسابات القوى الإقليمية، وطموحات الشعوب إلى الأمن والرخاء، يبقى الرهان الحقيقي على الحكمة السياسية، لأنها وحدها القادرة على تجنيب المنطقة كلفة حرب جديدة، وفتح الباب أمام مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة,

 

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment