مقالات رأي
جيلٌ بلا بوصلة… والمعلمون في مواجهة الفراغ

إكرام زين الدين
ليست المشكلة التي تعصف بالمدارس اليوم مشكلة مدرسةٍ بعينها، ولا بلدٍ بعينه. إنها ظاهرةٌ تتفاقم في الصفوف كلها، وتتشابه فيها الحكايات من مدينةٍ إلى أخرى.
يدخل المعلمون الصفوف لأداء رسالة التعليم، فيجدون أنفسهم في مواجهة ما هو أصعب من أي منهج: مواجهة جيلٍ لم تُغرس فيه القيم كما يجب.
وأصعب ما يواجهه المعلم اليوم هو غياب الأرضية الأخلاقية التي يقوم عليها التعليم أصلًا. فالعلم يحتاج إلى إصغاء، والإصغاء يحتاج إلى احترام، والاحترام قيمةٌ لا تُدرَّس في حصة. وحين تغيب هذه الأرضية، يصبح الدرس معركةً يومية، ويتحول الصف من مساحة تعلّمٍ إلى ساحة شدٍّ وجذب.
ولا يصحّ أن نحمّل الأطفال وحدهم هذا الوزر، فهم ثمرة ما زُرع حولهم. بيوتٌ أنهكتها الأيام فتراجع فيها الحضور، وشاشاتٌ صارت تربّي أكثر مما يربّي الآباء، تُعلّم السرعة وتنسف الصبر، وتجعل الصوت العالي بطولة، والسخرية ذكاءً. ومجتمعٌ خفت فيه صوت القدوة.
وفي المقابل، قُيّدت يدا المعلم باسم التربية الحديثة، التي أُسيء فهمها حتى صارت تعني أن لا حدّ ولا عاقبة ولا ملاحظة. فبقي المعلم بين أن يصمت فتضيع هيبة الصف، أو يتكلم فيُحاسَب. وهكذا يقف وحيدًا في ميدانٍ يُطالَب فيه بالنتائج دون أدوات.
والأخطر من ذلك أن الأثر لا يتوقف عند جدران المدرسة. فالطفل الذي لم يتعلم أن للحرية سقفًا، سيحمل هذا الفهم معه إلى الجامعة وسوق العمل والبيت والشارع.
والمجتمع الذي لا يُعلّم أبناءه الاحترام اليوم، سيحصد غدًا علاقاتٍ مشروخة، ومؤسساتٍ مرتبكة، وأجيالًا تتقن الحقوق وتجهل الواجبات.
نداءٌ إلى الأهل
أيها الأهل، إن أثمن ما تورّثونه أبناءكم قيمٌ تسكن أرواحهم، تدلّهم على الطريق حين تغيبون.
تعاونوا مع المدرسة، فهي شريككم لا خصمكم، ولا تكونوا محامين لأبنائكم حتى على الخطأ بحجة التربية الحديثة. فاسمعوا قبل أن تدافعوا، وتحقّقوا قبل أن تحكموا، ودعوا أبناءكم يرون فيكم وفي المعلم يدًا واحدة تريد لهم الخير. فمن نشأ على احترام المعلم، احترم الحياة كلها.
الحل أن يعود البيت مدرسةً أولى، وأن تُمنح المدرسة سلطتها التربوية بإطارٍ واضح، وأن يُنظر إلى المعلم شريكًا في بناء الإنسان لا موظفًا يُحاسَب على أي إجراء تربوي يتخذه.
المجتمع لا ينهض إلا بإنسانٍ يعرف كيف يحترم، ويُصغي، ويتحمّل مسؤولية كلمته. وإن لم نمنح هذا الجيل البوصلة اليوم، فلن نلومه غدًا إذا ضلّ الطريق.
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.
















