كيف ننهي الإيمان بالحرب بوصفها حلًّا؟

08/02/2026 - 18:54 PM

Jonathan Amireh

 

 

مفيد خطّار

بعد أن تهدأ المدافع، ويُجمَع الألم من أرض المعركة ليُزرَع في ذاكرة الشعوب، تبقى جراحٌ ترفض أن تندمل. وكأنَّ الإنسان، بعد كلِّ ما اختبره من دماءٍ وخراب، لا يزال عاجزًا عن التحرّر من أسر الحقد ووهم الانتقام. فما إن يخمد أزيز الرصاص، حتى يبدأ هدير الأحقاد في النفوس، فتستمرُّ الحرب بوسائل أخرى، قد تكون أشدَّ فتكًا وأطول عمرًا.

ذلك هو حال الشعوب بعد كلِّ حرب. تنطفئ نار المعركة في الميدان، لتشتعل نارٌ أخرى في أعماق الإنسان. وحين تعجز القلوب عن إطفاء جمر الكراهية، يبقى متّقدًا تحت رماد الذاكرة، ينتظر لحظة الانفجار. عندها يتحوّل جرح الأمس إلى وقودٍ لصراعٍ جديد، ويصبح الانتقام ميراثًا تتناقله الأجيال من ألمٍ إلى ألم، ومن مأساةٍ إلى مأساة.

وهكذا تدور دوّامة العنف بلا نهاية: منتصرون يصنعون مهزومين، ومهزومون ينتظرون اللحظة التي يصبحون فيها منتصرين، ليعيدوا إنتاج المأساة نفسها. إنّها مسرحيةٌ تتبدّل فيها الأدوار، لكنَّ النص يبقى واحدًا، والنتيجة واحدة: لا غالبَ حقيقيًّا ولا مغلوبَ نهائيًّا، بل شعوبٌ تدفع ثمن انتصاراتٍ لم تمنحها الحياة، وهزائمَ لم تتوقّف عند حدود المعركة.

غير أنّ المشكلة الأعمق ليست في اندلاع الحرب فحسب، بل في الإيمان بأنّها قادرةٌ على صناعة السَّلام. فكلُّ حربٍ تبدأ برصاصة، لكنها تُولَد قبل ذلك في فكرةٍ تُبرِّر العنف، وفي قناعةٍ ترى الإنسان الآخر عدوًّا لا شريكًا في الإنسانية. وحين يصبح السِّلاح لغةً لحلّ النزاعات، يفقد الإنسان ثقته بالحوار، ويتحوّل الموت إلى وسيلةٍ باسم الحياة، والانتقام إلى عدالةٍ زائفة، والكراهية إلى فضيلةٍ تتخفّى بثوب الدفاع عن الحقّ.

ولعلَّ مأساة الإنسان الكبرى أنّه يتعلّم من الألم كيف يتذكّر، لكنه لا يتعلّم دائمًا كيف يتغيّر. فيحمل جراح الماضي إلى المستقبل، بدل أن يحوّلها إلى حكمةٍ تمنع تكرارها. ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي: حين يرفض الإنسان أن يورِّث أبناءه الكراهية، ويقرّر أن يكسر الحلقة التي تربط كلَّ حربٍ بالحرب التي تليها.

لذلك فإنَّ المعركة الأساسية ليست بين شعبٍ وشعب، ولا بين جماعةٍ وأخرى، بل بين ثقافة الموت وثقافة الحياة؛ بين من يرى خلاصه في إلغاء الآخر، ومن يؤمن بأنَّ الإنسان لا يُبنى بهزيمة أخيه الإنسان، بل بالاعتراف بكرامته وصون حياته.

وما دامت ثقافة الانتقام أقوى من ثقافة المصالحة والغفران، ستبقى الحروب تتبدّل في أشكالها، لكنها لن تنتهي في جوهرها. فالمعركة الحقيقية ليست فقط بين الجيوش، بل داخل الإنسان نفسه: بين صوت الكراهية وصوت الرحمة، وبين رغبة الثأر ونداء السَّلام.

يا ربّ، أنت إله السَّلام لا إله الحرب. امنحنا حكمة القلب لنفهم أنَّ الحرب لا تصنع منتصرين حقيقيين، بل تخلّف جراحًا في الجميع؛ وأنَّ الدم لا يغسل الدم، وأنَّ العنف لا يولِّد إلا عنفًا جديدًا. وعلِّمنا أنَّ الحوار والمصالحة، مهما بدا طريقهما شاقًّا، يبقيان أقوى من السِّلاح، لأنهما وحدهما يصنعان مستقبلًا يستطيع الإنسان أن يعيش فيه بكرامة.

يا ربّ، ساعد أبناء لبنان، بكلِّ تنوّعهم، لكي يصبحوا شعبًا واحدًا في الانتماء والمحبّة، حاملين رسالة العيش معًا. حرّرهم من عبوديّة الثأر، ومن وهم الانتصارات التي تُبنى على هزيمة الآخرين. ولا تسمح أن يعود لبنان إلى دوّامة العنف والعنف المضاد، بل اجعله أرضًا تنكسر عليها حلقة الكراهية.

علِّم أبناءه أنَّ الغفران ليس ضعفًا، بل شجاعة؛ وأنَّ العدالة ليست انتقامًا، بل استعادةٌ لكرامة الإنسان؛ وأنَّ السَّلام ليس هدنةً بين حربين، بل ثقافةُ حياةٍ تنبع من القلب، وتترسّخ في الدولة والمجتمع وضمير الإنسان.

واجعل دماء الذين سقطوا بذارًا لوطنٍ جديد، لا وقودًا لثأرٍ جديد. واجعل ذكراهم نورًا يهدي المستقبل، لا حملًا يثقل الحاضر. ولا تسمح أن تتحوّل جراح الأمس إلى حروب الغد، بل إلى حكمةٍ تحفظ الأجيال القادمة من تكرار المأساة.

فلتكن رسالة لبنان إلى العالم أنَّ الشعوب التي ذاقت مرارة الحروب تستطيع أن تختار الحياة، وأنَّ الإنسان قادرٌ على أن ينتصر على نفسه قبل أن يبحث عن الانتصار على غيره. فلبنان لا يكون رسالةً حين ينتصر فريقٌ على آخر، بل حين ينتصر الجميع على روح الكراهية، وحين يتحوّل اختلاف أبنائه إلى غنىً لا إلى سببٍ للدمار.

فهذه هي المعركة الكبرى التي يخوضها الإنسان منذ فجر التاريخ: ليست معركةً بين أممٍ وجيوش، بل بين منطق القوّة ومنطق المحبّة، بين ثقافة الموت وثقافة الحياة. وهناك، في أعماق القلب، يُحسم مصير الأوطان قبل أن يُحسم في ساحات القتال.

فحين تنتهي الحرب في الأرض، قد يسكت السِّلاح؛ أمّا السَّلام الحقيقي فلا يولد إلا عندما تنتهي الحرب في قلب الإنسان.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment