أيها الفاسدون...

08/03/2026 - 04:46 AM

Jonathan Amireh

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

أيها الفاسدون، اعلموا أن كل يدٍ تمتد لمحاسبتكم اليوم هي سيف الحق المسلط على رقاب الظالمين، والذراع التي ينتقم بها القدر للمسحوقين منكم. هل أدركت طبقة الفساد، ومن سار في ركابها الذليل، سرّ القوة الكامنة في رمزية الدولة التي بدأت تلتف حولها إرادة الشعب؟ إنها قوة المستضعفين الذين انحازوا لكرامتهم الجريحة بعد أن أمعنتم في سحقهم وإذلالهم وتحطيم آمالهم، لا لشيء إلا لأن نهمكم للنهب لم يرتوِ، ولأن شهيتكم للسمسرات والمغانم كانت أوسع من قدرة هذا الشعب المقهور على الاحتمال.

اليوم، نرى منكم من بدأ يرتجف خوفاً على حياته، بعد أن بدأت حصونكم المتآكلة بالتهاوي، في مشهدٍ يجسد ذروة الانكسار؛ حيث يفرّ الشريك الفاسد من شريكه الأفسد، ويتبرأ الابن من إرث أبيه الملوث، ويهرب التابع الصامت من متبوعه المنهار.

لكنّ السؤال الجوهري ليس في الهروب أو المحاكمة، بل في الحقيقة العارية التي يجب أن يعترف بها كل من تلوثت يداه بدم ومستقبل هذا الشعب؛ فهل يوجد بينكم فاسد واحد يمتلك شجاعة الاعتراف ليريح بقايا ضميره الميت، أم ستتركون الحقيقة تندثر في غياهب النسيان؟ إنكم تدركون يقيناً أن الحقيقة مرعبة أكثر من السكوت عنها، وأن مواجهتها هي السقوط الأخير لعروشكم الزائفة.

ماذا يعني أن يأتي يوم تمارس فيه طبقة الفساد "فوقية" الإضراب عن الطعام أو الامتناع عن تناول الدواء؟ لستم "غاندي" في زهده، ولا أنتم رهبان ومتصوفون في محاريب العبادة، بل أنتم "لصوص الهيكل" الذين استباحوا الكرامات؛ فإن جعتم اليوم، فربما تتذكرون لبرهة ملايين اللبنانيين الذين لم يجدوا لقمة تسدّ رمق أطفالهم، أو استجدوا الدواء فلم ينالوه لعجزهم عن سداد ثمنه الذي التهمته سياساتكم الإجرامية.

هل تتصورون انه عند محاسبتكم ومحاكمتكم سيذرف الشعب عليكم دمعة واحدة؟ بل سيحج الناس إلى مراكز القرار ليبتهلوا للخالق الذي أرسل أخيراً من يقتصّ منكم.

أخبرونا، بكلمة حق أخيرة، لماذا كنتم في سدة السلطة تتقاضون أعتى الأجور والتعويضات؟ أليس لتكونوا الحراس الأمناء على لقمة عيش الناس وسيادة وطنهم؟ هل بررتم بأقسامكم؟ هل صنتم الأمانة؟ انظروا حولكم وتأملوا في وجوه اللبنانيين الشاحبة، ستدركون حجم الفجيعة.

أيّ خزيٍ هذا الذي يحلّ بوطنٍ يمتلك فيه بضعة أفراد ثرواتٍ تضاهي ميزانية الدولة والشعب مجتمعين، بينما يتلظى الناس بنيران الجوع والفقر؟ هذه ليست ميزة اقتصادية، بل هي لعنة أخلاقية، وسقوط مدوٍّ لكل قيم الوطنية والوجدان والإنسانية. إن الشريعة والضمير يحرمان على المرء أن يشبع وجاره يتضور جوعاً، فماذا فعلتم بهذا الشعب الذي ائتمنكم على غده؟

انكم تتشبثون بالحياة ليس حباً فيها، بل فزعاً مما ينتظركم في يوم الدينونة الأكبر. وحتى لو غاب الحساب الأخروي عن حساباتكم، تخشون حساب الضمير الذي سيطاردكم بمشهدٍ جنائزيٍّ لا ينتهي؟ مشهد الأيتام، والفقراء، والمنكسرين، وأولئك الذين اختاروا الموت انتحاراً هرباً من ذل العوز. إن اللبنانيين سيلعنون نهجكم، والتاريخ سيجلدكم أنتم وأعوانكم بسياط الخزي إلى أبد الآبدين.

محاسبة الفاسدين أضحت قضية وطنٍ أُنهك حتى النخاع، وشعبٍ تبددت أحلامه، بينما لا يزال أباطرة المأساة يتبخترون وكأن شيئاً لم يكن.

لقد تناوبت على هذا البلد طبقة سياسية فاسدة، حكمت السلم بعقلية الميليشيات، فتقاسمت الدولة أشلاءً، حتى صار اللبناني يردد بأسى "الفقر في الوطن غربة"، وأصبح الفساد دستوركم وظلم العباد فخراً في سجلاتكم السوداء.

خلال نصف قرن، دفع اللبنانيون أثماناً باهظة؛ جيلٌ وُلد تحت القذائف، وجيلٌ كبر على المتاريس، وجيلٌ هاجر بعد أن أُعدم الأمل في وطنه. ثم جاء الانهيار المالي ليكون رصاصة الرحمة التي عجزت عنها المدافع؛ فنهبت الودائع، واغتيلت المؤسسات، وانتحر الأبرياء تحت وطأة القهر.

هل تذكرون ناجي الفليطي الذي انتحر لعجزه عن شراء "منقوشة" لطفلته؟ هناك العشرات مثله، رحلوا بكرامة لأنهم رفضوا الانغماس في رذيلة فسادكم، بينما كنتم تنعمون في قصوركم التي لا تطالها نيران الأزمات.

تعيشون وحولكم جيوش من الأطباء لسلامة صحتكم، لكنكم لم تتدبروا يوماً حال المرضى الذين قضوا لأن سعر الاستشفاء صار حكماً بالإعدام.

تسكنون وحولكم من يحمي حصونكم، لا من عداوة خارجية، بل من غضب الشعب الذي سيدخل يوماً إلى مضاجعكم ويرميكم في مزابل التاريخ.

هل أجريتم عملية حسابية لتقدير عدد البيوت التي تداعت لأن الفقر هدم أعمدتها؟ هل تأملتم في حال شاب يفني عمره ليؤمن حياة بدائية، ثم يضطر لقتل أحلامه لأن الوطن ضاق بطموحاته؟

لقد كان كل هذا تدبيراً ممنهجاً من منظومة أتقنت تحويل الدولة إلى مزرعة والمواطنين إلى أرقام.

أنتم "ابشع واشنع واجرم خلق الله" يجب ان تعترفوا تدفعوا ثمن كل دمعة سقطت من عيون الرجال الذين قهرتموهم وأذللتموهم أمام أطفالهم بمرارة البؤس والفقر والحرمان. واللبنانيين الذين سُرقت أعمارهم، لن يغفر لكم الشعب، ولن يصفح عنكم التاريخ.

لكن الاعتراف يبقى أقل وطأة من الغرق في سراب الصمت. إن المسؤولية وزر منظومة كاملة، سياسية ومالية وإدارية، أحكمت قبضتها منذ عام 1975 حتى 2025، حيث صار انهيار الدولة وهجرة اللبنانيين هو الثمن لاستمرار عروشكم الواهية.

الحقيقة، مهما كانت متأخرة، هي قبس الضوء الوحيد المتبقي؛ فلبنان اليوم لا يريد وعيداً، بل يريد الحقيقة الكاملة، العارية، والمزلزلة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment