بقلم: فرنسوا الجردي
حين يصبح المتسبب بالمأساة مدّعياً للبطولة، ليست أخطر ما ورد في خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم انتقاداته للسلطة اللبنانية، بل اتهامه الصريح للدولة بأنها كانت "عوناً لإسرائيل بدل أن تكون عوناً للبنان". فهذا الاتهام لا يشكّل مجرد موقف سياسي، بل محاولة لقلب الحقائق، وإلقاء مسؤولية الكارثة الوطنية على الدولة، فيما يتجاهل المسؤول الحقيقي عن جرّ لبنان إلى واحدة من أكثر الحروب تدميراً في تاريخه الحديث.
السؤال الذي ينتظر اللبنانيون جواباً عنه ليس: لماذا لم تحمِ الدولة لبنان؟ بل: من الذي صادر قرار الدولة أصلاً، واتخذ قرار الحرب منفرداً، من دون العودة إلى المؤسسات الدستورية؟
حرب الإسناد... القرار الذي دفع لبنان ثمنه
في الثامن من تشرين الأول 2023، أعلن "حزب الله" فتح جبهة الجنوب تحت عنوان "حرب الإسناد"، من دون قرار صادر عن مجلس الوزراء، ومن دون موافقة مجلس النواب، ومن دون أي تفويض من الشعب اللبناني. كان ذلك قراراً حزبياً صرفاً، اتخذه تنظيم مسلح خارج إطار الدولة، فأدخل لبنان في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل، وهو يعلم تماماً حجم التفوق العسكري الإسرائيلي، وحجم الأثمان التي سيدفعها اللبنانيون.
ولذلك، فإن كل ما أعقب ذلك من دمار واسع، وتهجير عشرات الآلاف، وتدمير القرى والبنى التحتية، لم يكن نتيجة قرار الدولة اللبنانية، بل نتيجة قرار أحادي صادر عن الحزب.
من استجلب العدوان؟
كيف يمكن لمن فتح الجبهة بإرادته أن يتهم الدولة بأنها ساعدت إسرائيل؟
لو لم تُفتح الجبهة، لما وجد الجيش الإسرائيلي الذريعة العسكرية التي استخدمها لتوسيع عملياته داخل الأراضي اللبنانية. قد تتحمل إسرائيل كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن اعتداءاتها وانتهاكاتها للقانون الدولي، لكن هذا لا يلغي حقيقة أن قرار فتح المواجهة جاء من خارج الدولة، وأن الحزب هو من وضع لبنان في قلب الحرب. ومن هنا، فإن تحميل الدولة مسؤولية نتائج قرار لم تتخذه أصلاً، يشكل ظلماً سياسياً وتزويراً للوقائع.
السيادة لا تتجزأ
يتحدث الشيخ نعيم قاسم عن السيادة الوطنية، لكن السيادة تبدأ من احترام الدستور، ومن احتكار الدولة وحدها قرار السلم والحرب.
فأي سيادة يمكن الحديث عنها عندما يكون أخطر قرار في البلاد خارج يد المؤسسات الدستورية؟
وأي دولة تستطيع حماية شعبها إذا كانت عاجزة عن التحكم بقرار الحرب؟
إن الدفاع الحقيقي عن السيادة يبدأ بإعادة القرار العسكري والأمني كاملاً إلى الدولة اللبنانية، وليس بإبقائه بيد تنظيم حزبي، مهما كانت شعاراته.
الدولة ليست عميلاً... بل ضحية مصادرة القرار
إن الدولة اللبنانية، بكل مؤسساتها، لم تكن شريكاً لإسرائيل، بل كانت أول ضحايا مصادرة قرارها.
فالجيش اللبناني لم يقرر الحرب.
ورئيس الجمهورية لم يقرر الحرب.
ومجلس الوزراء لم يقرر الحرب.
والشعب اللبناني لم يُستفتَ على الحرب.
فكيف تتحول الدولة إلى متهمة، بينما يبقى من اتخذ القرار بمنأى عن أي مساءلة؟
المقاومة لا تُلغي الدولة
قد يختلف اللبنانيون حول مفهوم المقاومة، لكن لا يمكن لأي مقاومة أن تتحول إلى بديل عن الدولة.
فالقاعدة الأساسية في جميع الدول هي أن السلاح يخضع للسلطة الشرعية، وأن قرار استخدام القوة يصدر عن المؤسسات المنتخبة، لا عن الأحزاب.
أما استمرار هذا الواقع، فهو يعني بقاء لبنان رهينة لحروب لا يقررها اللبنانيون مجتمعين، بل يقررها طرف واحد، ثم يطالب الجميع بتحمل نتائجها.
لبنان يحتاج إلى دولة... لا إلى وصاية جديدة
إن اللبنانيين اليوم لا يريدون تبادل الاتهامات، بل يريدون معرفة كيف يمكن منع تكرار المأساة.
والجواب واضح:
لا دولة من دون احتكار السلاح.
ولا سيادة من دون وحدة القرار.
ولا استقرار من دون احترام الدستور.
ولا إعادة إعمار حقيقية إذا بقي قرار الحرب خارج مؤسسات الجمهورية.
إن اتهام الدولة اللبنانية بمساندة إسرائيل لن يغيّر الوقائع. فالوقائع تقول إن قرار "حرب الإسناد" اتُّخذ خارج الدولة، وإن لبنان دفع ثمناً باهظاً لهذا القرار.
ومن يريد حماية لبنان فعلاً، عليه أولاً أن يعترف بأن الدولة ليست خصماً، بل هي الإطار الوحيد القادر على حماية جميع اللبنانيين.
أما الاستمرار في تحميل الدولة مسؤولية حرب لم تقررها، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام، وإطالة أمد الأزمة، وإبعاد لبنان أكثر فأكثر عن مشروع الدولة التي يستحقها أبناؤه.










08/04/2026 - 11:43 AM





Comments