الجولة السابعة في روما: لبنان يدخل المفاوضات بوفدٍ غير مسبوق… والنتائج وحدها ستُعيد الثقة

08/03/2026 - 06:34 AM

San diego

 

 

تحقيق اخباري من اعداد جورج ديب

الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في مبنى السفارة الأميركية في روما لا تشبه ما سبقها من جولات. ليست مجرد جلسة تقنية أو اجتماع بروتوكولي، بل محطة سياسية حساسة يدخلها لبنان بوفد غير مسبوق، يحمل معه ثقل اللحظة، وتعب الناس، ورغبة دولةٍ في أن تُثبت أنها لا تزال قادرة على العمل، ولو في أصعب الظروف. خلف الأبواب المغلقة، لا تُناقش خرائط ولا خطوط فحسب، بل تُناقش صورة لبنان، ومستقبل مؤسساته، وقدرته على إنتاج نتيجة تُعيد شيئاً من الثقة المفقودة.

الوفد اللبناني الذي وصل إلى روما بدا مختلفاً في تركيبته وحجمه ودلالاته. يرأسه السفير السابق سيمون كرم، المعروف بقدرته على إدارة الملفات المعقّدة، وإيجاد لغة مشتركة في اللحظات التي تتداخل فيها السياسة بالقانون وبالدبلوماسية. إلى جانبه، سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض، التي تحمل خبرة في قراءة المزاج الأميركي، وفهم كيفية تحريك الملفات داخل الدبلوماسية الأميركية، خصوصاً حين تكون واشنطن هي الوسيط والضامن في آنٍ واحد.

على المستوى العسكري، يحضر العميد جورج رزق الله مع خمسة ضباط اختصاصيين، في خطوة تعكس رغبة الجيش في أن يكون حاضراً في كل تفصيل، وأن يقدّم رؤية مهنية دقيقة بعيداً عن التجاذبات السياسية. وجود هذا الفريق العسكري ليس شكلياً، بل يعكس إدراكاً بأن أي مفاوضات حساسة تحتاج إلى خبرة ميدانية، وإلى قدرة على الردّ على الطروحات التقنية التي قد تُستخدم لتغيير مسار النقاش.

ويكتمل الوفد بانضمام شخصيتين لعبتا دوراً محورياً في مفاوضات سابقة: الدكتور أنطوان صفير، المستشار القانوني لرئاسة الجمهورية، ونجيب مسيحي، الخبير في شؤون عالم البحار، الذي استعان به الرئيس اللبناني السابق ميشال عون خلال مفاوضات الترسيم التي أفضت إلى الاتفاق البحري بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية.

مصدر لبناني مواكب للمفاوضات كشف لـ بيروت تايمز، أن ضمّ صفير ومسيحي جاء "من باب الاحتياط"، تحسّباً لأي طرح إسرائيلي يتطلب ردّاً قانونياً أو تقنياً دقيقاً، كما حصل في الجولة السابقة. هذا يعني أن لبنان يدخل القاعة مستعداً لكل الاحتمالات، ولكل الأسئلة التي قد تُطرح، ولكل محاولة لإعادة فتح ملفات حساسة.

لكن خلف كل هذه التفاصيل، هناك قصة أكبر: اللبنانيون لم يعودوا ينتظرون بيانات رسمية ولا صوراً للوفود. ما ينتظرونه هو نتائج. نتائج تُترجم في الواقع، لا في التصريحات. نتائج تُعيد لهم شيئاً من الثقة التي فقدوها في دولةٍ لم تعد قادرة على حماية حقوقهم أو إدارة ملفاتهم المصيرية. في السنوات الأخيرة، تحوّلت المفاوضات إلى مساحة رمادية بين الأمل والخيبة. كل جولة كانت تُقدَّم كخطوة نحو الحل، لكن الواقع بقي معلّقاً. اليوم، ومع هذا الوفد الموسّع، يطرح اللبنانيون سؤالاً واحداً: هل ستخرج هذه الجولة بشيء ملموس؟

النتائج هنا ليست تقنية فقط. إنها سياسية، اجتماعية، وإنسانية. نتيجة واحدة واضحة قد تُعيد بعض الثقة. نتيجة واحدة قد تُشعر الناس بأن الدولة لا تزال قادرة على الدفاع عن مصالحهم. نتيجة واحدة قد تُعيد للبنانيين إحساساً بأن هناك مؤسسات تعمل، وأن هناك مساراً يمكن البناء عليه. في طرابلس، في صور، في بيروت، في البقاع... الناس لا يسألون عن النقاط التقنية. يسألون عن معنى هذه المفاوضات بالنسبة لهم: هل ستُعيد بعض الاستقرار؟ هل ستفتح باباً لفرص اقتصادية؟ هل ستُخفّف من التوتر السياسي؟ هل ستُعيد شيئاً من هيبة الدولة؟

وجود هذا الوفد الموسّع يعكس رغبة الدولة في الظهور بمظهر قوي ومتماسك. لكنه أيضاً اختبارٌ لقدرتها على العمل كفريق واحد، بعيداً عن الانقسامات التي لطالما أضعفتها. اللبنانيون يريدون أن يروا دولةً تتفاوض بجدية، وتُدير الملفات بمهنية، وتُقدّم نتائج لا شعارات. يريدون أن يروا مؤسسات تعمل، لا مؤسسات تتبادل الاتهامات. يريدون أن يروا دولةً قادرة على اتخاذ قرار، لا دولةً تنتظر الخارج ليقرّر عنها.

ولا يمكن تجاهل الدور الأميركي في هذه الجولة. الوسيط الأميركي ليس مجرد ناقل رسائل، بل لاعبٌ أساسي يملك القدرة على دفع الأمور نحو اتفاق أو نحو جولة جديدة من التعقيد. لبنان يدرك ذلك، ولذلك جاء وفده محمّلاً بكل ما يمكن أن يعزّز موقفه: وثائق، خبراء، رؤية واضحة، واستعداد للردّ على أي طرح. لكن في النهاية، ما يهم اللبنانيين ليس شكل الوفد ولا حجم الملفات، بل النتيجة.

الجولة السابعة قد تكون مفصلية، وقد تكون مجرد محطة إضافية في مسار طويل. لكن ما هو واضح أن لبنان يدخلها هذه المرة بطريقة مختلفة: أكثر استعداداً، أكثر تماسكاً، وأكثر وعياً بأن كل كلمة تُقال داخل القاعة قد تُغيّر مسار الملف لعقود. اللبنانيون ينتظرون شيئاً واحداً: نتيجة تُعيد لهم بعض الثقة. نتيجة تُشعرهم بأن الدولة لا تزال موجودة. نتيجة تُعيد لهم إحساساً بأن هناك مساراً يمكن البناء عليه.

في روما، لا تُناقش حدود فقط، بل تُناقش صورة الدولة اللبنانية. الوفد الذي دخل القاعة يحمل معه آمال الناس، وتعبهم، وقلقهم، ورغبتهم في أن يروا دولةً تعمل من أجلهم. هذه الجولة ليست مجرد مفاوضات. إنها اختبارٌ لقدرة لبنان على إنتاج نتيجة تُعيد بعض الثقة المفقودة. وما سيخرج من روما لن يكون مجرد اتفاق أو ورقة، بل سيكون رسالة: هل لا تزال الدولة قادرة؟ هل لا يزال لبنان يملك القدرة على الدفاع عن مصالحه؟ هل يمكن للنتائج أن تُعيد شيئاً من الثقة التي انهارت؟

اللبنانيون ينتظرون الجواب... والنتائج وحدها ستُجيب.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment