مقالات رأي
حين يصبح التراث مشروعا الحياة : من ذاكرة عدن إلى طاولات بروكسل
اليمن على خارطة الثقافة الدولية

تقرير / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن
في زمن تتراجع فيه المدن تحت وطأة الأزمات وتصبح الذاكرة الإنسانية عرضة للتصدع أكثر من جدران المباني القديمة ، تبرز الثقافة بوصفها إحدى الوسائل التي تحاول الشعوب من خلالها حماية وجودها واستعادة صورتها أمام العالم ، ومن هذا المعنى تستعد العاصمة البلجيكية ” بروكسل ” لاحتضان فعالية ثقافية دولية مخصصة ” لليمن ” تضع التراث والفنون والاقتصاد الإبداعي في قلب النقاش حول مستقبل بلد لا تزال ذاكرته الحضارية أوسع من جراحه
ففي الخامس والعشرين من نوفمبر 2026 ، تنظم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ” اليونسكو ” بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي ، فعالية بعنوان ” الصمود الثقافي والتنمية في اليمن ” في متحف ” بيلفيو ” بالعاصمة بروكسل ، ضمن مشروع ” توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن ” الممول من الاتحاد الأوروبي
ولا تأتي أهمية هذا الحدث من طابعه الاحتفالي وحده بل من طبيعة الرسالة التي يحملها إلى المؤسسات الأوروبية والشركاء الدوليين ، إذ يسعى إلى إبراز ما يمكن أن تؤديه الثقافة في حماية التراث وخلق فرص العمل وتعزيز التماسك الاجتماعي وفتح مسارات للتعافي طويل الأمد ، ويتضمن البرنامج معرضا فوتوغرافيا يستعرض مسيرة المشروع ونتائجه في مجال إعادة تأهيل التراث ، إلى جانب عرض حي للموسيقى اليمنية ومساحة للحوار تجمع ممثلين عن المؤسسات الأوروبية وشركاء التنمية والثقافة وأفرادا من الجالية اليمنية في أوروبا لمناقشة استدامة المبادرات الثقافية ودورها في مستقبل البلاد ، الا أن إحدى أكثر النقاط دلالة في هذا الحدث تتمثل في تسليط الضوء على إحياء سينما ” أروى ” في عدن ، ضمن مشروع يرتبط بعودة النشاط السينمائي إلى المدينة بعد ثلاثة عقود وفقا لوصف الفعالية ، فهذه السينما تحمل أكثر من معنى معماري وفني ، إنها تستحضر زمنا كانت فيه الشاشة نافذة للمدينة على العالم ومكانا تتقاطع فيه الحكايات والصور والأحلام
إن استعادة فضاء سينمائي في مدينة مثل ” عدن ” تطرح سؤالا يتجاوز حدود الفن ، في : كيف يمكن للمدن التي أنهكتها التحولات أن تستعيد علاقتها بالحياة العامة؟ وكيف تتحول المؤسسات الثقافية من مبانٍ صامتة إلى مساحات تجمع الناس وتعيد وصلهم بذاكرتهم المشتركة؟ ، وتكتسب هذه الأسئلة أبعادا إضافية عند النظر إلى نتائج التعاون بين ” الاتحاد الأوروبي واليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ” في اليمن ، فبحسب البيانات المنشورة عن الشراكة أسهمت المبادرات منذ عام 2018 في توفير فرص عمل لأكثر من ” 11 ألف ” شاب وشابة ، كما استفاد نحو ” 80 ألف ” شخص بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وشملت الأعمال إعادة تأهيل أكثر من ” 921 ” مبنى سكنيا تاريخيا وترميم أكثر من ” 25 ” فضاء عاما ونصبا ومتحفا ، كما امتد الدعم إلى الاقتصاد الإبداعي من خلال إنشاء سبعة فضاءات ثقافية إبداعية في البلاد شارك فيها أكثر من ألفي فنان وعضو من المجتمع المحلي ، إلى جانب برامج تدريب ومنح للمؤسسات الثقافية والمشروعات الإبداعية
وهنا تتكشف المسألة في صورتها الأوسع ، فالثقافة في ” اليمن ” لم تعد مرتبطة فقط بحفظ المخطوطات والآثار أو إقامة المعارض والمهرجانات بل أصبحت مرتبطة أيضا بمستقبل الشباب وبقدرة الحرف والفنون والصناعات الإبداعية على توفير مصادر دخل ، وبإمكانية تحويل التراث من ذاكرة مهددة إلى مورد تنموي مستدام ، ومع ذلك فإن إقامة فعالية دولية في بروكسل لا تعني أن التحديات قد انتهت ، ولا أن إعادة تأهيل المعالم الثقافية تكفي وحدها لاستعادة الحياة الثقافية اليمنية.
فالمسافة بين الإعلان عن المبادرات واستمرارها على الأرض تظل مرتبطة بالتمويل واستقرار المؤسسات وحماية العاملين في المجال الثقافي وإتاحة الفرص بصورة عادلة للفنانين والمبدعين في مختلف المناطق اليمنية ، فما ستطرحه بروكسل في نوفمبر يتجاوز حدود أمسية فنية أو معرض للصور ، إنه حدث سيفتح نافذة لمناقشة مكانة الثقافة في مستقبل اليمن ، ومدى قدرة الشراكات الدولية على الانتقال من دعم المشروعات المؤقتة إلى بناء مؤسسات ثقافية قادرة على الاستمرار ، فالأوطان لا تفقد ذاكرتها حين تتضرر مبانيها وحدها بل حين تنقطع الصلة بين أجيالها وما تركه السابقون من فنون وحكايات ومعارف ، وربما تكون عودة سينما أروى وما يرافقها من حضور يمني في منصة أوروبية ، تذكيرا بأن المدن التي عرفت كيف تصنع الجمال قادرة على البحث عن طريقها إليه مجددا
اليمن في بروكسل ليس مجرد حكاية عن تراث يحتاج إلى الإنقاذ بل سؤال دولي عن حق الشعوب في الاحتفاظ بذاكرتها ، وتحويل ثقافتها إلى قوة للحياة والتنمية والسلام .
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

















