رشيد ج. مينا:
الطريق لا ينتهي... بل يبدأ كل مرة من جديد، مع وعيٍ أعمق، ورؤيةٍ أنضج، وإرادةٍ لا تلين

بيروت تايمز - تحقيق موسّع من إعداد ليلى أبو حيدر
في هذا التحقيق، لا تمنح بيروت تايمز أحداً رفاهية الهروب. نحن أمام بلدٍ يتداعى طبقةً بعد طبقة، فيما يتقاسم السياسيون الخراب كغنيمة، ويُترك المواطن وحيداً في مواجهة دولةٍ فقدت معناها. هنا، لا مكان للخطاب الموارب ولا للغةٍ تُخدّر الألم. نحن في زمنٍ يحتاج إلى من يفتح الجرح، لا من يضع عليه ضمادةً باردة.
لهذا السبب، نذهب اليوم إلى حوارٍ مع الأستاذ رشيد ج. مينا، الكاتب والباحث الذي لا يخشى الاصطدام، ولا يساوم على الحقيقة، ولا يقدّم روايات مصقولة لتجميل قبح الواقع. رجلٌ عاش الحرب، ورأى الدولة تتفكك أمامه، وراقب كيف تحوّل لبنان من مشروع وطن إلى ساحة نفوذ، ومن مجتمعٍ حيّ إلى مجتمعٍ يُستنزف يومياً تحت وطأة الطوائف والسلاح والفساد.
من طرابلس المهمّشة، المدينة التي تُرفع كشعار وتُترك للجوع، إلى بيروت التي تُستنزف باسم السياسة، إلى بلدٍ يتهاوى بينما يتبادل زعماؤه الاتهامات… يدخل رشيد ج. مينا هذا الحوار ليقول ما لا يجرؤ كثيرون على قوله: من دمّر لبنان؟ من عطّل الدولة؟ من حوّل الناس إلى رهائن؟ وهل يمكن إصلاح وطنٍ تتقاسمه الميليشيات والمصالح والحدود المفتوحة لكل لاعبٍ خارجي؟
هذا التحقيق ليس بحثاً عن بطولات شخصية، بل اختبارٌ للجرأة. مواجهةٌ مع الحقيقة كما هي، بلا تلميع، بلا خوف، وبلا أي محاولة للالتفاف على الأسئلة التي يهرب منها الجميع. هنا، نضع الواقع على الطاولة، ونترك القارئ أمام صدمةٍ ضرورية: لبنان لم يُدمَّر صدفة… بل دُمِّر عمداً.
والى اللقاء الصريح والشيق
■ نودّ بدايةً أن نتعرّف إلى معلومات شخصية عن حضرتك: دراستك، اهتمامك الأول، طبيعة عملك، والمشاريع التي تعمل عليها الآن. وكيف تصف اللحظة التي شعرت فيها أن العمل السياسي والإعلامي هو واحد من اهتماماتك؟
ولدت عام 1961 في مدينة طرابلس اللبنانية، المدينة التي حملت عبر تاريخها لقب مدينة العلم والعلماء، لكنها عاشت في العقود الأخيرة واقعًا مختلفًا اتسم بالفقر والتهميش والحرمان. نشأت في أسرة متواضعة تنتمي إلى الطبقة الوسطى، قبل أن تتعرض هذه الطبقة، كما غيرها من شرائح المجتمع اللبناني، لاهتزازات عميقة بفعل الحروب والسياسات الاقتصادية والمالية التي عصفت بالبلاد.
لم يكن دخولي إلى العمل العام نتيجة طموح شخصي أو بحث عن موقع أو نفوذ، بل جاء نتيجة شعور مبكر بالمسؤولية تجاه الإنسان والوطن. ومع اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، وما رافقها من انهيار تدريجي لمفهوم الدولة وتحول لبنان من وطن يسعى إلى بناء مستقبله إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، وجدت نفسي، كما وجد كثير من أبناء جيلي، منخرطًا في العمل السياسي والتنظيمي، مدفوعًا بقناعة أن الدفاع عن الإنسان وحقه في الأمن والحرية والكرامة هو دفاع عن الوطن نفسه.
إلى جانب اهتمامي بالشأن العام، بدأت حياتي العملية في ميادين التجارة والصناعة منذ عام 1979، لأنني كنت وما زلت أؤمن بأن الاقتصاد المنتج والعمل الجاد هما من أهم ركائز استقلال الإنسان واستقرار المجتمعات. وفي مرحلة لاحقة حصلت على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة، انطلاقًا من قناعة بأن التجربة العملية تحتاج دائمًا إلى سند معرفي يساعد على فهم أعمق للواقع وتحولاته.
في عام 2002 انتقلت للعمل في دول الخليج العربي، تحت ضغط الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي عاشها لبنان. لكن الانتقال لم يكن انقطاعًا عن قضايا الوطن أو الأمة، بل تحولًا في وسيلة التعبير. فبعد سنوات من العمل السياسي المباشر، أصبحت الكتابة هي المساحة التي أجد فيها قدرة أكبر على المراجعة والتحليل، بعيدًا عن ضجيج الاصطفافات والانفعالات.
اليوم أواصل عملي في المجال الاقتصادي، بالتوازي مع الكتابة والبحث، وأعمل على مشروع فكري يقوم على إعادة قراءة التجارب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومحاولة الإجابة عن سؤال أعتبره جوهر كل ما أكتب: كيف نبني دولة حديثة يكون الإنسان فيها غاية التنمية، ويحكمها القانون، ويستند اقتصادها إلى الإنتاج، ويكون الوعي فيها أساس الإصلاح، لا ردود الفعل والانقسامات؟
لقد علمتني التجربة أن السياسة وحدها لا تبني وطنًا، كما أن الاقتصاد وحده لا يصنع مجتمعًا، وأن النهضة الحقيقية تبدأ عندما يلتقي الفكر بالعمل، والحرية بالمسؤولية، والدولة بالإنسان
■ من هو رشيد مينا كما يعرّف نفسه؟
يصعب على الإنسان أن يعرّف نفسه بعيدًا عن تجربته، لأن التجارب هي التي تصوغ القناعات وتشكل الشخصية. وإذا أردت أن أعرّف نفسي بكلمات قليلة، فأنا إنسان آمن منذ وقت مبكر بأن الإنسان هو غاية كل مشروع وطني أو حضاري، وأن قيمة السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم تقاس بمدى قدرتها على صون كرامته وحريته وحقوقه.
لم أتعامل مع العمل العام بوصفه وسيلة للوصول إلى سلطة أو موقع، بل بوصفه مسؤولية أخلاقية ووطنية. ومع مرور السنوات أدركت أن معارك الأوطان لا تُحسم بالشعارات وحدها، ولا بالانفعالات، ولا حتى بالنوايا الحسنة، بل ببناء الإنسان، وترسيخ الوعي، وإقامة دولة عادلة تحكمها المؤسسات والقانون.
لقد عشت مراحل كثيرة، بعضها كان مليئًا بالحماس، وبعضها فرض مراجعات مؤلمة، لكنني لم أعتبر يومًا أن مراجعة الأفكار ضعف، بل رأيتها شرطًا للنضج. فالجمود على المواقف رغم تغير الوقائع ليس ثباتًا، بل قد يكون هروبًا من مواجهة الحقيقة.
لذلك، أجد نفسي اليوم أقرب إلى الباحث عن الحقيقة منه إلى المدافع عن الموروثات السياسية أو الفكرية. لا أقدس الأشخاص، ولا أتعامل مع التجارب بعقلية الأبيض والأسود، لأن كل تجربة بشرية تحمل عناصر نجاح وإخفاق، والعبرة ليست في الدفاع عنها، بل في القدرة على فهمها واستخلاص الدروس منها.
أؤمن أن الأوطان لا تبنى بالكراهية، ولا بالمظلومية، ولا بالارتهان للخارج، وإنما تبنى بالعلم، والعمل، والإنتاج، والعدالة، واحترام القانون، وترسيخ مفهوم المواطنة الذي يجعل جميع أبناء الوطن شركاء متساوين في الحقوق والواجبات.
وربما لهذا السبب انتقلت مع الزمن من العمل السياسي المباشر إلى العمل الفكري والكتابة. لم يكن ذلك انسحابًا من الشأن العام، بل انتقالًا إلى ساحة أوسع، لأنني أصبحت أكثر اقتناعًا بأن بناء الوعي هو المدخل الحقيقي لبناء الدولة، وأن تغيير الثقافة السياسية في المجتمع أكثر ديمومة من تغيير الأشخاص في السلطة.
■ أنتم من جيل عاش الحرب منذ بدايتها... هل تعتبرون أن الطبقة السياسية التي نشأت في تلك المرحلة، بما فيها القوى التي شاركتم في بعض أطرها، ساهمت في إنتاج الأزمة الحالية؟
إذا أردنا أن نكون منصفين مع التاريخ، فعلينا أن نعترف بأن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، ولا يمكن اختزال نصف قرن من الأزمات في شخص أو حزب أو مرحلة بعينها.
نعم، أعتقد أن معظم القوى السياسية التي تشكلت خلال الحرب اللبنانية أو في ظلها تتحمل، بدرجات متفاوتة، مسؤولية ما آلت إليه البلاد، لأنها أخفقت في الانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة، ومن ثقافة الغلبة إلى ثقافة الشراكة، ومن الولاءات الفئوية إلى مفهوم المواطنة.
وأقول ذلك وأنا لا أستثني نفسي من واجب المراجعة. فمن شارك في العمل العام، بأي موقع كان، لا يملك حق الاكتفاء بتوجيه الاتهام إلى الآخرين، بل عليه أن يمتلك شجاعة مراجعة تجربته واستخلاص الدروس منها. فالمراجعة ليست إدانة للذات، وإنما احترام للحقيقة ولحق الأجيال القادمة في معرفة أسباب ما جرى.
لقد عشنا جميعًا مرحلة كانت فيها العواطف والانتماءات الأيديولوجية والطائفية والقومية تتقدم في كثير من الأحيان على مفهوم الدولة. وكان الاعتقاد السائد أن انتصار هذا المشروع أو ذاك سيؤدي تلقائيًا إلى بناء الوطن، لكن التجربة أثبتت أن الدولة لا تُبنى بانتصار فريق على آخر، وإنما بقيام عقد وطني جامع، ومؤسسات دستورية قوية، وقضاء مستقل، وجيش يحتكر وحده حق استخدام القوة، ونظام سياسي يجعل الولاء للوطن فوق أي ولاء آخر.
الحرب اللبنانية لم تكن مجرد مواجهة داخلية، بل كانت أيضًا نتيجة تداخل عوامل داخلية وإقليمية ودولية، جعلت لبنان ساحة لتصفية الحسابات وصراع النفوذ. لكن وجود هذه العوامل الخارجية لا يعفينا من مسؤوليتنا الداخلية. فالدول القوية تستطيع أن تحمي نفسها من التدخلات، أما الدول الضعيفة فتتحول إلى ساحات مفتوحة لها.
ما يؤلمني اليوم ليس فقط أننا دفعنا أثمانًا باهظة، بل أننا لم نستفد منها بالقدر الكافي. فما زلنا نعيد إنتاج الانقسامات نفسها، ونناقش القضايا نفسها، ونرتكب الأخطاء نفسها، وكأن الزمن توقف عند بدايات الحرب.
لهذا أقول دائمًا إن المشكلة الحقيقية ليست في الماضي بحد ذاته، بل في استمرار الماضي في إدارة الحاضر. وعندما يصبح الماضي مرجعًا للتعلم لا للتعبئة، وعندما تتحول الذاكرة من وقود للانقسام إلى مصدر للعبرة، عندها فقط نستطيع أن نبدأ فعليًا الخروج من النفق الذي دخل إليه لبنان منذ أكثر من خمسة عقود.
■ طرابلس مدينة العلم والعلماء، لكنها أيضاً مدينة الحرمان. لماذا فشلت النخب الطرابلسية في حماية مدينتها من التهميش؟
يصعب الحديث عن طرابلس بعيدًا عن شيء من الألم، فهي ليست بالنسبة إلى مدينة ولدت فيها فحسب، بل مدينة تختزن تاريخًا علميًا وحضاريًا وثقافيًا كبيرًا، لم ينعكس على واقعها المعاصر.
برأيي، لم يكن ما أصاب طرابلس نتيجة تقصير أبنائها وحدهم، كما أنه لم يكن نتيجة قرار مركزي واحد، بل هو حصيلة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية امتدت لعقود، جعلت المدينة تدفع ثمن موقعها، وثمن الانقسامات اللبنانية، وثمن غياب الرؤية الإنمائية للدولة.
أما النخب الطرابلسية، فإن مسؤوليتها قائمة بلا شك، لكنها ليست مسؤولية متساوية. فجزء منها انشغل بالصراعات السياسية الاصطفافات، وجزء آخر ارتبط بمراكز النفوذ بحثًا عن مكاسب آنية، بينما غاب المشروع التنموي الذي يوحد أبناء المدينة حول مصالحهم الحقيقية، بعيدًا عن الانقسامات المذهبية والسياسية.
وأعتقد أن أكبر خسارة تعرضت لها طرابلس لم تكن اقتصادية فقط، بل كانت خسارة في صورتها الوطنية. فبدل أن تُقدَّم بوصفها مدينة العلم والثقافة والتجارة والانفتاح، جرى في كثير من الأحيان اختزالها في صور العنف والفقر والاضطرابات، وكأنها مدينة خارج التاريخ، مع أن الحقيقة مختلفة تمامًا.
طرابلس تمتلك موقعًا جغرافيًا متميزًا، ومرفأً، وإرثًا صناعيًا وتجاريًا، وثروة بشرية كبيرة، وجامعات، ومعالم تاريخية تجعلها مؤهلة لأن تكون مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا على مستوى لبنان وشرق المتوسط. لكن هذه المقومات تحتاج إلى دولة ترى في التنمية استثمارًا في الاستقرار، لا مجرد خدمات موسمية أو وعود انتخابية.
أنا أرفض أن تُعامل طرابلس كمدينة تحتاج إلى مساعدات، لأنها لا تحتاج إلى الشفقة، بل إلى العدالة. تحتاج إلى دولة تستثمر في الإنسان، وفي التعليم، وفي الصناعة، وفي المرفأ، وفي الاقتصاد المنتج، وتفتح أمام شبابها أبواب العمل بدل أن تدفعهم إلى الهجرة أو اليأس.
وأنا على يقين بأن نهضة طرابلس ليست قضية طرابلس وحدها، بل قضية لبنان كله. فلا يمكن بناء وطن متوازن إذا بقيت مدن أساسية فيه تعيش خارج خطط التنمية، أو إذا استمر التعامل معها باعتبارات سياسية أو أمنية بدل أن تكون جزءًا من رؤية وطنية شاملة.
إن إنصاف طرابلس لا يكون بالخطب، بل بإعادتها إلى موقعها الطبيعي؛ مدينةً للعلم والإنتاج والثقافة، وشريكًا كاملًا في صناعة مستقبل لبنان، لا شاهدًا على أزماته.
■ تكتبون كثيرًا عن "قيود الماضي". ما القيود التي تتحملون أنتم شخصيًا جزءًا من مسؤولية استمرارها؟
أعتقد أن أكثر ما يحتاجه العمل العام هو الصدق مع الذات، لأن الأمم لا تتقدم إذا كان الجميع يعتبر نفسه على صواب دائمًا، ويحمّل الآخرين وحدهم مسؤولية الإخفاق.
لا أدّعي أنني كنت بمنأى عن تأثير المرحلة التي نشأت فيها. فقد تأثرت، كما تأثر جيلي، بالأفكار السائدة، وبالاصطفافات السياسية والأيديولوجية، وبحجم الاستقطاب الذي فرضته ظروف الحرب والصراع. وربما كان الاعتقاد آنذاك أن تغيير الواقع يمر عبر انتصار مشروع سياسي على مشروع آخر. لكن السنوات علمتني أن المشكلة كانت أعمق من ذلك بكثير.
اكتشفت أن كثيرًا من القوى، على اختلاف اتجاهاتها، كانت تتحدث عن الوطن من زاوية مشروعها، أكثر مما كانت تتحدث عن مشروع للوطن نفسه. وأن الانتماءات الفكرية، مهما كانت نبيلة في شعاراتها، تصبح عبئًا عندما تتحول إلى بديل عن الدولة، أو عندما تجعل الحقيقة أسيرة الولاء، لا أسيرة الوقائع.
إذا كان عليّ أن أحدد القيد الذي سعيت إلى التحرر منه، فهو الاعتقاد بأن امتلاك النوايا الحسنة يكفي لصناعة المستقبل. فالتجربة أثبتت أن حسن النية لا يغني عن حسن القراءة، وأن الحماسة لا تغني عن المعرفة، وأن الشعارات لا تعوض غياب المؤسسات.
كما أدركت أن التغيير الحقيقي لا يبدأ بإسقاط خصم سياسي، بل بإعادة بناء الإنسان، وتحرير العقل من التعصب، وتأسيس ثقافة تقبل النقد والمراجعة والاختلاف.
ولهذا تجدني اليوم أكرر الدعوة إلى مراجعة التجارب، لا بدافع جلد الذات، ولا بقصد التنصل من الماضي، وإنما لأنني أؤمن أن الاعتراف بالأخطاء هو بداية تصحيحها، وأن أكثر ما يهدد المجتمعات هو تقديس التجارب والأشخاص، لا نقدهم.
لقد انتقلت مع الزمن من الدفاع عن الأفكار إلى اختبارها، ومن الانشغال بمن كان على حق إلى البحث عما يخدم الحقيقة والمصلحة العامة. وهذا، في رأيي، هو التحرر الحقيقي من قيود الماضي.
فالإنسان لا يكبر عندما يزداد تمسكًا بما كان يؤمن به، وإنما عندما يمتلك الشجاعة لتصويب ما يكتشف أنه كان يحتاج إلى مراجعة، لأن الوفاء للحقيقة أسمى من الوفاء لأي فكرة أو تجربة أو شخص.

■ برأيكم، من يتحمّل المسؤولية الأكبر عن انهيار لبنان: الطبقة السياسية، النظام الطائفي، أم المجتمع الذي قبل بهذا الواقع؟
أعتقد أن البحث عن مسؤول واحد لما وصل إليه لبنان هو تبسيط لمشكلة شديدة التعقيد.
فالطبقة السياسية تتحمل مسؤولية كبيرة لأنها أدارت الدولة بعقلية المحاصصة بدل بناء المؤسسات، والنظام الطائفي أسهم في تكريس الانقسام وإضعاف مفهوم المواطنة، لكن المجتمع أيضًا لا يستطيع أن يعفي نفسه بالكامل من المسؤولية عندما يقبل، عن قصد أو عن عجز، بإعادة إنتاج المنظومة نفسها مرة بعد أخرى.
لقد كتبت مرارًا أن لبنان لم يسقط فجأة، بل دخل النفق منذ أكثر من خمسين عامًا، عندما تراجع مفهوم الوطن لمصلحة المحاور الخارجية، وحلّت الزعامات محل الدولة، وأصبحت الطائفة في نظر كثيرين أكثر قدرة على تأمين الحقوق من المؤسسات الوطنية.
ومنذ ذلك الحين بدأ الانحدار يتراكم. انهارت هيبة الدولة، وضعفت مؤسساتها، وتراجع القضاء، وازدادت التبعية للخارج، وأصبح الاقتصاد يعتمد على الريوع والاستدانة والتحويلات، بدل أن يقوم على الإنتاج والصناعة والزراعة والمعرفة. ثم جاءت السياسات المالية والنقدية الخاطئة، والفساد المستشري، وغياب المحاسبة، لتدفع البلاد نحو الانهيار الذي شهده اللبنانيون في السنوات الأخيرة.
لكنني أرفض أن يتحول المجتمع إلى مجرد ضحية. نعم، المواطن اللبناني تعرض لضغوط هائلة، لكن بناء الدولة لا يتحقق إذا بقيت العلاقة بين المواطن والسياسي قائمة على الزبائنية، أو إذا استمر الولاء للطائفة أو الزعيم يتقدم على الولاء للقانون.
في تقديري، المشكلة الحقيقية ليست فقط في الأشخاص، بل في الثقافة السياسية التي سمحت باستمرار هذا النموذج. فكلما سقط زعيم، أعادت الثقافة نفسها إنتاج زعيم آخر، وكلما تبدلت الحكومات بقيت آليات الحكم كما هي.
لهذا لا أطرح إسقاط أشخاص بوصفه الحل، بل أدعو إلى إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة: دولة تحتكر وحدها السلاح، ويعلو فيها الدستور على موازين القوى، ويكون القضاء فيها مستقلًا، والاقتصاد منتجًا، والتعليم أداة لبناء المواطن لا لإعادة إنتاج الانقسام، ويصبح الانتماء الوطني هو الهوية الجامعة التي تسبق كل الانتماءات الأخرى.
إن الأزمة اللبنانية، في جوهرها، ليست أزمة حكومة أو مجلس نواب أو قانون انتخاب فقط، بل أزمة مفهوم للدولة. وعندما نصحح هذا المفهوم، يصبح إصلاح السياسة والاقتصاد والإدارة نتيجة طبيعية، لا معركة دائمة مع النتائج وترك الأسباب على حالها.
■ هل يمكن للبنان أن ينهض في ظل وجود سلاح خارج الدولة، أم أن الحديث عن دولة حديثة يبقى مجرد شعار؟
هذا السؤال يتجاوز لبنان، لأنه يمس جوهر فكرة الدولة نفسها.
فالدولة، في مفهومها الحديث، لا تقوم على الجغرافيا وحدها، ولا على وجود حكومة أو مجلس نيابي، بل تقوم أولًا على سيادة القانون، ووحدة القرار الوطني، واحتكارها وحدها لحق استخدام القوة. وهذه ليست وجهة نظر سياسية، بل قاعدة دستورية وقانونية قامت عليها جميع الدول المستقرة.
من هنا، فإن أي سلاح يعمل خارج سلطة الدولة، مهما كانت مبررات وجوده أو الظروف التي أدت إليه، يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بوحدة القرار الوطني، وبقدرة الدولة على ممارسة كامل سيادتها ومسؤولياتها تجاه مواطنيها.
لكنني في الوقت نفسه أرفض مقاربة هذه القضية بمنطق التخوين أو التحريض أو الاستثمار السياسي، لأنها قضية وطنية كبرى لا تُعالج بالشعارات، ولا بإثارة الغرائز، ولا بمحاولة إلغاء أي مكوّن من مكونات المجتمع اللبناني.
لقد دفعت المقاومة، ولا سيما في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، أثمانًا كبيرة وقدمت تضحيات لا يمكن إنكارها أو تجاوزها. وفي المقابل، فإن بناء الدولة القادرة والعادلة يقتضي أن تكون المرجعية النهائية في السلم والحرب والدفاع والسياسة الخارجية هي الدولة اللبنانية وحدها، لأنها الإطار الجامع لكل اللبنانيين.
من هنا أرى أن المطلوب ليس صراعًا بين الدولة والمقاومة، ولا انتصار فريق على آخر، بل انتقالًا وطنيًا مسؤولًا من واقع فرضته ظروف تاريخية معينة إلى واقع جديد تصبح فيه الدولة، بمؤسساتها الدستورية وجيشها الوطني، صاحبة القرار والسيادة الكاملة.
وهذا الانتقال لا ينجح إلا إذا ترافق مع بناء دولة حقيقية يشعر جميع اللبنانيين بأنها تحميهم جميعًا، وتحقق العدالة بينهم، وتدافع عن أرضهم وحقوقهم، وتضع استراتيجية دفاعية وطنية واضحة، تنطلق من المصلحة اللبنانية العليا، لا من موازين القوى الداخلية أو الإقليمية.
لقد كتبت أكثر من مرة أن السلاح المتفلت هو نتيجة، وغياب الدولة هو السبب. فإذا بقينا نعالج النتيجة ونتجاهل السبب، فلن نصل إلى حل دائم. أما إذا بدأنا ببناء دولة عادلة وقوية وموثوقة، فإن كثيرًا من الإشكاليات التي تبدو اليوم مستعصية ستصبح قابلة للحل ضمن إطار الحوار والثقة والمصلحة الوطنية.
إنني أحلم بلبنان لا يكون فيه أي لبناني مضطرًا للبحث عن حمايته خارج دولته، ولا تشعر فيه أي فئة بأنها تحتاج إلى قوة موازية للدولة كي تطمئن إلى مستقبلها. فحين تصبح الدولة وطن الجميع فعلًا، تصبح السيادة واقعًا معاشًا، لا شعارًا يُرفع في المناسبات.
وأنا على يقين أن مستقبل لبنان لا يمكن أن يُبنى إلا على معادلة واحدة: دولة قوية، وجيش قوي، وقانون واحد، ومواطنون متساوون، وقرار وطني واحد، لأن تعدد مراكز القرار هو الطريق الأقصر إلى استمرار الأزمات، لا إلى إنهائها.
■ هل تعتقدون أن القوى السياسية الحالية قادرة على الإصلاح، أم أن التغيير يحتاج إلى سقوط كامل للنظام القائم؟
لا أؤمن بمنطق الهدم من أجل الهدم، كما لا أؤمن بأن الإصلاح يمكن أن يتحقق من خلال تدوير الأزمة وإعادة إنتاجها.
لقد علمتنا التجارب، في لبنان وفي العالم العربي، أن إسقاط الأنظمة لا يعني بالضرورة قيام دول أفضل. فكثير من الثورات انتهت إلى الفوضى، وكثير من الانقلابات أنتجت استبدادًا جديدًا، لأن المشكلة لم تكن في الأشخاص وحدهم، بل في غياب المؤسسات، وضعف الثقافة الديمقراطية، وافتقار المجتمعات إلى مشروع وطني جامع.
ولهذا كنت أميز دائمًا بين التغيير والثورة. فالتغيير بالنسبة إليّ عملية تاريخية متراكمة، تقوم على بناء الإنسان والمؤسسات، بينما قد تتحول الثورة، إذا افتقدت الرؤية، إلى مجرد استبدال سلطة بأخرى دون معالجة الأسباب العميقة للأزمة.
لا أعتقد أن القوى السياسية الحالية، بصيغتها وأدواتها وثقافتها، قادرة وحدها على إنتاج الإصلاح الذي يحتاجه لبنان، لأنها في معظمها نشأت في ظل النظام نفسه، وتأثرت بآلياته، واستفادت من توازناته. لكنني في المقابل لا أرى أن الحل يكمن في إلغاء الجميع والبدء من الصفر، لأن الدول لا تُبنى بالفراغ.
ما يحتاجه لبنان هو ولادة ثقافة سياسية جديدة، تسبق ولادة طبقة سياسية جديدة. ثقافة تؤمن بأن السلطة وسيلة لخدمة المجتمع لا غاية بحد ذاتها، وأن المعارضة ليست تعطيلًا، وأن الحكم ليس محاصصة، وأن الدولة ليست غنيمة تتقاسمها القوى المتنافسة.
ولهذا أرى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة بناء المؤسسات الدستورية، وتعزيز استقلال القضاء، وإقرار قانون انتخاب يحرر الحياة السياسية تدريجيًا من القيد الطائفي، وتطوير التعليم ليصبح مصنعًا للمواطنة، وإطلاق اقتصاد منتج يحد من الارتهان السياسي الذي يصنعه الفقر والبطالة.
إنني لا أراهن على الأشخاص بقدر ما أراهن على تغيير قواعد اللعبة نفسها. فعندما تصبح المؤسسات أقوى من الأفراد، والقانون أقوى من النفوذ، والمحاسبة أقوى من الحصانة، عندها يصبح أي مسؤول، مهما كان اسمه، ملزمًا بالعمل ضمن الدولة، لا فوقها.
لذلك فإن مستقبل لبنان، في تقديري، لن يصنعه سقوط هذا الفريق أو ذاك، بل نجاح اللبنانيين في الانتقال من دولة المحاصصة إلى دولة المواطنة، ومن ثقافة الزعيم إلى ثقافة المؤسسة، ومن إدارة الأزمات إلى بناء الدولة.
إن بناء الدولة ليس حدثًا سياسيًا عابرًا، بل مشروعًا حضاريًا طويل النفس، يبدأ بتغيير طريقة التفكير، قبل أن يظهر في نتائج الانتخابات أو تبدل الحكومات.
■ هل كان انتقالكم إلى الخليج العربي هروبًا من واقع سياسي لم يعد يُحتمل، أم بحثًا عن مساحة تأثير أكبر؟
الجواب
لم يكن انتقالي إلى الخليج هروبًا من الوطن، لأن الإنسان لا يهرب من وطنه مهما اشتدت الظروف، وإنما قد يضطر إلى الابتعاد عنه بحثًا عن فرصة حياة كريمة، أو حفاظًا على مستقبل أسرته، أو أملاً في أن يعود يومًا وهو أكثر قدرة على العطاء.
لقد غادرت لبنان عام 2002 في ظل ظروف سياسية وأمنية واقتصادية كانت تضيق يومًا بعد يوم، وكان كثير من اللبنانيين يعيشون الشعور نفسه. لكنني لم أغادر قضايا لبنان، ولم أغادر همومه، بل حملتها معي أينما ذهبت.
وفي الخليج اكتشفت تجربة مختلفة. رأيت كيف يمكن للاستقرار أن يتحول إلى تنمية، وكيف يصبح التخطيط أساسًا للإنجاز، وكيف تقاس نجاحات الدول بما تقدمه لمواطنيها من تعليم وصحة وبنية تحتية وفرص عمل، لا بحجم الخطابات السياسية.
كانت تلك التجربة فرصة لإعادة النظر في كثير من الأفكار التي حملناها في شبابنا. فقد أدركت أن بناء الاقتصاد لا يقل أهمية عن العمل السياسي، وأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل أيضًا بقوة مؤسساتها، وكفاءة إدارتها، وفاعلية اقتصادها، واحترامها للقانون.
كما أتاح لي العمل في التجارة والصناعة الاحتكاك المباشر بالاقتصاد الحقيقي، لا الاقتصاد النظري. فتعلمت أن الإنتاج هو أساس الاستقلال، وأن المجتمعات التي تستهلك أكثر مما تنتج تبقى رهينة للخارج مهما رفعت من شعارات.
ومن هنا اتسعت دائرة اهتمامي، فلم تعد الكتابة السياسية وحدها تشغلني، بل أصبحت أكتب عن الاقتصاد، والتعليم، والشباب، والرأسمالية المتوحشة، وأزمة الدولة، والتحولات الدولية، لأنني أصبحت أكثر اقتناعًا بأن أزماتنا مترابطة، ولا يمكن فهم السياسة بمعزل عن الاقتصاد، ولا الاقتصاد بمعزل عن الثقافة، ولا الثقافة بمعزل عن الإنسان.
ولعل أهم ما منحني إياه الابتعاد الجغرافي هو الاقتراب الفكري. فالمسافة أحيانًا تساعد الإنسان على رؤية الصورة كاملة، بعيدًا عن ضجيج التفاصيل اليومية، وتمنحه فرصة للمراجعة الهادئة، والتخلص من كثير من الأحكام المسبقة التي تفرضها لحظة الصراع.
لهذا لم يكن انتقالي انتقالًا من وطن إلى آخر، بل انتقالًا من مرحلة في حياتي إلى مرحلة جديدة، انتقلت فيها من العمل السياسي المباشر إلى محاولة فهم أعمق لأسباب أزماتنا، والبحث عن حلول تنطلق من بناء الإنسان والدولة، لا من الانتصار لهذا الفريق أو ذاك.
وأستطيع القول اليوم إن الغربة لم تُضعف انتمائي، بل عمّقته. لأنها جعلتني أكثر إدراكًا لقيمة الوطن عندما يكون دولة، وأكثر إيمانًا بأن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأوطاننا ليس الخطابات، بل الأفكار التي تساعدها على النهوض، والعمل الذي يترجم تلك الأفكار إلى واقع.
■ تكتبون عن "النضال بالقلم"... هل تعتقدون أن الكتابة اليوم ما زالت قادرة على إحداث تغيير حقيقي، أم أنها مجرد صرخة في الفراغ؟
لو كنت أعتقد أن الكلمة فقدت قدرتها على التأثير، لكنت توقفت عن الكتابة منذ زمن.
صحيح أن الكلمة لا توقف حربًا، ولا تحرر أرضًا، ولا تبني اقتصادًا بمفردها، لكنها تصنع الشيء الذي يسبق كل ذلك، وهو الوعي. وكل تغيير حقيقي في التاريخ بدأ بفكرة، ثم تحول إلى قناعة، ثم إلى إرادة، ثم إلى فعل.
لهذا انتقلت من النضال السياسي المباشر إلى النضال بالقلم، ليس لأنني فقدت الإيمان بالفعل، بل لأنني أصبحت أكثر اقتناعًا بأن أزمة عالمنا العربي ليست أزمة قوة فحسب، بل أزمة وعي أيضًا.
خذ قضية فلسطين مثالًا.
لقد كانت فلسطين، وما زالت، قضية حق تاريخي وإنساني وقومي، وهي بالنسبة إليّ ليست مجرد نزاع على حدود، بل قضية شعب اقتُلع من أرضه، وتعرض ولا يزال يتعرض لاحتلال واستيطان وتهجير وسياسات تناقض أبسط مبادئ العدالة والقانون الدولي.
كما أنني أرى بوضوح أن المشروع الصهيوني لم يكن يومًا مشروعًا محصورًا بفلسطين وحدها، بل مشروعًا توسعيًا ارتبط منذ نشأته بإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحه الاستراتيجية، مستفيدًا من الانقسام العربي، وضعف الدولة الوطنية، والتنافس الإقليمي، والدعم الغربي غير المحدود الذي حظي به على مدى عقود.
لكن في المقابل، أعتقد أننا أخطأنا كثيرًا عندما اكتفينا برفع الشعارات، أو عندما تحول الحديث عن فلسطين عند بعض الأنظمة والقوى إلى وسيلة لتبرير الإخفاقات الداخلية، أو إلى أداة في الصراعات العربية، بينما بقيت عناصر القوة الحقيقية تتراجع عامًا بعد عام.
إن الدفاع عن فلسطين لا يتعارض مع بناء الدولة، بل يبدأ منها. لأن الأمة التي تعجز عن بناء دولة عادلة، واقتصاد منتج، وتعليم متطور، ومؤسسات قوية، يصعب عليها أن تخوض صراعًا طويلًا مع مشروع يمتلك كل أدوات القوة العلمية، والاقتصادية والعسكرية والإعلامية.
لقد علمتنا التجارب أن الانتصارات العسكرية، مهما كانت أهميتها، لا تتحول إلى إنجازات تاريخية ما لم تسندها نهضة شاملة في الإنسان، والاقتصاد، والعلم، والإدارة، والوحدة الوطنية.
ومن هنا أقول إن مقاومة الاحتلال حق مشروع تكفله القوانين الدولية، لكن المحافظة على هذا الحق وتحويله إلى إنجاز دائم يحتاج إلى مشروع حضاري متكامل، لا إلى ردود فعل متفرقة.
لهذا أكتب.
أكتب لأنني أؤمن أن تحرير الأرض يبدأ بتحرير العقل من الجهل، ومن التعصب، ومن الارتهان، ومن ثقافة الهزيمة. وأكتب لأنني أؤمن أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وأن بناء الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي لا يهزم.
قد لا تغيّر مقالة واحدة الواقع، لكن آلاف الأفكار الصادقة، عندما تتراكم، قادرة على تغيير ثقافة مجتمع بأكمله. ولهذا لم أشعر يومًا أن الكتابة صرخة في الفراغ، بل أعتبرها مساهمة متواضعة في معركة طويلة عنوانها: بناء الإنسان، وبناء الدولة، واستعادة الأمة لقدرتها على صناعة مستقبلها.
■ ما المشروع الذي تعملون عليه اليوم، ولماذا لم يتحول حتى الآن إلى مبادرة سياسية أو حركة فكرية منظمة؟
أعتقد أن أكبر خطأ وقعنا فيه خلال العقود الماضية هو أننا ركزنا على تغيير الأنظمة والأشخاص، أكثر مما ركزنا على تغيير الثقافة التي أنتجت تلك الأنظمة والأشخاص.
لهذا لم يكن همّي تأسيس حزب سياسي جديد، ولا إضافة تنظيم آخر إلى عشرات التنظيمات الموجودة، لأنني أرى أن أزمة لبنان، كما أزمة كثير من الدول العربية، ليست نقصًا في الأحزاب، بل نقصًا في المشروع الحضاري الذي يجمع بين الدولة، والإنسان والاقتصاد والثقافة.
ما أعمل عليه اليوم هو مشروع فكري يقوم على إعادة قراءة التجربة اللبنانية والعربية بكل شجاعة، بعيدًا عن التقديس أو التخوين، واستخلاص الدروس التي تمكننا من الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
إنني أؤمن بأن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأن بناء الإنسان يبدأ ببناء الوعي، وأن الوعي لا يعني امتلاك المعلومات، بل القدرة على النقد، والمراجعة، واحترام الحقيقة، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الفئوية والشخصية.
ومن هنا أصبحت قناعتي أكثر رسوخًا بأن النهضة ليست مشروعًا سياسيًا فحسب، بل مشروعًا حضاريًا متكاملاً، تتكامل فيه السياسة مع الاقتصاد، والتعليم مع الثقافة، والحرية مع المسؤولية، والحقوق مع الواجبات.
وعلى المستوى الاقتصادي، أرى أن العالم العربي يحتاج إلى مراجعة لا تقل أهمية عن المراجعة السياسية.
لقد دفعت مجتمعاتنا ثمن نماذج اقتصادية متناقضة؛ فمن جهة عرفنا اقتصاد الدولة الذي قيد المبادرة الفردية وأضعف الإنتاج، ومن جهة أخرى شهدنا نماذج من الرأسمالية المتوحشة التي راكمت الثروات في أيدي قلة، وأضعفت الطبقة الوسطى، وحولت الإنسان إلى مجرد رقم في معادلات الربح والخسارة.
أما ما أؤمن به فهو اقتصاد يقوم على الحرية المسؤولة؛ اقتصاد يطلق طاقات الإنسان على الإبداع والعمل والاستثمار، ويحمي في الوقت نفسه المجتمع من الاحتكار والاستغلال والفساد.
أؤمن بالمبادرة الفردية، لأنها مصدر الابتكار والتقدم، وبالاقتصاد الحر، لأنه الأكثر قدرة على إنتاج الثروة عندما يخضع لسيادة القانون والشفافية والمنافسة العادلة، لكنني أؤمن أيضًا بأن الحرية الاقتصادية لا تنفصل عن المسؤولية الاجتماعية، وأن السوق لا يستطيع وحده أن يحقق العدالة، كما أن الدولة لا تستطيع وحدها أن تصنع التنمية.
ولهذا أرى أن المستقبل يقوم على الثقافة التشاركية؛ شراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وبين الجامعات ومراكز البحث، وبين المستثمر والعامل، وبين رأس المال الوطني والكفاءات البشرية، لأن التنمية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مجتمع كامل.
كما أنني أؤمن بأن الثروة الحقيقية ليست النفط، ولا المال، ولا الموارد الطبيعية، بل الإنسان المتعلم، الحر، المبدع، القادر على تحويل المعرفة إلى إنتاج، والإنتاج إلى نهضة.
لذلك فإن المشروع الذي أحاول أن أساهم فيه لا يبحث عن الوصول إلى السلطة، بل عن المساهمة في بناء البيئة التي تجعل السلطة خاضعة للدستور، وتجعل الاقتصاد في خدمة الإنسان، وتجعل التعليم مصنعًا للمواطنة، وتجعل الثقافة قوة تغيير لا مجرد نشاط فكري.
قد يبدو هذا الطريق أطول من العمل السياسي المباشر، لكنه في اعتقادي الطريق الأكثر رسوخًا. فالدول لا تتغير بخطاب، ولا بانتخابات وحدها، وإنما تتغير عندما يتغير الإنسان الذي يصنع السياسة، ويقود الاقتصاد، ويبني المؤسسات، ويحمي القانون.
■ هل تتوقعون أن لبنان قادر على الخروج من أزمته خلال العقد المقبل، أم أننا أمام انهيار طويل الأمد؟
لست من أنصار التفاؤل المجاني، كما أنني لا أنتمي إلى مدرسة التشاؤم التي ترى المستقبل امتدادًا حتميًا للحاضر.
الدول لا تموت، لكنها قد تدخل مراحل طويلة من التعثر عندما تعجز عن مراجعة أسباب أزماتها.
ولبنان، في تقديري، لا يعاني من أزمة مالية أو اقتصادية أو سياسية فحسب، بل من أزمة في مفهوم الدولة، وفي العلاقة بين المواطن ومؤسساتها، وفي طبيعة النظام الذي أدار البلاد لعقود طويلة.
ولهذا فإن أي معالجة تقتصر على انتخاب رئيس، أو تشكيل حكومة، أو إقرار موازنة، أو الحصول على مساعدات خارجية، لن تكون سوى معالجة للأعراض، بينما يبقى المرض قائمًا.
أنا لا أقلل من أهمية الإصلاحات المالية، ولا من ضرورة إعادة هيكلة الاقتصاد، ولا من أهمية استعادة الثقة بالقطاع المصرفي، لكنني أرى أن كل ذلك لن يصمد إذا لم يسبقه إصلاح سياسي وقضائي وإداري يعيد للدولة هيبتها، وللقانون مكانته، وللمواطن ثقته.
لبنان يمتلك كل المقومات التي تؤهله للنهوض؛ موقعًا جغرافيًا مميزًا، وطاقات بشرية منتشرة في العالم، وجامعات، وخبرات، وروح مبادرة، وتراثًا ثقافيًا وحضاريًا غنيًا. لكن هذه المقومات بقيت معطلة لأن الدولة لم تستطع تحويلها إلى مشروع وطني جامع.
وأنا أعتقد أن المستقبل لن يكون امتدادًا للماضي إذا امتلك اللبنانيون الشجاعة للانتقال من عقلية إدارة الطوائف إلى عقلية إدارة الدولة، ومن اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج، ومن الزبائنية إلى تكافؤ الفرص، ومن الاستقواء بالخارج إلى بناء عناصر القوة في الداخل.
إنني لا أبحث عن دولة مثالية، فمثل هذه الدولة لا وجود لها، وإنما عن دولة قابلة للحياة، تحترم دستورها، ويخضع الجميع فيها للقانون، وتكون مؤسساتها أقوى من الأشخاص، ويصبح فيها النجاح نتيجة للكفاءة، لا للواسطة أو الانتماء.
قد يستغرق هذا التحول سنوات، وربما جيلاً كاملاً، لكنه ليس مستحيلاً.
فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنهض عندما تتغير الظروف، بل عندما تقرر هي أن تتغير.
ولهذا فإنني لا أراهن على الزمن، بل على الإنسان.
أراهن على جيل جديد يتعلم من أخطاء من سبقه، ولا يحمل أحقاد الماضي، ولا يستسلم لليأس، ويؤمن أن الوطن لا يُورث كما هو، بل يُبنى في كل جيل من جديد.
لهذا، ورغم كل ما مر به لبنان، ما زلت أؤمن بأنه قادر على النهوض، ليس لأن الأزمات ستنتهي وحدها، بل لأن إرادة البناء، إذا اقترنت بالوعي والعمل، تبقى أقوى من أي أزمة مهما طالت.
■ شهد لبنان مراحل من الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة ثم التحرير. كيف تقرأ هذه التجربة اليوم؟ وما الذي يحتاجه لبنان لاستكمال سيادته واستعادة قراره الوطني؟
يصعب تناول هذه التجربة بمنطق الانحياز أو الإنكار، لأنها واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في تاريخ لبنان الحديث.
لقد تعرض لبنان لاعتداءات إسرائيلية متكررة واحتلال مباشر لأجزاء واسعة من أراضيه، وما كان لأي شعب يحترم كرامته أن يقبل بذلك. ومن هذا المنطلق، فإن مقاومة الاحتلال كانت حقًا مشروعًا، كفلته الشرائع الدولية، وأسهمت التضحيات التي قدمها المقاومون، إلى جانب صمود أبناء الجنوب والجيش اللبناني وكل القوى الوطنية، في الوصول إلى تحرير معظم الأرض اللبنانية عام 2000، وهو إنجاز وطني وتاريخي يجب أن يُحفظ في ذاكرة اللبنانيين، بعيدًا عن المزايدات أو محاولات المصادرة.
لكن التاريخ لا يتوقف عند لحظة التحرير.
فالتحدي الأكبر بعد استعادة الأرض كان، وما يزال، يتمثل في كيفية استكمال بناء الدولة اللبنانية، بحيث تصبح قادرة على حماية السيادة، وصون الإنجاز، ومنع أي عدوان جديد، من خلال مؤسساتها الدستورية وجيشها الوطني واستراتيجية دفاعية يتوافق عليها اللبنانيون جميعًا.
إن السيادة، في مفهومها، ليست مجرد تحرير الأرض، بل هي أيضًا وحدة القرار الوطني، واستقلال الإرادة السياسية، وخضوع الجميع للدستور والقانون، وقدرة الدولة على إدارة علاقاتها الخارجية انطلاقًا من المصلحة الوطنية وحدها.
وأعتقد أن لبنان دفع أثمانًا باهظة عندما تحول، في مراحل مختلفة، إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين وصراعاتهم. فلا الاحتلال الإسرائيلي كان في مصلحة لبنان، ولا الوصايات الخارجية، ولا الانقسامات الداخلية التي جعلت القرار الوطني موزعًا بين أكثر من مرجعية.
إنني أؤمن أن لبنان لا يستطيع أن يعيش في عزلة عن محيطه العربي، كما لا يستطيع أن يكون تابعًا لأي محور إقليمي أو دولي. قوته الحقيقية تكمن في وحدته الداخلية، وفي بناء دولة عادلة وقادرة، تحمي حدودها، وتدافع عن حقوقها، وتحتكر وحدها القرار السيادي.
كما أؤمن بأن الخطر الإسرائيلي لم ينتهِ، فالمشروع الصهيوني ما زال يشكل تحديًا حقيقيًا لفلسطين وللأمن القومي العربي، وهذا يفرض على الدول العربية أن تنتقل من إدارة ردود الأفعال إلى بناء عناصر القوة الشاملة: العلم، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والجيش، والوحدة الوطنية، لأن الأمن لا يُبنى بالشعارات وحدها.
إن حلمي للبنان هو أن يجمع بين أمرين لا يتعارضان، بل يكمل أحدهما الآخر: وطن محرر من أي احتلال أو عدوان، ودولة قوية تمتلك وحدها القرار الوطني، ويشعر جميع أبنائها بأنهم شركاء متساوون في الدفاع عنها وبنائها.
■ ما الشيء الذي تخشونه اليوم أكثر: الفوضى، الاستبداد، أم فقدان الأمل؟
إذا كان عليّ أن أختار، فسأقول إن أكثر ما أخشاه هو فقدان الأمل. فالاستبداد، مهما طال، إلى زوال. والفوضى، مهما اتسعت، لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. أما عندما يفقد الإنسان الأمل، فإنه يتوقف عن المحاولة، وعندها تبدأ الهزيمة الحقيقية.
لكنني لا أقصد بالأمل ذلك التفاؤل الذي يتجاهل الواقع، وإنما الأمل المبني على المعرفة والعمل والإرادة.
لقد عشت الحرب، وشهدت الاحتلال، والانقسامات، والانهيارات الاقتصادية، والهجرة، ورأيت دولًا تنهض بعد أن ظن العالم أنها انتهت، ورأيت دولًا تتراجع رغم ما كانت تملكه من إمكانات. ولهذا أصبحت أكثر اقتناعًا بأن مستقبل الشعوب لا تحدده الأزمات وحدها، بل تحدده قدرتها على التعلم منها.
أخشى أيضًا أن نفقد قدرتنا على الحوار.
لقد أصبح الاختلاف، في كثير من الأحيان، سببًا للعداء، بينما الأصل أن يكون مصدرًا للإغناء. فلا مجتمع يمكن أن يتقدم إذا تحولت السياسة إلى كراهية، والدين إلى وسيلة للإقصاء، والثقافة إلى أداة للتخوين.
إن التنوع، في رأيي، ليس مشكلة، بل ثروة. والمشكلة تبدأ عندما نعجز عن إدارة هذا التنوع في إطار دولة عادلة تحمي الجميع، وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات.
كما أخشى أن تستمر هجرة العقول والشباب العربي. فأخطر ما يمكن أن تخسره أمة ليس المال، بل الإنسان القادر على صناعة المستقبل. وحين يصبح حلم الشاب أن يغادر وطنه بدل أن يبنيه، فهذا يعني أن الخلل لم يعد اقتصاديًا فقط، بل حضاريًا أيضًا.
ومع ذلك، فإنني لا أكتب بدافع الخوف، بل بدافع المسؤولية. أكتب لأنني أؤمن أن الإنسان خُلق ليبني، لا ليهدم، وليتعاون، لا ليتناحر، وليترك للأجيال القادمة وطنًا أفضل مما ورثه.
ولعل ما يمنحني هذا الإيمان هو أنني، رغم كل ما شهدته، ما زلت أرى في الإنسان قدرة لا تنضب على النهوض متى امتلك الحرية، والعلم، والعدالة، والإرادة.
ولهذا لا أخاف من المستقبل بقدر ما أخاف أن نستسلم له، لأن الاستسلام هو الهزيمة الوحيدة التي لا يمكن تحويلها إلى انتصار.
■ لو عاد الزمن إلى عام 1975، هل كنتم ستنخرطون في العمل السياسي أم كنتم ستختارون طريقًا مختلفًا تمامًا؟
هذا من أصعب الأسئلة، لأن الإنسان عندما ينظر إلى الماضي بعين الحاضر، يكون قد امتلك من المعرفة ما لم يكن متاحًا له آنذاك.
لو عاد بي الزمن بنفس الوعي الذي أملكه اليوم، لا شك أنني كنت سأختار طريقًا مختلفًا في كثير من التفاصيل، لكنني لا أعتقد أنني كنت سأتخلى عن الشأن العام، لأن الدفاع عن الإنسان والوطن لم يكن يومًا خيارًا عابرًا في حياتي، بل كان جزءًا من تكويني.
ما كنت سأغيره هو طريقة النضال، لا جوهر القضية. كنت سأمنح مساحة أكبر للعلم، وللاقتصاد، وللتربية، ولثقافة الحوار، ولإعداد الإنسان، لأنني أصبحت مقتنعًا بأن بناء الأوطان يبدأ في المدرسة والجامعة والمصنع ومختبر البحث العلمي، قبل أن يبدأ في البرلمان أو في أي موقع سياسي.
ولو عاد بي الزمن، لكنت أكثر حذرًا من الوقوع في أسر الشعارات، وأكثر تمسكًا بطرح الأسئلة الصعبة، لأنني تعلمت أن أخطر ما يصيب أي قضية عادلة هو أن تتحول إلى مسلمات لا يجوز الاقتراب منها بالنقد أو المراجعة.
كما كنت سأحرص منذ البداية على أن يبقى الانتماء للوطن فوق أي انتماء آخر، وأن تبقى الدولة هي الإطار الجامع الذي يحمي الجميع، لأن التجربة أثبتت أن تعدد الولاءات، مهما كانت مبرراته، يضعف الدولة ويستنزف المجتمع.
وفي الوقت نفسه، لا أستطيع أن أتنكر لذلك الجيل أو أن أحاكمه خارج ظروفه.
لقد عاش جيلي في زمن كانت فيه المنطقة بأسرها تغلي بالحروب، والاحتلالات، والانقلابات، والمشاريع الأيديولوجية الكبرى، وكان من الطبيعي أن يتأثر الشباب بما يدور حولهم، وأن يندفعوا دفاعًا عما كانوا يعتقدون أنه الحق.
لكن التجارب الكبرى لا تُقاس فقط بما حققته، بل أيضًا بما علمته للأجيال اللاحقة. ولهذا فإنني لا أرى أن رسالتنا اليوم هي تكرار معارك الماضي، بل استخلاص حكمتها.
رسالتنا أن نقول للشباب إن الوطن لا يُبنى بالكراهية، ولا بإلغاء الآخر، ولا بالارتهان للخارج، بل ببناء الإنسان الحر، والدولة العادلة، والاقتصاد المنتج، والثقافة التي تجعل الاختلاف مصدرًا للإبداع لا سببًا للصراع.
ولو عاد بي الزمن، لفعلت شيئًا واحدًا بصورة أعمق وأبكر: كنت سأستثمر في بناء الوعي أكثر مما استثمرت في خوض الصراعات، لأنني أدركت أن الأفكار التي تبني الإنسان تبقى، أما الصراعات، مهما علت أصواتها، فإنها تنتهي ويبقى أثرها في الذاكرة والتاريخ.
■ ما هو حلمكم الذي لم يتحقق بعد؟
كلما تقدمت في العمر، أدركت أن الأحلام تكبر أكثر مما تصغر. في بدايات الشباب، كان الحلم يرتبط بالسياسة، وبالقدرة على تغيير الواقع، وبالانتصار لقضية أو مشروع. أما اليوم، وبعد رحلة طويلة مع الحياة والعمل والفكر، فقد أصبحت الأحلام أكثر هدوءًا، لكنها أكثر عمقًا.
لم يعد حلمي أن ينتصر فريق على آخر، ولا أن ينتصر فكر على فكر، بل أن ينتصر الإنسان. أحلم بوطن لا يُسأل فيه الإنسان عن طائفته قبل كفاءته، ولا عن انتمائه قبل مواطنته، ولا عن ولائه لهذا الزعيم أو ذاك قبل إخلاصه لوطنه. أحلم بدولة لا يخاف فيها المواطن من القانون، بل يشعر أن القانون هو حمايته الأولى.
أحلم باقتصاد يفتح الأبواب أمام الشباب ليبدعوا وينتجوا ويؤسسوا مشاريعهم، فلا تتحول الهجرة إلى حلمهم الوحيد، ولا يصبح الفقر قدرًا يلاحقهم جيلاً بعد جيل.
وأحلم بأمة عربية تستعيد ثقتها بنفسها، لا من خلال الخطابات، بل من خلال العلم، والإنتاج، والبحث العلمي، والحرية، واحترام الإنسان، لأن الأمم لا تستعاد أمجادها باستحضار الماضي، وإنما بصناعة المستقبل.
كما أحلم بأن يأتي يوم تصبح فيه فلسطين دولة حرة مستقلة، يعيش شعبها بكرامة وأمن على أرضه، وأن ينعم لبنان بسيادة كاملة، ودولة قوية، ومجتمع متصالح مع نفسه، وأن تتحول منطقتنا من ساحات للحروب إلى فضاء للتعاون والتنمية.
لكن إذا سألتني عن الحلم الأعمق، فسأقول إنه إعادة الاعتبار للإنسان.
لقد استنزفتنا الحروب، والأيديولوجيات، والانقسامات، حتى أصبح الإنسان، الذي يفترض أن يكون غاية كل مشروع، مجرد وسيلة في صراعات السياسة والاقتصاد والمصالح.
وأنا أؤمن أن أعظم مشروع يمكن أن تعمل عليه البشرية هو أن تعيد للإنسان مكانته، وكرامته، وحريته، وحقه في المعرفة والعمل والإبداع والحياة الآمنة.
ولعل ما أتمناه أكثر من أي شيء آخر هو أن تتعلم الأجيال الجديدة مما أخطأنا فيه نحن، وأن تبدأ من حيث انتهت تجاربنا، لا أن تعيدها من جديد.
وأخيرًا...
بعد كل هذه السنوات، اكتشفت أن القوة وحدها لا تبني حضارة، والثروة وحدها لا تصنع سعادة، والسياسة وحدها لا تبني وطنًا.
الذي يصنع الحضارات، في نهاية المطاف، هو الإنسان عندما يجتمع في قلبه العقل، والحرية والعدالة والمحبة.
وأنا ما زلت أؤمن أن الحب هو أعلى درجات الوعي؛ حب الإنسان، وحب الوطن، وحب الحقيقة، وحب العمل، وحب الخير للآخرين.
فعندما يحضر الحب بهذا المعنى، تتراجع الكراهية، ويصبح الحوار ممكنًا، ويغدو الاختلاف مصدرًا للإبداع لا للصراع، وتصبح السياسة وسيلة لخدمة الإنسان، لا ميدانًا للغلبة عليه.
ذلك هو الحلم الذي ما زلت أحمله... وأرجو أن تحمله الأجيال القادمة من بعدنا، لأنه وحده الكفيل بأن يجعل المستقبل أفضل من الماضي.
■ بعد هذه الرحلة الطويلة في السياسة والفكر والعمل والحياة، كيف تود أن يذكرك الناس؟
لم أفكر يومًا في أن يذكرني الناس بمنصب، أو بانتماء سياسي، أو بصفة إعلامية، لأن كل هذه أمور تزول مع الزمن.
إذا كان لي من أمنية، فهي أن يقال إن هذا الرجل حاول، بقدر ما استطاع، أن يكون صادقًا مع نفسه، وأن يبحث عن الحقيقة أكثر مما بحث عن الانتصار لنفسه.
لقد مررت بمحطات كثيرة، أصبت في بعضها، وأخطأت في بعضها الآخر، لكنني لم أتوقف يومًا عن مراجعة نفسي، لأنني أؤمن أن الإنسان لا يفقد قيمته عندما يخطئ، بل عندما يرفض الاعتراف بخطئه.
وأتمنى أن أكون قد تركت فكرة نافعة، أو دفعت شابًا إلى التفكير بدل التقليد، أو شجعت إنسانًا على أن يؤمن بأن الحوار أقوى من الكراهية، وأن العلم أقوى من الجهل، وأن بناء الدولة أشرف من الصراع على السلطة.
لا أريد أن أتذكر بوصفـي معارضًا لهذا أو مؤيدًا لذاك، بل بوصفـي إنسانًا آمن بأن كرامة الإنسان هي أساس كل مشروع، وأن الوطن لا يبنى إلا بالمواطنة، والعدل، وسيادة القانون، والإنتاج، واحترام الاختلاف.
وأدرك أن الإنسان يرحل، لكن ما يبقى بعده ليس ما امتلكه، بل ما تركه في عقول الناس وقلوبهم.
فإذا نجحت، من خلال كلمة أو فكرة أو موقف، في أن أزرع بذرة وعي، أو أن أخفف من حدة انقسام، أو أن أفتح نافذة أمل أمام شاب فقد ثقته بمستقبله، فأعتقد أن ذلك سيكون أعظم تكريم يمكن أن أناله.
ولهذا لا أشغل نفسي كثيرًا بكيف سيذكرني الناس، بقدر ما أشغل نفسي بالسؤال الذي أطرحه على نفسي كل يوم:
وهذا هو الإرث الذي أتمنى أن أتركه: أن الإنسان هو البداية وهو الغاية، وأن الأوطان لا تبنى بالغلبة، بل بالوعي، والعدل، والعمل، والمحبة. وبعد نصف قرن من التجربة، ما زلت أؤمن أن أعظم انتصار لا يتحقق على الآخرين، بل على الجهل، والتعصب، والخوف. وعندما ينتصر الإنسان على هذه القيود، يصبح بناء الوطن ممكنًا، ويصبح المستقبل وعدًا يمكن تحقيقه، لا حلمًا مؤجلًا.

■ كلمة إلى قراء بيروت تايمز
أتوجه بدايةً بالشكر إلى إدارة صحيفة بيروت تايمز على هذه المساحة الحرة للحوار، وإلى كل قارئ يمنح وقته لفكرة، لأن القراءة في زمن السرعة أصبحت فعل اهتمام ومسؤولية. أما رسالتي، فهي ليست إلى اللبنانيين وحدهم، بل إلى كل عربي، في الوطن والاغتراب.
لقد عشنا عقودًا طويلة مثقلة بالحروب والانقسامات والاحتلالات والأزمات الاقتصادية، واختلفنا في السياسة، وتباينت قراءاتنا للتاريخ، لكن ما يجب ألا نختلف عليه هو حق الإنسان في أن يعيش حرًا، كريمًا، آمنًا، في وطن تحكمه العدالة وسيادة القانون.
إن الأوطان لا تبنى بالكراهية، ولا بالانتقام، ولا بإلغاء الآخر، ولا بالارتهان للخارج، بل تُبنى عندما يصبح الإنسان قيمة عليا، وعندما تتحول الدولة إلى مظلة للجميع، لا إلى ساحة يتغلب فيها فريق على آخر.
رسالتي إلى الشباب بصورة خاصة: لا تسمحوا لأحد أن يسرق منكم حقكم في التفكير الحر. اقرؤوا التاريخ، لكن لا تعيشوا أسرى له. استفيدوا من تجارب من سبقكم، لكن لا تكرروا أخطاءهم. اسألوا دائمًا، وابحثوا دائمًا، ولا تجعلوا الانتماء يمنعكم من رؤية الحقيقة، ولا الحقيقة تدفعكم إلى كراهية الآخرين.
لقد علمتني الحياة أن الأوطان لا ينهض بها السياسيون وحدهم، بل ينهض بها المعلم، والعامل، والطبيب، والمهندس، والباحث، ورجل الأعمال الشريف، والمزارع، وكل إنسان يؤدي عمله بإخلاص. فكل واحد منهم يضع حجرًا في بناء الوطن.
كما أؤمن بأن مستقبل أمتنا لن يصنعه من يجيد اجترار الماضي، بل من يمتلك شجاعة صناعة المستقبل؛ مستقبل يقوم على العلم، والإنتاج، والحرية، والعدالة، واحترام التنوع، والإيمان بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لكل وطن.
وأخيرًا، إذا أردت أن أختصر رحلتي كلها في كلمات قليلة، فسأقول: تعلمت أن الحقيقة أكبر من الأشخاص، والوطن أكبر من الأحزاب، والإنسان أكبر من الصراعات، وأن الكلمة الصادقة قد تتأخر في إحداث أثرها، لكنها لا تضيع.
وأود أن أختم برسالة أؤمن بها من أعماقي: لا تيأسوا من أوطانكم، ولا تستسلموا لواقعها. فكل نهضة عظيمة بدأت بفكرة، وكل فكرة بدأت بإنسان آمن بأن التغيير ممكن. فلنجعل من اختلافنا مساحةً للحوار، ومن علمنا طريقًا للتقدم، ومن محبتنا للإنسان أساسًا نبني عليه أوطانًا تستحقها الأجيال القادمة.
"قد نختلف في الرأي، وقد تتباين قراءاتنا للتاريخ والسياسة، لكن يبقى الإنسان، وحريته، وكرامته، وحقه في وطن آمن وعادل، القاسم المشترك الذي يستحق أن نلتقي حوله جميعًا."













08/03/2026 - 05:43 AM





Comments